جداريات أصيلة.. مشاهد من مدينة تشرع دروبها أمام الريشة

جداريات أصيلة.. مشاهد من مدينة تشرع دروبها أمام الريشة
الإثنين 29 شتنبر 2014 - 09:15

يكفي أن تُدثر الأصباغ، وريشات الرسامين وألوانهم جدران مدينة، حتى تُخرجها عن نطاق المألوف، وتنأى بها عن صخب شوراع الحواضر الحديثة ونمطيتها، وتصنع منها مدينةً أصيلةً تتحيز لأهل الفن ورواده، وذلك حال مدينة أصيلة.

فقد أضفت اللوحات الجدارية التي تتزين بها شوراع أصيلة، على هذه المدينة التاريخية رونقا خاصة، جعلت الرسم حرفة أهلها، وهواية يتقاطر فنانون عالميون على هذه الحاضرة المغربية لممارستها، فالبيوت أضحت للراسمين أوراقا، والشوارع صارت تشبه بزهو أوانها متاهات معرض تشيكيلي مفتوح أمام العابرين، ما جعل أصيلة نفسها تصير”لوحة رسم كبيرة”، تسمح لكل المُبدعين الذين يزورونها بترك آثارهم على جدرانها.

المدينة التي يعود تاريخ بنائها للعام 1500 قبل الميلاد، تُشرع ساحاتها ودروبها الضيقة أمام إبداعات الرسامين الذين يشد بعضهم الرحال من أقاصي البلدان ليرسموا على جدرانها، مُحتفين بشساعة الفضاء ورحابته، وسعة أفق يمنحها لهم البحر، الذي تستقر في كنفه هذه المدينة المُطلة على الأطلسي، فتصير حاضرة أقرب إلى سجية الطبيعة الأولى براءتها، بعيدة عن صخب المدن الحديثة وتكلُفها.

لا يحتاج الرسام في مدينة أصيلة إلى عُزلة مرسمه، ولا إلى خلوة تجعله في مأمن من عيون المتطفلين إلى أن يُكمل لوحته ويفاجئ بها جمهوره، كما جرت بذلك العادة منذ قرون، بل إن رسامي الجدرايات في مدينة أصيلة، يتقاسمون تفاصيل لوحاتهم، ويتأملونها تتخلق على مهل على جدران الحي أو البيت أو الزقاق على مرأى من الجميع، فتصير اللوحة مُشتركا إبداعيا تفتقت به قريحة الرسام، وتابعه بعناية جمهور واسع من زوار المدينة وأهلها.

فبعد أن تكتمل تشكيلية اللوحة وتستقر ألوانها وشخوصها على الجدران، يتذكر العابرون متى مروا من أمامها، تفاصيلها الأولى وخطوط المُتعرجة المُتوجسة التي خطها الرسام وهو يتأمل بأناة لوحته، قبل أن تتشكل في ذهنه أجزاؤها كاملة، وينطلق بجسارة وإلهام مُبدع في رسمها على جدران الحي.

وفي عُرف سكان أصيلة، ليست صنوف الفن المُختلفة ترفاً يميل إليها كل شغوف أو مولع بجمالياتها فحسب، بل إن الفن يدخل في صميم حياتهم، ويؤثث مخيالهم الجمعي ويُكسبهم انتماء “أصيلاً” لأصيلة، فالجدران الخارجية لبيوت المدينة القديمة مُشرعة في وجه الرسامين من أبناء المدينة نفسها، الذين يبادرون إلى تحويل الواجهات الخارجية لبيوتهم للوحات فنية مُعبرة، فيما أزقة أصيلة تضج جنباتها بالخطاطين ورسامي البورتريهات الذين يكسبون قوتهم مما تصنعه أناملهم من إبداعات.

الدور والأزقة في هذه المدينة أقيمت بنفس أندلسي موريسكي طافح، يحيل على تفاصيل حضارة شبه الجزيرة الإيبرية، وإن أكسبها البرتغاليون الذين غزوا المدينة وحكموها منذ سنة 1471م طابعا تحصينيا، فتسامقت أسوارها، وعلت أبراجها العسكرية، وطوقت المدينة نفسها بالبحر ومخازن البارود، خشية من محتل غاشم، دون أن يمس ذلك بالإحساس الفني المُرهف، التي تتمتع به هذه المدينة، وتطبعه “أثرا طيبا” في نفوس من يزورونها.

يوقع كل فنان لوحته، ليضاف اسمه إلى سجل المُبدعين الذين عبروا هذه المدينة وتركوا فيها بصمتهم، فهذا المعرض التشكيلي المفتوح في الهواء الطلق، يتجدد باستمرار، لتتجدد معه روح المدينة ورونقها، بعد أن يعيش “الأصيليون” سنة كاملة مع رسوم تزين أحيائهم، يألفون التمعن في تفاصيلها كل صباح، يمنحون أيضا في عام آخر لمُبدع آخر قادم من بلاد بعيدة، فسحة للرسم على ذات الجدار تبعا لتصوره الخاص ولإحساسه بجماليات هذه المدينة، لتتجدد روح أصيلة بشكل دائم وتنزع عنها ثوب جدارياتها القديمة، متألقة في رسوم جداريات أخرى لرسامين عالميين مُبدعين، تبعث فيها الحياة من جديد.

