ثورة ثقافية هادئة .. هذه حصيلة عقدين من تحول الأمازيغية إلى قضية دولة

ثورة ثقافية هادئة .. هذه حصيلة عقدين من تحول الأمازيغية إلى قضية دولة
الإثنين 8 ماي 2023 - 06:00

“ثورة ثقافية هادئة بامتياز” عرفها تدبير ملف الأمازيغية بالمغرب، وفق أحدث كتب الباحث مصطفى عنترة، الصادر بعنوان “المسألة الأمازيغية بالمغرب من المأسسة إلى الدسترة”.

يقدم هذا المؤلف الذي وصفه أستاذ علم السياسة عبد اللطيف أكنوش بـ”القيّم”، محطات التدبير الرسمي لـ”المسألة الأمازيغية” بالبلاد، ودلالاتها، ومسار تدبير التعدد اللغوي والثقافي بالمملكة، وآلياته، مع تحوله إلى “قضية دولة” و”أحد المداخل الجوهرية للانتقال إلى المجتمع الديمقراطي”.

وقال عنترة إن الخطاب الملكي بأجدير سنة 2001 فتح “أفقا جديدا أمام الأمازيغية كلغة عريقة وعمق ثقافي ومكون هوياتي أساسي وحضارة ممتدة في التاريخ، ابتدأ بالاعتراف الرسمي بالأمازيغية وبمأسستها عبر إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، واختيار أبجدية تيفيناغ العريقة لكتابتها، ووصل في مراحله إلى إدماجها في المنظومة التربوية والإعلام والفضاء العام”.

وتلا ذلك النص على الأمازيغية “لغة رسمية ضمن إطار يقر بشرعية التعدد اللغوي والتنوع الثقافي والهوية المتعددة”، وعلى “قانونين تنظيميين يحدد أحدهما مراحل تفعيل طابعها الرسمي، وينظم الآخر المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، كإطار دستوري مرجعي يضطلع بمهمة اقتراح التوجهات الاستراتيجية للدولة في مجال السياسة اللغوية والثقافية (…) وتم الشروع في تفعيلها على أرض الواقع عبر تدابير وإجراءات حكومية”.

هكذا شهد العقدان الماضيان “ثورة ثقافية هادئة” مكنت المغرب “من وضع الأسس الدستورية والقانونية والمؤسساتية لمعالجة الإشكالية الثقافية، وبناء نموذج متفرد بها في تدبير التعدد اللغوي والتنوع الثقافي بمنطقة شمال إفريقيا”، بمبادرة استمدت فعاليتها من كون “المؤسسة الملكية قوة أساسية في النظام السياسي، تلعب دور الفاعل المركزي المتضمن لكل السلط، مع الاعتراف بباقي الفاعلين في حدود عدم منازعتهم في شرعيتها الدينية والتاريخية والسياسية”.

تم هذا، وفق الكتاب، لأن “الملكية تحرص على تجميع كل المشروعيات، وضبط التحكم في كل المجالات المنافسة، وتوسيع وتجديد التحالفات الاجتماعية بهدف الحفاظ على موقعها وتكريس دورها كفاعل مركزي داخل المجتمع”، علما أن “البعد الثقافي الأمازيغي ليس غريبا على المؤسسة الملكية؛ ذلك أن الملك محمدا السادس اعتبر نصف أصوله أمازيغيا”، في حوار سابق مع مجلة فرنسية.

ويرى المؤلف أن الملك قد وضع نفسه في السنوات العشرين الأخيرة في مرتبة “الأمازيغي الأول”، ناقلا الأمازيغية من “قضية مجتمع إلى قضية دولة”؛ فـ”الأمازيغية تعد من بين الأوراش الهامة التي باشرها الملك بعد خلافته لوالده الراحل الحسن الثاني، شأنها في ذلك شأن قضايا المساواة بين الرجال والنساء، والنهوض بحقوق الإنسان، وتحقيق العدالة الانتقالية، وإصلاح وتحديث الحقل الديني، وإطلاق مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية للمملكة”.

ويشرح كتاب “المسألة الأمازيغية بالمغرب” منهجية معالجة الملف مغربيّا، قائلا إنها متعددة الأبعاد، أولها “بعدٌ مؤسساتي دعم المدخل الدستوري للاعتراف بالثقافة الأمازيغية، وبعدٌ اشتغل وفق مرجعية تقليدية تمنح للملك صلاحيات الإشراف على رسم وتحديد مهام وأدوار المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كقناة رسمية لتدبير هذا الموروث الثقافي”.

وجاء بعد ذلك تسييج الأمازيغية “ضمن إطار ثقافي، يروم تحويل ونقل السلوك الاحتجاجي للفاعل الأمازيغي إلى إطار مؤسساتي حاضن، وجعله يشتغل إلى جانب الملك، في تقديم المشورة لتدبير هذا الملف”، يليه “بُعدٌ تشاركي في ارتباطه بباقي الفاعلين مع الحرص على إشراكهم في القضايا الاستراتيجية”، مع “التدرج والحذر”، المستحضر لأخطاء تجارب تدبير الملف في المحيط المغاربي.

إذن، توالت هذه التحولات “وفق مقاربة مدروسة” من المؤسسة الملكية، وساعدت في ذلك المتغيرات الإقليمية والدولية” ولعبت فيه “الحركة الأمازيغية كقوة مدنية مستقلة، وحقوقية، واحتجاجية، وهوياتية دورا ضاغطا، كما ساهمت في إثارة ونشر وعي ثقافي وسياسي حول أهمية الأمازيغية داخل المجتمع، يستند في أسسه إلى معطيات تاريخية وجغرافية وفكرية وثقافية، مما جعل الأمازيغية تبرز كعنوان للشخصية المغربية (تمغربيت)”.

