ثورة الوجدان العربي

ثورة الوجدان العربي
الخميس 10 فبراير 2011 - 18:49

لا حديث في هذه الأيام إلا عن ثورتي الياسمين وساحة التحرير. الكل مندهش، متابع، بشكل لا يتكرر إلا في المناسبات الكبرى. الجميع، أو الغالبية على أقل تقدير، نسيت همومها الخاصة والوطنية واشرأبت أعناقها إلى ميدان التحرير حيث يصنع شباب مصر ملحمة عربية بامتياز. لا احد يستطيع العمل بكل حرية أو يتابع حياته العادية دون السؤال عن مصير التحرير. فما السر وراء هذه المتابعة اللصيقة لأحداث خارجة الوطن؟


منذ انطلاق الشرارة الأولى لثورة الياسمين وساحة التحرير ومع توالي الأحداث في الساحة العربية بدأت تتوالى التحليلات والقراءات وتختلف، بين من يربط الأمر بالجانب الاجتماعي وتفاقم الفقر والهشاشة، وبين من يربطه بالظلم السياسي والديكتاتورية، ومن رأى فيه طلبا من شعوب شمال إفريقيا للحرية والانعتاق… لكن أحببنا أن نتوقف عند جانب من الصورة يغفل عنه الكثيرون: حركية الوجدان العربي.


يخطئ من يربط هذه الأحداث بالخصوصية القطرية والمشاكل الخاصة ببعض الدول العربية ويسوق خطاب الاطمئنان مغلفا بأوهام الابتعاد عن عدوى تونس ومصر. فإذا كانت دراسات سيكولوجية الشعوب قد ركزت في أبعادها على خصائص التجمعات البشرية ومرتسماتها على سلوك أعضائها مؤكدة على وجود اختلاف بين ثقافات شعوب الأرض وإن كل واحدة منها تعكس “روح الشعب” التي تقوم على اللغة والأساطير والعادات والتقاليد، فإن الحالة العربية تثبت أن الأمر يتجاوز الحدود القطرية التي تحدد الدولة بمفهومها الوطني. وميدان التحرير أمامنا. حيث استطاعت الجموع المحتشدة في شوارع القاهرة والإسكندرية وكل حواضر مصر وقراها أن تؤلف حولها قلوب ووجدان الشعوب العربية من أقصى المشرق إلى المغرب الأقصى. إن ما تقدمه الأحداث أن للأمة العربية سيكولوجية واحدة ونفسية موحدة تعتمل في شعور كل عربي. إنه التاريخ واللغة والانتماء تتآلف لتشكل هوية توحيدية تعلن عن نفسها في حالات الثورة والمأساة.


منذ عقود توالت حملات التجزئة السياسية والاجتماعية ورافقتها محاولات للفصل الشعوري والوجداني بين الشعوب العربية. فالبعض تحدث ونظر للانتماء الخاص لكل قطر وراح يقلب في دفاتر الأساطير والخرافات عن سند شرعي لقوله. والبعض الآخر بحث في الانتماء لعالم الحداثة ورفض كل مدخرات التاريخ والذاكرة. وآخرون بحثوا عن انتماءات أخرى باسم اللهجة أو الفرنكفونية أو تمازغا. لكن في كل مرة تفرض الأحداث وجودها على وجدان الأمة بعيدا عن كل التقزيمات المتوهمة. ويكفينا مثالا على ذلك التظاهرات المليونية التي شهدتها كل بقاع العالم العربي من أجل نصرة فلسطين والقدس والعراق. إن الإحساس بالانتماء للأمة الذي يعتمل في وجدان كل عربي على امتداد خريطة الوطن ويبرز في الأحداث الجارية تجعلنا نقر بحقيقة الوحدة الشعورية بين أبناء الأمة. فإذا كان البعض يربط مفهوم الأمة ببعض المحددات الإثنية كاللغة والدين والعرق، فإن الوجدان العربي قد أثبت وجود محددات أخرى يقل الحديث عنها في الأدبيات القانونية والاجتماعية مثل المشترك التاريخي والشعوري الذي ينتفض في كل حالة تمس قطرا أو طرفا من هذه الأمة.


إن الإحساس العام الذي ولدته الأحداث الجارية وجعلت كل واحد في بيته متابعا بشكل تفصيلي وكأنه في ميدان التحرير أو شارع بورقيبة تجعلنا نعيد النظر في مفاهيم الانتماء والهوية. لأن مثل هذه النماذج هي التي تقضي على كل خطابات التجزئة وإعادة النظر في الهوية .فالذين يدافعون عن انتماءات خاصة وضيقة ويدعون إلى فصل المغرب عن بعده العربي وحتى انتمائه سياسيا إلى الجامعة العربية يسقط الآن أمام نداء الضمير الذي يجعل الكل يحس بعروبته.


فالعروبة ليست لغة فقط، ولا ثقافة فحسب ، بل هي منظومة قيم تعتمل في انتماء وتراص واضح بين مكونات الجسم العربي. وقد تغيب أحيانا ، وقد تفقد وهجها أحيانا أخرى، لكنها تعرب عن نفسها حين يحتاج إليها. إنها خامة الزرع التي تنتفض بعد فترة سكون على شكل ثورة : ثورة الوجدان العربي.

‫تعليقات الزوار

6
  • الكواكبى
    الخميس 10 فبراير 2011 - 19:01

    ان العالم العربى يتجه نحو التصحيح الداتى بما فيه الوحدة العربية والديموقراطية ووحدة الجماهير الشعبية لمواجهة عصر الامبرياليةالعالمية.والعولمة المتوحشة .الم يقل فوكوياما ان العولمة هى نهاية التاريخ ؟ تاريخ العبودية والاستبداد بالنسبة للجماهير المقهورة.انها بداية انهيار الراسمالية العالمية وهدا ما يخيف الولايات المتحدة واوربا انهما اليوم يعيشان على بركان ساخن الدفاع عن حقوق الانسان والخوف من نهايةالراسمالية حقيقة انه موضوع شيق اتمنى ان يكون بداية لمواضيع عريضة للمختصين والباحثين الجامعيين فى بلادنا العربية.اعود لاقول هاهى بداية انهيار كل ما هو غير انسانى .وما هده سوى البداية.ارجو النشر.

  • ali
    الخميس 10 فبراير 2011 - 18:51

    الوجدان العربي، العالم العربي ، الامة العربية، الجسم العربي ، الشعوب العربية من أقصى المشرق إلى المغرب الأقصى ، الدول العربية…، من كل هذه المصطلحات يتضح ان الكاتب يعاني من مرض اسمه الامازيغية. الهوية الامازيغية يا سي الدكتور ضاربة في اعماق ارض تمازغا، وتمثال تيهيا الملكة الامازيغية مازال صامدا في العاصمة التونسية وهذا خير دليل . فاذا كان الاقصاء شعارك لتعرب الحجر و الشجر، فنحن الامازيغ كديموقراطيين نعترف بوجود اقلية عربية في المغرب الكبير ونسبة معربة او مدرجة واكثرية امازيغية . ونحن دائما مع الشعوب التواقة الى التحرر ونقف معهم من طابع انساني وليس هوياتي باستثناء شعوب ارض تمازغا tanmirt

  • منا رشدي
    الخميس 10 فبراير 2011 - 18:55

    من أي زمن طل علينا هذا الرجل أيضا ، أعتقدت أن هذا الفكر مات وشبع موتا ، أي قبر فتح ليخرج مثل هؤلاء ، حرفة القوادة رائجة هذه الأيام .
    فازت قطر باستضافة كأس العالم وكان يوم شؤم بالنسبة لي ولأغلبية المغاربة الذين عبروا صراحة عن موقفهم من هذا المنبر بكل حرية ، أي ترابط وجداني هذا الذي يدفعني إلى ( كراهية دويلة قطر ) .
    أي ترابط وجداني يجعلنا نتعاطف مع ثورتي تونس ومصر ، ومعظم مسيرات التضامن معهما لم تتخطى 50 شخصا في أحسن الأحوال !
    قدمت مثالين بسيطين لأهدم ما تزعمه من بناء لا يقوم إلا على الوهم . رغبة المغاربة جامحة لمعانقة الضفة الشمالية للمتوسط ، ولا أعتقد أن يوجد بين شبابنا من يفضل اليمن على رومانيا ! ولو قدمت له هذه الأخيرة على أنها جهنم أوربا .

  • amnay
    الخميس 10 فبراير 2011 - 18:53

    لن نفرط ابدا في انتمائنا الامازيغي وسنظل ملتصقين بالتربة المغربية الاصيلة حتى الموت .. نرفض رفضا قاطعا التخلي عن تيموزغا والارتماء في احضان العروبة العرقية..
    نقول لك بالواضح ايها الكاتب العربي لسنا عربا ولن نقبل بان نكون كدلك.. nekwni ed imazighn ar lmut..

  • أبوفراس المغربي
    الخميس 10 فبراير 2011 - 18:59

    أفضل العيش في اليمن على العيش في رومانيا.

  • lilian
    الخميس 10 فبراير 2011 - 18:57

    docteur ,il s’agit de la révolution tunisienne et égyptienne et non de révolution arabe.
    et il s’agit de “mouvement existentialiste tunisien ou egyptien ” et non pas de mouvement existentialiste arabe.Appel aux “intellectuels arabe” arrêtez vos conneries.Le monde arabe, le peuple arabe,c’est des mythes.Il y a des états arabophones ,oui, mais des peuples différents les uns des autres autant sur le plan culturel que linguistique et ethnique. YUDA, BARAKA, SUFFIT, ENOUGH

صوت وصورة
حوار مع  السفير الألماني
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 22:40 3

حوار مع السفير الألماني

صوت وصورة
اتفاقية وزارة التضامن والعمران
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 20:22 4

اتفاقية وزارة التضامن والعمران

صوت وصورة
"ليديك" وفيضانات البيضاء
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 17:08 23

"ليديك" وفيضانات البيضاء

صوت وصورة
استثمارات يابانية في السيارات
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 14:59 11

استثمارات يابانية في السيارات

صوت وصورة
الفلاحة الإيكولوجية رافعة للتنمية
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 12:22 1

الفلاحة الإيكولوجية رافعة للتنمية

صوت وصورة
تعويضات خسائر الفيضانات
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 10:35 6

تعويضات خسائر الفيضانات