* وكالة انباء الأناضول

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • وزاني
    الإثنين 29 شتنبر 2014 - 09:48

    الله جميل يحب الجمال. يا ريت لو كانت كل مدن المغرب و قراه على هذا الشكل .تحية عاطرة لكل ساكنة أصيلة وعلى رأسهم الرائد و الذاكرة السيد البوعناني أطال الله في عمره.

  • hind
    الإثنين 29 شتنبر 2014 - 09:56

    c'est une belle ville ses hibitants sonttrès gentils , j'aime assila infiniment

  • hamid
    الإثنين 29 شتنبر 2014 - 10:59

    عرض مفتوح وجميل والا جمل هي المحافظة عليه طول العام اتمنى ان هده التقافة تطغى في جميع مدن المغرب

  • Mohamed Amine D
    الإثنين 29 شتنبر 2014 - 12:45

    Vous ne pouvez imaginer l'amour que je prouve personnellement à cette jolie ville, très calme et des habitants aussi réceptifs, c'est notre patrimoine que nous sommes censés le protéger, une ville côtière qui s'installe délicatement dans l'océan atlantique, une beauté extrême, une accalmie morale, et c'est toujours fascinant ce que les jeunes essayent d'offrir à leur ville, avec les simples moyens qu'ils disposent, un grand merci aux habitants de cette ville,

    Merci Hespress.

  • مروان
    الإثنين 29 شتنبر 2014 - 13:35

    قبل النظر الى الجداريات يجب الالتفاتة للمواطن الزيلاشي الذي يموت في صمت الاهمال البطالة المعاناة كل شيئ ينذر بالخطر في اي لحظة نعيش شهرين ونموت عشرة ففي ماذا ستنفعنا الجداريات الشباب كله في المقاهي من اجل تلفيف المخدرات وسرحه في عالم الخيال وهو لايعلم اصلا ان كانت هناك رسوم ام لا لانه لايفارق المقهى من الصباح للمساء اذن من المستفيد…

  • أبو آليا س من ألما نيا
    الإثنين 29 شتنبر 2014 - 14:00

    سلا م من كل إلا عما ق إليك يا أصيلة ،أجمل مدينة أرتا ح فيها ،خا صة المدينة القديمة القرا قية ،وتحية خا صة لعمي صالح الذي كنا معه كل صيف ،وسا محني هذا الصيف لم أزر البلاد لظرو ف العمل هنا في ألما نيا ،اطلب من سكان أصيلة الحفا ظ علي هذه المدينة ..وإلا بتعا د عن إلا مو ر السيا سية الضيقة .شكرا

  • يوسف
    الإثنين 29 شتنبر 2014 - 15:47

    سلام
    مدينه تصتحق كل تقدير
    اهلا وسهلان
    بكولي من يوريد رؤيتوها

  • عقبة بن نافع الفهري
    الإثنين 29 شتنبر 2014 - 17:12

    بسم الرحمان الرحيم
    الفن والفقر منذ الاستقلال ونحن نبدع ونرسم ونكتب الكتب ونالف المسرحيات وننتج افلاما وننشد القصائد ونغني الملحون ونرقص الفلكلور وو…لكن لم يفدنا هذا في شيء الامية اكثر والمغاربة يعانون الى اليوم من ابسط متطلبات الحياة من ماء وكهرباء وطرق ومستشفيات اذن اظن اننا نحتاج الى فن متطور يفيدنا للوصول الى حياة كريمة اما اصيلة وجدارياتها فهذا فيه كلام كثير
    اليوم اصيلة ملك لصاحبها بن عيسى يفعل فيها مايريد واتمنى من هسبريس ان تتكلم عن جداريات اصيلة ليس فقط في المدينة القديمة ولكن كذلك في حي المكسيك او البيبلو فهناك جداريات تعبر عن مدى ازدهار الفن التشكيلي وكذلك ستجد ان الساكنة تعيش في العفن . اسف اعني الفن
    كماارجوا من هسبريس ان تقوم بسؤال الساكنة هل تعلم شيئا عن هذه الجداريات وهل سائلهم اي مسئول عن ابداء ارائهم في ذلك وهل الجداريات تنفعهم في اي شيء ? اين اذن هي حق المواطنة الحقيقية كما تحدث عنها ملكنا في خطابه الشهير ام ان اصيلة مازالت تعيش في عصر سنوات الرصاص
    اصيلة تعيش مرحلة استغلال شخصي من طرف ذلك المليونير بن عيسى يفعل مايريد دون محاسبة فهل منكم رجل رشيد? الساكنة تطلب النجدة

  • nadire
    الإثنين 29 شتنبر 2014 - 17:38

    الى الاخ مروان ادا كنت من طينة هؤلاء الشباب الدين تتكلم عنهم فلا يرج منكم خيرا والسلام

  • Mechbal
    الإثنين 29 شتنبر 2014 - 18:26

    مدينة مغموق اهلها ومفتوح الوانها . تجربتي مع اهلها سلبية, يظهرون ما لا يخفون.
    موريسكيون منافقون , ولا صحبة منهم .

    الراي حر ولكل تجربته.

    وخاصة سكان تطوان راس النفاق والخداع

    انشري يا هيسبرس

صوت وصورة
ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:23

ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟

صوت وصورة
غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:22

غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء

صوت وصورة
إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 21:31

إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري

صوت وصورة
مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:00

مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب