"جيل الضباع"

"جيل الضباع"
الجمعة 16 يونيو 2017 - 04:49

عبد الله حمودي مفكر كبير، أفنى جزء كبيرا من مساره الأكاديمي والعلمي في تفكيك بنية السلطة في المغرب، لكنه ليس مثقفا معزولا عما يجري في المجتمع وليس مفصولا عن الدينامية الاجتماعية والبيئة التي تربى فيها.

خرج في مسيرة الأحد مع المتظاهرين دون أن يؤمن بالوهم القديم بأن المثقفين يجب أن يأنسوا لوحدتهم وان يكونوا بعيدين عن الجماهير بمبرر ان الثقافة متعالية..تماما كما كان حمودي في الصف الأول في تشريح علاقة الشيخ والمريد في النظام السياسي المغربي وتماما كما نجح حمودي الأكاديمي في ان يقيم اوجه التشابه الكثيرة بين تدبير الزاوية وبين تدبير الحقل السياسي نجح حمودي في ان يثبت لنا جميعا ان المثقف لم يكن يوما مثل جزيرة معزولة..

لكن بعض المثقفين عندنا ممن حقنوا بداء السلطة المزمن وممن تقترن الكتابة عندهم بالخوف والرقابة الذاتية يريدون التأسيس لمفهوم جديد وغريب للمثقف. يريدون بالتحديد ان يصبح المثق آلة ميكانيكية تشتغل في مختبر للأفكار او في محترف للتنظير او ان يصير الكاتب مجرد “شيء” يمتلك راسا ومعدة يخضع لقانون العرض والطلب والطلب هذه الأيام ليس بضاعة مربحة ولذلك لابد من السكوت حتى تمر العاصفة..وبعدها سيشرح لنا السوسيولوجيون بالكثير من العبارات المبهمة والغامضة لماذا توقعوا فشل حراك الريف وسييهبون- كعادتهم- في الدفاع عن تنبؤاتهم بان الاحتجاجات كانت هشة وسيقول لنا الفلاسفة(بلغة تجريدية مغرقة في الميتافيزيقا) فيما يشبه الحسم الفكري إن هؤلاء الشباب الذين دافعوا عن الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية كانوا ضد العقل والمنطق وانزاحوا عن مجرى التاريخ..وسيخبرنا المؤرخون أن مثل هاته الحركات الفجائية لا تستحق الدراسة إلا بعد خمسين عاما..

اتحاد كتاب المغرب الذي كان في لحظات تاريخية مختلفة من تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال في الصف الأول لمواجهة انزياحات السلطة صار اليوم كيانا باعثا على الحسرة ثم على اليأس وكل همه ان يظفر ببعض الزيارات ويصدر مجلة يتيمة جدا في غير موعدها الحقيقي ويعجز عن تنظيم مؤتمره وفوق ذلك- وهذه هي الطامة الكبرى- ان يستكين للحياد في قضايا مجتمعية مصيرية تهد البلاد والعباد إلى الحد الذي نصدق ان اتحاد الكتاب يشبه مؤسسة رسمية تابعة للدولة مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي..ما الفرق في الأخير بين مؤسسة رسمية وبين اتحاد متهالك لا يمتلك الشجاعة الكافية ليعلن وفاته..

