جدلية التعليقات

جدلية التعليقات
الإثنين 10 غشت 2026 - 05:32

نشر معهد “رويترز” لدراسة الصحافة تقريره السنوي عن الأخبار الرقمية لسنة 2025، الذي يرصد فيه المواقع الإخبارية التي تتصدر المشهد الإعلامي.

أكد التقرير تزايد توجه المغاربة نحو المنصات الرقمية للحصول على الأخبار، ورسخ صدارة بعض المواقع في تصنيف الرواج الأسبوعي الرقمي بالمغرب.

وتكشف تجربة بعض المنصات واسعة الانتشار عن الإشكالات التي تثيرها سياسات إدارة التعليقات. فانتشار الموقع، يعد مكسبا مهنيا ثمينا للقائمين عليه، وشهادة تسمح له بالاستحواذ على سوق الإعلانات. ولأجل بلوغ ذلك، قد تعتمد كثير من المنصات أساليب غير مهنية لاستقطاب القراء.

وإذا كانت الصحافة الورقية التقليدية خلال العقود السابقة تعتمد – لكسب ثقة القراء – على أسماء معينة من الكتاب تتميز بأسلوبها اللغوي الرائق، وتحليلها العميق، وصياغتها المتينة للمقال الصحفي، فإن هذا الشرط قد تراجع اليوم وبقوة، وأضحت كثير من المواقع الإخبارية صورة لمشهد واحد، بعدما أصبحت تعتمد بدرجات متفاوتة على أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأخبار وصياغتها، فأصبح التمايز بين كثير من المواقع الإخبارية أقل وضوحاً.

ولأجل استقطاب القراء، تستعمل سلاح التفاعل، في موقعها الإلكتروني، وفي شبكات الاتصال الاجتماعي:

ففي الموقع يقوم المحرر بصياغة العنوان المثير، الذي يصطاد القارئ، ويغريه بتصفح الموقع وتتبع الرابط لقراءة الخبر؛ وتفتح باب التفاعل بالتعليق. فمساحات التعليق اليوم جعلت فضاءات التعليقات في المواقع الإخبارية الإلكترونية واجهة أساسية للتفاعل الجماهيري، حيث تحولت من مجرد هامش تقني إلى جزء لا يتجزأ من “النقاش العمومي”. غير أن هذه المساحة، بدأت تثير تساؤلات جوهرية حول مدى نجاعة الإشراف التحريري، وقدرته على تحقيق التوازن الدقيق بين صون حرية التعبير وضمان جودة الحوار، بعيداً عن الانزلاق نحو الاستقطاب أو التضليل.

أما في شبكات الاتصال الاجتماعي، مثل الفيسبوك وأنستغرام واليوتوب وغيرها، فإن باب التعليقات مفتوح أيضا في صفحة المنبر الإعلامي في الشبكات. والتعليق فيها يكون متاحا لكل المنخرطين في الشبكة، وإعدادات هذه الصفحات لا تتطلب مراجعة التعليقات والموافقة عليها قبل نشرها. ما يسمح لأي شخص بإدراج ما يشاء من تعليقات، حتى لو كانت مخالفة للقانون، وهو مطمئن إلى أنه لا أحد سيتدخل لحذفها فور العلم بها، ما يعد إخلالاً بالالتزام القانوني للناشر.

أزمة جودة النقاش ومحركاتها

تعكس تعليقات القراء ومناقشاتهم بشكل كبير مستوى الصحيفة الإلكترونية وجودة مادتها؛ فالصحافة الرصينة تجذب غالباً نخبة من القراء والمثقفين، وتفرض بيئة نقاشية واعية، من خلال جودة محتواها، وسياسات الإشراف الصارمة. في المقابل، تميل الصحف الشعبوية أو القائمة على “الإثارة” إلى جذب تعليقات سطحية أو مشحونة.

يلاحظ متصفحو المواقع تراجع ملموس في جودة النقاش داخل أقسام التعليقات؛ فبدلاً من أن تكون هذه المساحات مختبراً للأفكار وتلاقح الآراء، غدت في كثير من الأحيان ساحة للتراشق اللفظي والأحكام المطلقة. ويلاحظ هنا تفاوت صارخ في التفاعل مع المحتويات المنشورة؛ فالأخبار السياسية، وأخبار كرة القدم، والقضايا المثيرة للجدل، تستأثر بحصة الأسد من التعليقات، مدفوعةً في ذلك بطبيعة الجمهور وخوارزميات العرض.

تحديات الإشراف التحريري

يتحمل المحرر المشرف على تدبير التعليقات مسؤولية جسيمة، إلا أن الممارسة الحالية تكشف عن فجوات بنيوية؛ حيث يبدو أن عملية المراجعة التحريرية تنحصر غالباً في استبعاد “الخطوط الحمراء” كالشتم أو التحريض الصريح على العنف، أو الإرهاب، مع غض الطرف عن جودة المحتوى ومصداقيته. هذا القصور في الإشراف يفتح الباب أمام تنامي المعلومات المضللة، إذ تتحول أقسام التعليقات إلى مرتع لإعادة إنتاج الشائعات، ونظريات المؤامرة التي يستهلكها القارئ، أحياناً، باعتبارها نبضاً للرأي العام.

وقد يؤدي غياب معايير واضحة للإشراف إلى تشجيع الخطابات الأكثر استقطاباً، سواء كان ذلك مقصوداً، أم نتيجة لطبيعة اقتصاد التفاعل الرقمي، فيجد الخطاب الحاد والمستفز لنفسه مساحة أوسع للانتشار لأنه يضمن تفاعلاً رقمياً أعلى، وهو ما قد يؤدي -بوعي أو بدون وعي- إلى تفضيل “الكم التفاعلي” على حساب “الجودة المعرفية”.

وهذه الظاهرة ليست قاصرة على المواقع المغربية وحدها، فقد عانته منصات دولية كبرى، (مثل “نيويورك تايمز” أو “لوموند”)، لكنها تعاملت مع مسألة التعليقات بذكاء وحنكة. البعض منها لجأ إلى “التعليقات المفلترة بشدة”، أو “تعطيل التعليقات في القضايا الحساسة”، أو حتى “فرض الاشتراك للهوية” لضمان جدية المعلقين.

التبعات على الوظيفة التنويرية للإعلام

أن سياسة الإشراف على التعليقات تؤثر بشكل مباشر في توجيه وعي الجمهور، من خلال صياغة النقاش العام، وتشكيل قناعات المتابعين. فتأطير النقاش، وإبراز آراء معينة وإخفاء أخرى، يوجه اهتمام الجمهور نحو زوايا محددة للقضية. فتثبيت تعليقات معينة يوحي بوجود إجماع وهمي، ما يدفع المترددين لتبني الرأي نفسه.

إن خطورة ما سبق لا تقف عند حدود ساحة التعليقات، بل تمتد لتؤثر في التصور العام للمادة الإخبارية ذاتها. فالقارئ لا يتفاعل مع الخبر بمعزل عن تعليقات الآخرين؛ إذ يمكن لهذه الأخيرة أن تعيد تأطير الخبر، وتمنح انطباعاً بأن رأياً متطرفاً أو غير موثق هو الرأي السائد، ما يخل بمصداقية الخبر المهني.

مسؤولية تجويد النقاش

إن استعادة الوظيفة التنويرية للإعلام الرقمي مرهون بمدى قدرة المواقع الإخبارية على معالجة هذا الخلل. فإذا استمرت هذه الفضاءات في كونها صدى للانفعالات، بدلاً من كونها ساحة للحوار المتبصر، فإن ذلك سيقوض الدور النبيل للصحافة في تثقيف المجتمع. والإصلاح المطلوب لا يعني تقييد الحريات، بل يعني “أنسنة” وتجويد النقاش عبر وضع معايير تحريرية صارمة، تعزز التعددية وتدحض التضليل.

فلابد من إقصاء الآراء الحادة، بحذف خطاب الكراهية والعنصرية، والمعلومات المضللة، لحماية المجتمع من الاستقطاب الفكري. ولابد أيضا من خلق بيئة آمنة للتفكير الحر المستقل، فالإشراف الصارم يشجع النخب والمختصين على المشاركة، ما يرفع الوعي الجماعي.

ويجب تفعيل ميثاق شرف للتعليقات حتى يلتزم به القارئ قبل النشر. وقصر السماح بالتعليق على الهوية المعرفة، بحرص المنصات على التحقق من هوية المعلقين لتقليل “التصيد” والذباب الإلكتروني. كما يمكن إشراك القراء الموثوقين في الإبلاغ عن التعليقات المسيئة.

إن التحدي الذي يواجه المؤسسات الإعلامية اليوم هو الانتقال من منطق “الاستثمار في التفاعل الرقمي الجاف” إلى منطق “الاستثمار في جودة الحوار العمومي”، باعتباره صمام أمان للنقاش الديمقراطي في الفضاء الرقمي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • مقص الرقابة .
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 00:47

    المعلق يكون أكثر قسوة واكثر شراسة في صياغة تعليقه على المواضيع التي أثارت حفيظته، يعتقد أن المهادنة في الطرح لا تخدم رغبته في تغيير الواقع المعاش إلى ما يعتقد من وجهة نظره أنه الواقع الذي عليه أن يكون، أحيانا نعقب بنوع من التجاوز ونحن على يقين باستحالة النشر نعلق كما لو أننا نخاطب شخص المسؤول عن نشر التعليقات لنقول له دون ان نقول نعرف أنك لن تسمح بالنشر ولكن هذا هو ما نؤمن به وهذا ما نعتقد . نحن جمهور هذه الورقيات نعرف أن سقف الحريات لها رسم حدود ولكن هذا لا يعني أننا لن نحاول الإختراق احيانا ننجح ولكن بعد ساعات نكتشف أن يدا تدخلت ليلا والناس نيام وأمرت بأن يسحب هذا المخترق الى ما وراء الحدود، تعليقات تنال اعجاب المئات يتم سحبها ولكن هذا لا يعني أنها ام تحدث أثرا، أو تحرك مياها راكدة.

  • سعيد المنصوري
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 10:47

    شكرا للكاتب على إثارة هذا الموضوع
    ولعل ما يقع في شبكات الاتصال الاجتماعي أخطر بكثير
    لو تصفحنا الفيسبوك والتعليقات التي يضعها المشتركون حول بعض الأخبار والمعلومات لأصابنا الذهول
    الأمر خطير جدا، يرسخ عددا من الظواهر الاجتماعية السلبية الخطيرة، كالتعصب، والإرهاب، والعنصرية، والتنمر الإلكتروني، والشتائم، واحتقار المؤسسات الدستورية.
    ويجب وضع حد لهذا الأمر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 2

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 8

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 17

بنكيران: البيجيدي في المعارضة

صوت وصورة
بوانو ومخرجات الانتخابات
السبت 26 شتنبر 2026 - 11:30 9

بوانو ومخرجات الانتخابات

صوت وصورة
طنجة تحتفي بموسيقى الآلة
السبت 26 شتنبر 2026 - 10:44 1

طنجة تحتفي بموسيقى الآلة

صوت وصورة
احتجاج يندد بالتطبيع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 23:50 22

احتجاج يندد بالتطبيع