جدتي سيدة الحكي

جدتي سيدة الحكي
الثلاثاء 9 أبريل 2013 - 01:56

في بداية 2009، عام تأديب الصحافيين في المغرب، حلمتُ أني اعتقلتُ بسبب مقال عن النخبة المترهلة، الهرمة والفاسدة. وقد اضطرت جدتي لقطع 700 كلم لزيارتي. رأيت المحنة التي تعرضت لها وهي تقف باكية في صف طويل بين مآت النساء وعشرات الرجال في باب السجن. استيقظت مفزوعا.

أخجل من دمع جدتي، لذا تعودت أن أكبح نفسي.

بعدها صرتُ أجد صعوبة في كتابة المقالات السياسية. ركزت على تحليل الأفلام. فبعد كل هذا العمر لا تستحق جدتي أن تهان وتبكي. في الغد اتصلت بها تحدثنا قليلا وودعتها.

وكالعادة بعد المكالمة وضعتْ هاتفها جانبا.لا تعرف كيف تغلق الخط، وبذلك أسمعها تكلم نفسها. تعترف بما لم تقله لي أثناء المكالمة. تردد “تعبتُ يا ولدي… يكفي أني عشت حتى رأيت أولادك”.

لهذه الجملة طعنة وداع مزلزلة من امرأة تسلمتني وعمري بضعة أيام، وذلك بعد أن ولدتني أمي وهي لم تبلغ السادسة عشرة من عمرها.

كانت جدتي تعد فطائر لذيذة بالعسل، كنا نقيم في غرفة واحدة، ربعها مطبخ، كان سني ست سنوات وقد بدأ رمضان للتو، كنت أحب فطائر بالعسل، وأحب العسل أكثر، لذا كنت أنتظر خروج جدتي للحقل لأشرب العسل، حصل ذلك في اليوم الأول والثاني من رمضان، لكن في اليوم الثالث، اختفت قنينة العسل من الغرفة، بحثت عنها طيلة النهار، وفي كل الأيام الموالية، كنت أراها فقط وقت الإفطار عندما تأتي جدتي بالفطائر من الفرن، ثم تختفي. انتهى رمضان وحل عيد الفطر استيقظت وقد أعدتْ جدتي الفطائر، قبلت رأسها وجلست لنفطر، طلبت مني إحضار العسل، دهشت، سألتها “أين هو؟”

قالت دون أن تضحك “تحت الوسادة التي تنام عليها”.

قصدت الوسادة المحشوة بالصوف فوجدت القنينة، أخذتها وأنا آسف لكل الوقت الذي قضيته أبحث عنها. كم من مشكل يوجد حله على بعد سنتيمترات من جماجمنا ولا نراه.

هكذا فتحت عيني في البادية وجدتي تطبخ لي وتحكي. تطعم البطن والعقل، وهكذا كانت جدتي، امرأة الظل معلمتي الأولى.

لم يكن الحكي بعيدا عن الطبخ. فقد كان الموضوع الرئيسي للحكايات هو الصراع على الأكل، دلاليا لا تقلّ الحكايات دسما عن الوجبات. في البدء، في عصر النّية، كانت الحيوانات تتكلم في حضرة ملكها المعظم. كيف أصبح الأسد ملكا؟

تقاتل أسدان والذي انتصر صار ملكا.

كان لدي اعتراض: كيف يكون للحيوانات ملك من غير جنسها؟

لا يمكن أن يتصارع ثور مع أسد ليكون الأسد ملك البقر. لنعرف من القوي يجب أن يتعارك متشابهان من نفس الوزن.

بين البقر يجب أن يكون أقوى ثور ملكا. يجب أن يكون للقردة ملك منها.

كانت هذه واحدة من المرات التي واجهتُ حكايات جدتي بأسئلة لم تملك لها جوابا. حين كبرتُ غيرت السؤال: لو كان لكل نوع ملك من طائفته. كم من ملك ومملكة ستكون؟ كثير.

إذن من الأفضل أن يكون الأسد ملكا على الثيران والقردة ويفترسها حين يجوع. ويقال أنه عزيز النفس لا يطمع في فريسة غيره مهما كان جائعا.

هزم الأسدُ الجميع لكن امرأة شتمته بأن فمه قذر لأنه يأكل الجيف. يصطاد وتتغذى الثعالب على الفضلات… كانت كلمة الفضلات تستفز جدتي، فقد كانت تُستدعى للطبخ في الجنازات. يقدم الكسكس للرجال أولا ونادرا ما يتبقى للنساء ما يكفيهن… في تلك اللحظة أدركت أنه من الجيد أن آكل مع الرجال. ففي صحن الرجال كثير من اللحم في الأعراس والجنازات. في مثل هذه المناسبات تتحدث جدتي بمهارة، مرة اشتكت لها أم شابة – ولدت طفلا وحبلت مرة ثانية – من عجزها عن فطم طفلها. قالت لها جدتي ضعي قليلا من الفلفل على حلمتك ودعيه يرضع. ذاق الطفل المرارة وكره الثدي.

هكذا كان لحكايات جدتي فائدة عملية. حكايات تحذيرية أكثر مما هي مضحكة. حكايات لليقظة وليست لما قبل النوم. حكايات تقدم حقائق لا نكتشفها إلا متأخرين.

كانت هذه الحكايات تملأ وقتي بالمجان. بينما الآن يحتاج الأطفال إلى إنفاق النقود باستمرار لملأ وقت فراغهم. وغالبا ما تحتل الحلويات أولوية الإنفاق فيزيد وزن الأطفال بشكل مضر بالصحة. حاليا صار الحاسوب هو المعلم الأول للطفل، والحاسوب يجعل المتعامل معه عصبيا، ينتظر استجابة فورية بعد كل كبسة فأرة. وينتظر نفس الاستجابة الرقمية من البشر. وتشتد تلك العصبية لدى طفل في أسرة نووية ربته أم لم تبلغ الثلاثين. تضربه ليأكل ولم يُتمْ عامه الأول، تصرخ ليلبس ويغسل. وفي النهاية فالعنف يسحق خيال الطفل. ومن ضعُف خياله صار عدوانيا.

غالبا تحرص الأمهات المبتدئات على نظافة ملابس أطفالهن اكثر من حرصهن على نظافة مزاجهم وخيالهم. الخيال أهم من سروال غير ملطخ بشكولاطة.

لقد ربتني جدتي وخصصت لي كل وقتها، في حين أن أمي لم يكن لديها وقت تخصصه لي، كان وقتها مستنفدا تماما بين إخوتي والمطبخ وأبي، كانت جدتي تستمع إليّ وهي تنظر في وجهي. تحدثني بانتباه وتشرح لي بهدوء وبصبر عظيم. تشركني في ما تعمل، تقول لي “تتعلم من يدك وليس من أذنك”… حين أخطئ تمد يدها وتقرصني بشدة فلا يعلم غيري أني تعرضت لعقوبة وغالبا ما أكتم الألم لأن جدتي تردد “الخسارة التي لم يعلم بها أحد ربح”.

حين قرأت اعتراف ابن حزم في “طوق الحمامة” أنه تربى في “حجْر النساء” فهمت مساري. قبل حفل الزفاف، اشترطت علي خطيبتي، ألا أحكي لها أية حكايات حين نجلس على كرسيين كي لا تضحك فيفسد الماكياج. قلت لها: كيف لا أحكي وثلاثة أرباع وزني حكايات؟

في العطل الصيفية أكتري شقة مفروشة في الطابق الخامس مطلة على البحر واصطحب جدتي معي، في الشرفة نقضي جل الوقت قبالة البحر نتحدث، تخشى جدتي أن تموت قبل أن تنقل لي كل الحكمة التي تختزنها. أصغي لها وهي تراث عالمي. أسجل الحكايات والأمثال لأصنع منها سيناريوهات لأفلامي القادمة. كانت جدتي تحب الحديث عن الزمن. تقارن الحاضر بالماضي، تشعر بالخيبة والفزع بسبب الغلاء. عندما أتسوق تسألني عن أسعار بعض السلع وتستغرب مستويات الغلاء. البطاطس الحلوة – التي تحبها لأنها تبلع دون مضغ – بدولارين للكيلو. أي ربع دولار للحبة الواحدة. يـــاه.

مرة اشتكت جدتي من التعب، لها ذهنية متطلبة وبدن ضعيف، أخذتها إلى الطبيب وطمأنها بأنها متعبة لا مريضة، هنأها لأنها نحيفة، ولن يجد المرض أين سيعشش فيها، قالت للطبيب “محركي تعب”.

بين حكاية وأخرى تغفو جدتي وتنام… هنا تتاح لي الفرصة لأتأملها عن قرب وقد تدهورت صحتها، تزعزعني العروق البارزة في يديها وعظام وجهها التي صار مكسوة بجلد رقيق… تستيقظ فتجدني أتأملها، تجد الذعر في عيني… أخاف أن أفقدها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • و الحق يقال
    الثلاثاء 9 أبريل 2013 - 02:38

    انت تتحدث عن الشطة او الحار بالثدي الفطام فتبادرت لمخيلتي مايسة سلامة الناجي عند زيارة كلينتون وصفت ان ثدييها بهما فرارة هكذا و انها توقفهما بالسوسطين و أعادت اللفظة في اليومين السابقين و لم أتحقق اي موضوع دكرت الفرارة فيه
    تذكرت سردت لفظة الفرارة حين بررت عدم مبيتها خارج البيت انها فقط لا تجد مصفاة القهوة حين الصباح لتصفية فرارة الحليب

  • Roudani In Arizona
    الثلاثاء 9 أبريل 2013 - 03:31

    الله يخليها و يعطيها عمرا طويلا. الله يحفظ لنا والدينا و الناس القدام.

  • Abou Anass
    الثلاثاء 9 أبريل 2013 - 09:46

    . Que Dieu protege ta grande mere.

  • تحيه خرطوميه للجده المغربيه
    الثلاثاء 9 أبريل 2013 - 14:06

    استاذنا، الكاريم ، السلام عليك، اولا احملك رساله وامانه ان تبلغ سلامى لجدك شخصيا بحرارة الخرطوم وعطر ربيع المغرب الزاهى ارجو ان تبلغها رسالتى عاجلا".
    وسلامى وتحيتى لكل جداتنا العظيمات وهن والله قامات لا اظن ان نبلغها فيما قادم من ايامنا.
    ولى سوال هل نحن نستطيع تقديم او اعادة انتاج منتوج جداتنا او جدودنا فقط فى الشق الشفوي؟ بعطره ومضمونه ….
    والله المستعان
    ومن الخرطوم سلام

  • observator x
    الثلاثاء 9 أبريل 2013 - 17:41

    قصة خيالية
    لقد وقعت في عدة متناقضات يجب تفاديا مستقبلا.

    *إذا كانت جدتك لاتعرف زر إغلاق هاتفها فكيف تعرف مفتاحه للإجابة عن مكالمتك. !

    "وكالعادة بعد المكالمة وضعتْ هاتفها جانبا."ا تعرف كيف تغلق الخط، "وبذلك أسمعها تكلم نفسها."

    "لهذه الجملة طعنة وداع مزلزلة من امرأة تسلمتني وعمري بضعة أيام، وذلك بعد أن ولدتني أمي وهي لم تبلغ السادسة عشرة من عمرها. "
    ثم قلت:
    "تسلمتني وعمري بضعة أيام"!

    "في حين أن أمي لم يكن لديها وقت تخصصه لي، كان وقتها مستنفدا تماما بين إخوتي والمطبخ وأبي"

    "في العطل الصيفية أكتري شقة مفروشة في الطابق الخامس مطلة على البحر واصطحب جدتي معي."

    الطابق الخامس!!

    *إذا لم يكن في هذه العمارة مصعد فقد تكون أتعبت جدتك وربما تشبعك قرصا وعضا.

  • khalid
    الثلاثاء 9 أبريل 2013 - 18:21

    felicitation monsieur, tres bon article et tres bon style lah yerhem jedoudna….

  • كيالي من أغبالة
    الثلاثاء 9 أبريل 2013 - 18:52

    تحية لك أخي العزيز
    تحية لريشتك التي أعاتدني إلى أيام الطفولة والبراءة والبطولة والجمال
    تحية للجدة التي علمتك ما لم تستطع كثرة البيداغوجيات تعليمنا إياه.
    تحية لضميرك الذي منح الجدة حقها
    تحية لهذه الأفكار التي لا تزول بزوال الخبر السياسي الذي يخنق الغصة
    تحية لجمال العبارات
    تحية للإنتاج الرائع
    سلمت يداك، سلمت ريشتك
    ودمت متألقا أخي العزيز

  • MOHAND AMAZIGH
    الثلاثاء 9 أبريل 2013 - 19:31

    مقال غاية في الروعة احيى في نفسي الحنين الى ذكريات الطفولة التي كانت جدتي رحمها الله تحتل جزء كبير في هذه الطفولة

    فشكرا جزيلا اخي فقد اححيت في انفسنا ذكريات من اعز ذكرياتنا والتي اصبحنا نفتقرها اليوم امام تنامي المد الاعلامي والتطور التكنولوجي الذي افقدنا غنى الروح

  • مستمتعة بالمقال
    الأربعاء 10 أبريل 2013 - 13:40

    كلام رائع يدخل القلب و يدغدغ المشاعر
    شكرا لمشاركتنا هذه المشاعر الرائعة
    حفظ الله لك جدتك وجميع أهلينا

صوت وصورة
رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:05 5

رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة

صوت وصورة
الرجولة القاتلة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:00

الرجولة القاتلة

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:08 2

أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي

صوت وصورة
''Artisway''.. صناعة الذهب التقليدي بفاس
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:00

''Artisway''.. صناعة الذهب التقليدي بفاس

صوت وصورة
مقر جديد يعزز خدمات الشركة الجهوية
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 18:09

مقر جديد يعزز خدمات الشركة الجهوية

صوت وصورة
خطوات لحماية القدرة الشرائية
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 16:33 7

خطوات لحماية القدرة الشرائية