في الاحتجات الشهيرة بفرنسا نهاية الستينيات من القرن الماضي لم يقل دوبري وسارتر وبيير بورديو الذين قادوا الثورة الطلابية المتمردة على التقاليد الدوغولية الفرنسية إن المثقف عليه ان يكون منسلخا عن حركية المجتمع بل إنهم، وبالإضافة إلى التراكم المعرفي الممهد للثورة، كانوا في طليعة الغاضبين من سطوة الطبقة الواحدة ومن الفهم المقلوب للثورة الذي كان يدافع عنه اليسار الراديكالي الفرنسي. وفي حمأة مواجهة النازية لم يقل روني شار إن مواجهة هتلر لا يمكن ان تنهض امام جو الشحن والتجييش والرغبة في الاقتصاص إنما خاض معركة الحياة والموت لإيمانه ببشاعة النظام الباحث عن المجال الحيوي ولم يقل اليوسي للسلطة نعم ولم يهادن ولم يرتكن الجابري والعروي أيام كان الاتحاد يقود القوات الشعبية في الزاوية البعيدة ولم تمنع شهرة سقراط ان يبث دعوته في الناس وان يحارب الفكر المتكلس في الساحات العامة..إنه تاريخ طويل من نضالات المثقفين ضد الظلم والاستبداد وضد ان تسود ثقافة”نعم” التي نجحت فعلا في تربية جيل كامل من “الضباع” كما توقع الراحل جسوس..رحمة الله عليه.

*صحافي بيومية المساء

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • المهدي
    الجمعة 16 يونيو 2017 - 10:59

    عرف المخزن كيف يدجن المثقفين وأهل اليسار وكل من سخن عليه رأسه وهو يافع ، فبنفسه الطويل وصبره وقدرته الفائقة على تقديم العبر التي تجعل كل ( فاهم يدخل جواه ) ويرتدع خشية نفس مصير من سبقوه أوحى لهولاء ان العاقل من يغتنم الفرص ويدخل الحظيرة آمنا مطمئنا ، فالنضال والعنتريات لا تطعم من جوع ولا تؤمِّن من خوف والعمر يمضي بسرعة وحماس الصبا يخبو والمبادئ لا تنفع في أرذل العمر ، سرت الحكمة المخزنية في الأوصال فتساقط المثقفون وصناديد اليسار الواحد تلو الآخر في حبال المغانم فمن كان نزيل الأقبية المظلمة صاحب " كان وأخواتها " انتهى سفيرا بالشيلي فنذر بعدها صوما للمخزن وأقسم ألا يكلم إنسيا ، وكتاب استفادوا من مأدونيات وآخرون من ريع طيب مدى العمر وأوسمة تنتفخ بها أوداجهم وآخر كان رئيساً لاتحاد كتاب المغرب استوزر فاستغلظ فاستوى ، وعلى نار هادئة صعدت النخبة الى الأعلى كما تصعد الزيت وهي تفترق عن الماء إلا من لم يحالفهم الحظ وتأتيهم الفرصة فأفنوا حياتهم في الكأس والسيجارة الرخيصة والوحدة القاتلة ، المهم كلها كيسوط على كبالتو ما كاين لا مثقف ولا يسار .

  • عبد اللطيف
    الجمعة 16 يونيو 2017 - 20:15

    اللافت في المقال أن الكاتب يعترف بفشل حراك الريف

  • salim
    الجمعة 16 يونيو 2017 - 21:49

    si ces intellectuels ,ces gauchistes ont existé mais sûrement pas chez nous,l'élite qui est apparue dans les années 60 c pour accéder au pouvoir si qqs1 ont été sincères et ont combattu en notre faveur quand ils sont opprimés personne ne leur a donné un coup de main pour que d'autres apparaissent .avoir de tels Hommes, il faut une culture sociale qui les produit jamais chez nous ou chacun cherche un issu pour s'enrichir.si un Chée a vécu chez nous on l'a jamais mis en évidence.ces braves gens existent dans une société solidaire qui soutiennent ses héros ,qui n'est pas dupée par la propagande. vite elle les abandonne à leur sort c la société qui fait ses militants

  • Bouchra
    السبت 17 يونيو 2017 - 21:34

    Je recopie et je partage , l avis me plait….

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات

صوت وصورة
النتائج  في دائرتي فاس
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:25

النتائج في دائرتي فاس

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24 2

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال

صوت وصورة
مباشر | نتائج انتخابات المغرب
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:41 4

مباشر | نتائج انتخابات المغرب