و”اضطرت” هذه الخطواتُ “غالبية الأحزاب السياسية إلى مراجعة طروحاتها، وتبني مواقف إيجابية من المطالب الأمازيغية، خصوصا بعد الخطاب الملكي التاريخي بأجدير”.

وفي محاولة تفسير عدم اهتمام المؤسسة الملكية بالتعدد اللغوي في بداية الاستقلال، ذكر الكتاب أن “أولويات بناء (الدولة الوطنية) المستقلة كانت تفرض، حينها، من المجتمع إظهار الوحدة والإجماع والتماسك، ولو على حساب تعدديته، ولهذا ظل هذا الموضوع مؤجلا إلى حين نضج كامل الشروط الملائمة”.

وواصل شارحا: “لم يقبل الملك الراحل الحسن الثاني (الاعتراف السياسي) بالمكون الثقافي الأمازيغية؛ لأن هذا الموضوع ينتمي إلى بنية ثقافية وحقوقية تعددية، في حين أن الثقافة السائدة كانت ذات طابع إجماعي، بالرغم من كون شعار (الوحدة في التنوع) كان العنوان الأبرز للفاعل الأمازيغي”، لكن “جاء تفكير المؤسسة الملكية في معالجة موضوع الأمازيغية بفعل تحولات كبرى عاشها المجتمع الدولي، وخوفا من إعادة إنتاج مآسي التجربة الجزائرية، واستجابة لضغط الفاعل الأمازيغي، وبُعد رؤية ملكٍ في التصالح مع النصف الآخر من أصوله”.

ولا ينفي الكتاب أن “التأخر الكبير” لمدة نصف قرن تعاني منه الأمازيغية، لكونها “كانت مهمشة وخارج المؤسسات”، لكنه يدافع عن فكرة مفادها أنه “في ظل اعتراف دستور 2011 بالأمازيغية، لتدارك هذا التأخر كان من الضروري اعتماد مقاربة تمييزية بشكل إيجابي”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • البقالي
    الإثنين 8 ماي 2023 - 06:15

    اظن ان العائق الأكبر والوحيد في تقدم وانتشار الامازيغية هو مشكل الحرف الذي تكتب به.. لو كانت كتبت مثل الفارسية لكان افضل.. تكتب بسهولة وتقرا بيسر ويفهمها الجميع في كل أنحاء الوطن… فعلا الامازيغية لم نعطيها حقها وتأخر تثبيتها كلغة اساسية في المغرب

  • Abdou
    الإثنين 8 ماي 2023 - 08:14

    Après des décennies de marginalisation, tamazight ( langue, culture et civilisation) retrouve petit à petit la place légitime qui lui revient de facto sur les terres de ses ancêtres, ce qui lui permettra, de par sa richesse, de jouer un rôle capital dans le développement du pays et le renforcement du sentiment d’appartenance du marocain à son pays qui est source de notre fierté

  • ارحال
    الإثنين 8 ماي 2023 - 09:05

    مستحيل ان تصبح في الوقت الراهن اللهجة الامازيغية لغة كباقي اللغات التي تطورت بشكل كبير في القرون الاخيرة واصبحت لغة العلم والتكنولوجيا فاللغة العربية نفسها لم تعرف التطور الذي عرفته اللغات الاخرى العالنية وخاصة الانجليزية التي يتحدث بها العالم كله هل تستطيغ اللهجة الامازيغية المحلية والمختلفة من منطقة الى اخرى ان تحدث الفارق لا احد عنده الجواب .

  • فريد
    الإثنين 8 ماي 2023 - 12:59

    موضوع شاءك…أحاول التقرب منه بموضوعية. فعلا هناك برابرة كانوا سكان المغرب الاقدمون يتكلمون لهجة و من حقهم الابقاء عليها لانها ترمز لهويتهم….. و هدا امر طبيعي ليس فيه نقاش. الا ان الدستور المغربي يقسم سكان المغرب إلى 5 فتات…امازيع وعرب و اندلسيون و يهود و حسانيون…زد على دالك الفرنسيين و الاسبان و البرتغاليين الدين استوطنوا المغرب …و حتى بربر الشمال بمختلف أنواعهم و لهجاتهم. الان الاستقلالية في العالم لم تعد لها معنى…اد ان التكنولوجيا استوطنت الشعوب و تعرف عنهم كل شيء و في كل حين و تسير رغباتهم و طموحاتهم و استهلاكهم و تواصلهم ..فعلا تدريس الامازيغية سيعطي فرصة للامازيغ للحصول على وضاءف …اتمنى لو ان تدرس الامازيغية في الجامعة فقط في إطار التخصص لانه الان لنا مشاكل جمة حقيقية في شتى المجالات … في اجتماعات الحكومة نسمع انهم يتكلمون بالفرنسية…ضروري…أما في البرلمان فقد فرضوا…صحة اللغة العربية…ونحن لانتقن العربية الا في شطرها الفلكلوري…لن تجد ابدا اي مغربي يتكلم العربية في الشارع…الا ادا قرء القران…!

صوت وصورة
النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 11:55 1

النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى

صوت وصورة
أزمة النقل تخنق سكان طنجة
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 10:28 4

أزمة النقل تخنق سكان طنجة

صوت وصورة
GNV تحتفي بزبنائها في مراكش
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 09:20 1

GNV تحتفي بزبنائها في مراكش

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17 6

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36 2

ضيوف من الفضاء

صوت وصورة
أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 15:32 5

أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء