قد يستغرب البعض لهذه الدعوى، و يستكثرها على أطفال التعليم الابتدائي، ظنا منهم أنها دعوة لشق رؤوسهم بنظريات شوبنهاور وآراء نيتشه و فكر ديكارت وأرسطو وأفلاطون وسارتر والكندي والفارابي وغيرهم من فلاسفة العجم والعرب.
إنها ليست أكثر من دعوة لاستحضار روح الفلسفة في المقررات الدراسية و في منهجية تدريسها، وفي تكوينات المدرسين والإداريين التربويين والمؤطرين. ألم تكن الفلسفة تعني فيما تعنيه الحكمة، “ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا”. للأسف هناك البعض من لا يزال بمجرد ما يسمع الفلسفة يتأفف ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، اعتقادا منه أنها صنو الإلحاد وأنها سبب كل الموبقات، موقف يعود لقرون خلت مع أمثال الفقيه الشهرزوري الذي قال ذات قرن “الفلسفة أسُّ السّفَة والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته… ومن تلبس بها قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان”، في حين فما هي في جوهرها أكثر من إعمال العقل فيما ينبغي إعماله. فأيهما أولى أن نربي أطفالنا منذ الصغر على اعتماده، أم نتركهم هملا حتى يكبروا فيصعب عليهم في مسيرتهم الحياتية؟
فما المقصود بروح الفلسفة، غير التربية على السؤال في كل المواد بدون استثناء، ودون الخشية من أي نوع من الكوابح والموانع وما أكثرها للأسف ابتداء من الأسر إلى المدرسة إلى المجتمع، للأسف لا يزال حديث الصغار وإبداء رأيهم في حضرة الكبار، يعتبر قلة أدب وسوء أخلاق.
فما الذي تعنيه أكثر من أنشطة تعليمية تهدف إلى تكوين شخصيات مستقلة، لها آراء فيما يعرض عليها بالرفض أو القبول المبني على أسس موضوعية. أنشطة تحرر التلاميذ من عقلية القطيع الذين لا يعرفون غير “سمعنا وأطعنا” لا مواقف لهم، فحيثما ذهب الناس ذهبوا مسلوبي الإرادة. يقودهم كل من هب ودب حسب هواه. فجوهر الفلسفة أن يتعلموا متى يقولون نعم ومتى يقولون لا، بدون وصاية من أحد. إنها تشجع على الخلق والإبداع. إنها تشجع على مهارة التفكير الناقد. وطبعا ليس النقد من أجل النقد. إنها تشجع على قيمة الحوار وفن الإصغاء.
إنها احترام الآخر وإن اختلف معنا. إنها الحرية وطبعا التي تنتهي حيثما تبدأ حرية الآخرين. وبالجملة، إنها الطريق إلى الديموقراطية التي ننشدها جميعا لمجتمعاتنا. فشتان أن تبنى لبنة لبنة منذ الصغر بتدرج بما يناسب سنهم ومستوى تفكيرهم، وبين أن لا يعرفها الإنسان إلا لما يبلغ من العمر عتيا.
المفروض أن يبادر تعليمنا ليكون لدى أطفالنا غرابيل أو مصاف تمكنهم من غربلة رديء الأفكار من جيدها، والانتقال معهم بتدرج بالوسائل البسيطة ليميزوا خبيث الأشياء من طيبها. وخاصة اليوم مع الثورة التكنولوجية، الأفكار متدفقة لا حصر لها فيها الحابل والنابل، فيها الصحيح والمنخول، وفيها المسموم المدسوس في العسل وفيها و فيها. فهل يعقل مثلا أن ننصب على رأس كل طفل أمام الحاسوب مَنْ يوجهه. فلِم لا نسلحه بأدوات الفلسفة، تؤهله ليدرك كنه ما يُقذف به، قبل أن يسمح لصالحها بالمرور ويستغني عن طالحها؟
إطلالة بانورامية على مقرراته وإن كان يروج نظريا أنه على درب القطع مع “احفظ واعرض” والقطع مع منهجية التلقين، لكن للأسف لا تزال هذه طبيعته في كثير من مواده المقررة.
وللإشارة فالدعوة إلى استحضار روح الفلسفة ليست وليدة اليوم، ففي سنة 1999 نشرت اليونسكو تقريرا، توصي فيه الدّول بتعميم ممارسة الحوارات ذات المنحى الفلسفيّ منذ المرحلة قبل المدرسيّة. فأخذت عشرات الدول هذه التوصية محمل الجد وتبنتها. وككل جديد وجد المشروع يومئذ من يناوئه. فرنسا مثلا، فأساتذة الفلسفة أنفسهم رفضوه، بزعم أن الفلسفة لا ينبغي أن تكون إلا تتويجا للمسار الدراسي بالثانوي.
المفروض اليوم، والصراع على أشده حول تشكيلة اللجنة الدائمة للبرامج و المناهج التعليمية، و لتكون للتعليم كلمته في تقدم البلاد وتطورها، يا ريث لو يكون هذا الصراع حول من ينهض بتعليمنا ويخرجه من عنق الزجاجة التي يعلق بها لعقود. ميزانيات خيالية ومردودية تكاد لا تذكر. فلم لا يكون الصراع من أجل بناء مقررات ومناهج تدريس وفق روح الفلسفة وجوهرها. لكن يبقى السؤال من يعلق الجرس؟ ففاقد الشيء لا يعطيه. فقبل التلميذ لا بد أن يتشبع بروحها كل من له علاقة بالتعليم، من أساتذة و إداريين و مؤطرين وغيرهم.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.