جلال المنبر

جلال المنبر
صورة: و.م.ع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 15:29

خطبة الجمعة جزء ثابت من عمارة المسجد؛ مثل المنبر، والثريّا، والسّجاد. في طفولتي كنت أشاهدُ الخطيبَ يصعدُ الدّرجات في تؤدة، يستقرّ في مكانه، يفتح أوراقه، ثم يطلق الكلمات في إيقاع أعرفه قبل أن أفهمه.

كنت أتركُ الجمل تمضي، وأتتبّع شعاعًا رفيعًا من الضّوء يتسلّل من نافذة عالية، ثم يزحف ببطء فوق كتف رجل مسنّ يجلس أمامي. لم أفهم يومها كثيرًا مما كان الخطيب يتحدّث عنه.

بدت الألفاظ أكبر من عمري، والجمل أطول من قدرتي على ملاحقتها، والموضوعات آتية من زمن لم أتبيّن معالمه بعد. كان الخطيب يتكلّم عن الدنيا كما لو أنها طريق واضح، وعن الإنسان كما لو أنه يعرف الخير كلّه.

حين كبرتُ صرت أدخل المسجد محمّلًا بما لا يظهر عادةً على الوجه: ارتباك في العمل، سؤال أخلاقي لم أجد له جوابًا، خوف من مستقبل لا يكشف أوراقه، خلاف صغير تضخّم داخلي، وشعور غامض بأن الحياة تسرع أكثر مما تسمح لي بأن أفهمها.

في إحدى الجُمَع جلست في الصّفوف الخلفية، بدأ الخطيب حديثًا طويلًا عن الصّدق. جاءت عباراته صحيحة، مرتّبة، واثقة من نفسها. ظلّ الصدق في كلامه نقيًّا بعيدًا عن الغبار. لم يدخل مكتبًا، ولم يجلس في اجتماع، ولم يمرّ فوق عَقد عمل. كنتُ أصغي وأفكر في تلك المسافة الواسعة بين الفضيلة حين تسكن العبارة، والفضيلة حين تدخل الحياة. فالناس لا يجهلون في الغالب أن الصدق محمود، وأن الظلم قبيح، وأن الرحمة واجب إنساني.

ما يرهقهم يبدأ بعد هذه المعرفة، في المنطقة الرمادية التي لا تستقرّ فيها الإجابات بسهولة؛ حين تؤلم الحقيقة، ويكلّف العدل صاحبه شيئًا من مصلحته، وتحتاج الرحمة إلى شجاعة.

خرجت من المسجد يومها من غير جواب واضح، غير أن سؤالًا جديدًا رافقني: ماذا لو بدأت الخطبة من الموضع الذي تبدأ فيه حيرة الناس، لا من الموضع الذي تنتهي عنده الكتب؟ منذ ذلك اليوم أخذت أتخيّل خطبة الجمعة في صورة أخرى. رأيتها لقاءً بين تجربتين، لا صوتًا يهبط من مكان مرتفع إلى وجُوهٍ سَاكِنة.

يدخل الخطيب إلى الحياة مع الناس، يعترف بتشابكها، يلمس خوفهم من الداخل، ثم يبحث معهم في نور الوحي عن طريق أصدق لعبورها. لا يتصرّف كمن يملك خريطة كاملة لعالم مرتّب، وإنما يقف مثل دليل يعرف جهة النور، ويعرف أيضًا وُعورة الطريق.

قد يبدأ من مشهد صغير لا يلفت النظر: موظف اكتشف خطأً ماليًّا يصبّ في مصلحته، أُمٌّ تُخْفي تَعبَها كي لا تقلق أبناءها، شاب يكتب تعليقًا قاسيًا خلف شاشة، طبيب أنهكه ضغط العمل، أستاذ يمنح طالبًا قريبًا منه ما لا يمنحه للآخرين، تاجر يستطيع أن يربح أكثر إذا سكت عن عيب في سلعته، مدير يطلب الصراحة ثم يعاقب أول من يُمارسها.

عندها تغادرُ الأخلاقُ رفوف العبارات، وتتحوّل إلى قرارات لها كلفة. لا يعود الصدق كلمة سهلة، ولا تصير الرحمة زينة لغوية، ولا يظهر العدل فضيلة مريحة. تدخل القيم إلى مناطق الاحتكاك، حيث تتعرّض للضغط، وحيث يعرف الإنسان مقدار صدقه الحقيقي.

لا تضيفُ خطبة الجمعة كما أتصوّرها اليوم مزيدًا من الجمل الصحيحة إلى ذاكرة مزدحمة. حين يسمع المرء حديثًا عن الفساد، يتخيّل مسؤولًا كبيرًا خلف مكتب فاخر. قلّما يفكر في ساعة العمل التي أهدرها، أو المعلومة التي أخفاها، أو الامتياز الذي قَبِلَه وهو يعرف أنه لا يستحقّه، أو الدّور الذي تجاوزه لأن له معرفة داخل المؤسسة، أو الصمت الذي اختاره لأن الاعتراض قد يكلّفه راحته.

لا تحتاج الخطبة إلى صوت مرتفع كي تترك أثرًا عميقًا. بعض الكلمات تفقد قوتها كلما صاحت، وبعض المعاني لا تدخل القلب إلا بصوت يعرف هشاشة البشر.

حين تحصي الخطبة الأوامر والنواهي وحدها، يشعر الإنسان أحيانًا أنها تتحدّث إلى شخص آخر: شخص كامل الإرادة، ثابت العزم، واضح الخيارات، لا يتردّد، ولا يتعب، ولا تضطرب بوصلته.

كيف تستعيد الخطبة روحها في عالم متغيّر؟

لهذا تحتاج خطبة الجمعة اليوم إلى معرفة الإنسان كما هُو. تبدأ من ضَعْفه، ثم تفتح له أفقًا. تمنحه لغة يفهم بها ما يعيشه، ولا تكتفي بإخباره بما كان ينبغي له أن يفعله. تساعده على تسمية خوفه، تفرّق له بين الذنب والندم، وبين المسؤولية واحتقار الذات، وبين التوبة التي تحرّك الحياة والشعور بالعجز الذي يجمّدها.

تحتاج خطبة الجمعة أيضًا إلى رُوح العصر، لا إلى مظهره الخارجي وحْده. بهذا، تستعيد الخطبة وظيفتها الأخلاقية في عالم تغيّرت أدواته؛ فالقيم لا تعيش خارج المؤسسات والشاشات والأسواق والجامعات؛ العدل الذي لا يدخل مكان العمل يظل فكرة جميلة؛ والرحمة التي لا تظهر داخل البيت تبقى شعورًا عابرًا. الصدق الذي لا يصمد أمام المصلحة يبقى وعدًا لم يختبر صاحبه قوّته بعد.

أما أسلوب الخطبة، فيحتاج إلى أن يقترب من الأذن المعاصرة من غير أن يفقد وقاره. لا تصنع الكلمات النادرة بلاغة، ولا تمنح المترادفات المتراكمة الفكرة عمقًا، ولا يعني الغضب أن الحقيقة وصلت. تظهر البلاغة حين يشعر السّامع أن الفكرة تلمسُ أمرًا يعيشه كل يوم، مع أنه لم يَره بهذه الصورة من قبل.

الخطبة التي لا ترفع صَوْتها

يستطيع الخطيب أن يقول إن الأمانة واجبة. ويستطيع أن يسأل أيضًا: ماذا يبقى من الأمانة في زمن صارت فيه الصورة أهم من الحقيقة؟ ماذا تعني الأمانة حين يتقن الإنسان تقديم نفسه أكثر مما يتقن عمله؟ مثل هذه الأسئلة لا تقدّم أجوبة جاهزة، لكنها تحرّك الوعي. فالخطبة التي تجيب عن كل شيء قد تغلق التفكير، أما الخطبة التي تصوغ السؤال جيدًا فقد ترافق الإنسان زمنًا طويلًا.

لا أعرف كيف نقيس نجاح الخطبة، غير أنني لا أثق كثيرًا في حرارة الإعجاب التي يشعر بها المستمع وهو يوافق الخطيب في كل شيء. ربما يكشف الأثر الحقيقي عن نفسه في ذلك القلق الهادئ الذي يصاحبه بعد الخروج؛ أن يمشي إلى بيته أبطأ قليلًا، وأن يراجع كلمة قالها، أو موقفًا اتخذه، أو حُكمًا أصدره بسهولة، أو حقًّا طالبَ به لنفسه ومنعَه عن غيره.

سمعت خطبًا كثيرة توقّفَتْ عند باب المسجد. امتلكتْ إيقاعًا قويًّا، وتقسيمًا محكمًا، واستشهادات كثيرة. وما إن عادت الهواتف إلى الأيدي، واستأنف الناس أحاديثهم وأعمالهم، حتى انطفأت الكلمات. أجمل الخطب لا تجعل السامع مبهورًا بقُدرة الخطيب، وإنما تجعله أقل اطمئنانًا إلى صورته عن نفسه، وأكثر صدقًا في مراجعتها.

ذلك الضوء فوق كتف رجل مسنّ

بعد كل هذه السّنوات، أعود أحيانًا إلى ذلك الطفل الذي كان يتابع شعاع الضوء فوق كتف الرّجل المسنّ. ربما لم ينصرف عن الخطبة كما ظننتُ. ربما كان يبحث، بطريقته الصغيرة، عن المعنى حين يصير مرئيًّا؛ حين يغادر الكلمات، ويلامس جسدًا ووجهًا وقلقًا وحياةً.

هذه هي خطبة الجمعة التي أنتظرُها: كلمة لا تتعالى على الناس، ولا تُطاردهم بالتأنيب، ولا تمنحهم راحة الاتفاق السريع. كلمة تنزل إلى مواضع الحَيْرة فيهم، وتُضيء شيئًا خفيًّا لم يستطيعوا رؤيته وحدهم. كلمة تشبه ذلك الشُّعاع القديمَ لا يملأ المسجد كلّه، ولا يدّعي أنه بدَّدَ العَتَمة، لكنه يصل إلى كتف إنسانٍ واحد، فيجعلُه يرى العالم لِلَحْظة على نَحوٍ مُختلف.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • نبيل عدنان
    الجمعة 25 شتنبر 2026 - 15:44

    كم مرة ذهب أحدنا إلى صلاة الجمعة وهو يحمل في داخله شكًّا أو حيرة بشأن أمر شديد الخصوصية؛ مشكلة زوجية، أو مهنية، أو دراسية، أو مالية، أو قرارًا صعبًا يعجز عن حسمه.

    ثم يؤدي الصلاة، ويجلس للاستماع إلى خطبة الجمعة، فإذا بالإمام والخطيب يتحدث عن موضوع يمسّ مشكلته بالذات، ويقول كلمات، ويستشهد بآيات وأحاديث، ويطرح معاني وحلولًا، كأنه يعرف ما يدور في ذهنه ويعرف تفاصيل الحيرة التي يعيشها!

    وفي بعض الأحيان تكون المطابقة مدهشة إلى درجة أن الإنسان يشعر وكأن الخطيب يمشي معه خطوة بخطوة، وأن الكلمات التي يسمعها ليست مجرد موعظة عامة، وإنما جواب عن سؤال ظل يؤرقه، أو إشارة إلى طريق كان يبحث عنه، أو مفتاح لحقيقة عجز عن الوصول إليها.

    ولعل هذا من أجمل ما يمكن أن يعيشه الإنسان في لحظات الحيرة: أن يبحث عن الجواب في كل مكان، ثم يأتيه أحيانًا من حيث لم يكن ينتظره، وفي اللحظة التي يكون فيها أكثر احتياجًا إليه.

    وقد لا تكون الخطبة قد أُلقيت من أجله أصلًا، لكن النفس الحائرة تبحث عن المعنى، وحين تصادف كلمةً توافق ما في داخلها، فإنها تستقبلها بطريقة مختلفة تمامًا.

  • عمر
    الجمعة 25 شتنبر 2026 - 15:46

    “العدل الذي لا يدخل مكان العمل يظل فكرة جميلة؛ والرحمة التي لا تظهر داخل البيت تبقى شعورًا عابرًا. الصدق الذي لا يصمد أمام المصلحة يبقى وعدًا لم يختبر صاحبه قوّته بعد”…مقال فلسفي صعب لكن اخذنا منه هذه الجمل الابداعية…

صوت وصورة
البطالة تُهجّر شباب تيفلت
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 14:42 3

البطالة تُهجّر شباب تيفلت

صوت وصورة
أسعار اللحوم تواصل الارتفاع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 10:48 9

أسعار اللحوم تواصل الارتفاع

صوت وصورة
خصاص الكتب يرهق الأسر
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:48

خصاص الكتب يرهق الأسر

صوت وصورة
احتفالية في بيت المنصوري
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:42 24

احتفالية في بيت المنصوري

صوت وصورة
شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 18:46 7

شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح

صوت وصورة
المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية
الخميس 24 شتنبر 2026 - 15:48 12

المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية