يضع التعيين الملكي لخالد حاتيمي على رأس وزارة الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، في التشكيلة الحكومية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، واحدا من أبرز الأطر التدبيرية والسياسية لحزب الأصالة والمعاصرة في قلب قطاع يُعد عصب التوازنات الاجتماعية والنمو الاقتصادي بالمملكة.
ولا يحمل هذا التعيين، الذي يأتي خلفا لأحمد البواري، بعدا تنظيميا فحسب، وإنما يؤسس لتحول مفاهيمي يعكسه إدراج “السيادة الغذائية” للمرة الأولى ضمن التسمية الرسمية للحقيبة الوزارية، في مرحلة تتطلب الموازنة بين هاجس الاستقرار الاجتماعي وضغوط التحولات المناخية والأسواق الدولية، وكذا العمل بتكامل وانسجام مع أحمد المهدي المزواري، المعين وزيرا منتدبا مكلفا بقطاع الصيد البحري.
يضع هذا التحول الحكومي خالد حاتيمي أمام اختبار دقيق: قياس مدى قدرة مقاربة التسيير المقاولاتي وخبرة سلاسل الإمداد على تفكيك أزمات قطاعٍ ظل لعقود يتأرجح بين “تقلبات السماء وإكراهات السوق”؛ حيث ينتظر الرأي العام وفلاحّو القرى نتائج ملموسة تُعيد التوازن إلى موائد المغاربة، وتمنح العالم القروي استقراره الاقتصادي المنشود.
بروفايل اقتصادي
ينتمي خالد حاتيمي إلى جيل الكفاءات التي صَقَلت تجربتها في الميدان الصناعي والإنتاجي قبل خوض غمار القيادة السياسية العمومية؛ إذ ارتبط مساره المهني بإدارة كبريات المقاولات في قطاع الصناعات الغذائية والمشروبات، ولا سيما من خلال ترؤسه الإدارة العامة لشركة “أطلس بوتلينغ كومباني” (Atlas Bottling Company)، التابعة لمجموعة “ديانا هولدينغ”.
ومن خلال إشرافه على منشآت صناعية استراتيجية في كل من طنجة ووجدة، راكم حاتيمي متابعة دقيقة لـ”كواليس التصنيع الغذائي” بالمملكة، وإكراهات التخزين، وحركية التوزيع، وضبط سلاسل الإمداد الوطنية والدولية؛ وهي تجربة تُكسبه فهما مباشرا لمنطق السوق وحسابات كلفة الإنتاج، وتمنحه رؤية “براغماتية” لطالما نادت بضرورة ربط الحقل بوحدات التحويل والتثمين الصناعي لتفادي هدر الموارد وخلق القيمة المضافة وفرص الشغل المستدامة.
انتقال وزير الفلاحة الجديد إلى صدارة المشهد الحزبي لم تلِدْه الصدفة، وإنما جاء عبر مسار تمثيلي انطلق من عمق الفلاحة المغربية في تراب سوس حيث خاض غمار الاستحقاقات التشريعية لسنة 2021 بدائرة تارودانت الجنوبية، وهي دائرة ذات طابع فلاحي وقروي وسمت احتكاكه اليومي بمطالب الفلاح الصغير وإشكالات الإجهاد المائي والمسالك القروية.
وتميز حضوره في الفريق النيابي لحزب “الجرار” بالانخراط في النقاشات الاقتصادية والمالية التقنية، ولا سيما خلال مدارسة مشاريع قوانين المالية (خاصة قانون مالية 2025)، مسلطا الضوء على استدامة المالية العمومية، وتوجيه الاستثمار المنتج، ودعم التشغيل القروي. حضور الرجل التنظيمي داخل حزب “الجرار” توطَّدَ في ماي 2024 بانتخابه عضوا في المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ضمن لائحة القيادة الجماعية، ليكون ضمن الدائرة المقربة لصناعة القرار داخل الحزب.
وفي يوليوز 2026، قدّم استقالته من مجلس النواب بعد مسار تشريعي استمر قرابة خمس سنوات-وهو الشغور الذي أقرته المحكمة الدستورية رسميا بقرارها الصادر في 16 يوليوز 2026-إثر ترشيحه لعضوية مجلس الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء (ANRE)، قبل أن يستدعيه المسار الحكومي ليتولى تدبير ملفات الفلاحة والأمن الغذائي.
كما برزت مقاربته الواقعية في خرجاته الإعلامية، ومن بينها حواره مع جريدة هسبريس في سياق ظرفية عيد الأضحى 2026؛ حين شدد على ضرورة تفكيك تعقيدات سلاسل التوريد والوساطة، والتعاطي الصارم مع تقلبات أسعار المواشي واللحوم عبر دعم استقرار القطيع الوطني وحماية القدرة الشرائية للأسر.
أولويات حارقة
يدخل الوزير الجديد مقر وزارة الفلاحة مثقلا بحزمة من الملفات العاجلة والموروثة التي لا تحتمل التأجيل، في مقدمتها تنزيل المفهوم الاستراتيجي للسيادة الغذائية، وتحويله من شعار سياسي إلى برامج عملية تستند إلى مؤشرات رقمية وإنجازات ميدانية، في ظل تحديات متشابكة تتعلق بالإجهاد المائي وتدبير الندرة، وإعادة التوازن بين الزراعات التصديرية وحاجيات السوق الداخلية.
ويظل الجفاف البنيوي أحد أبرز التحديات التي تفرض إعادة النظر في الخريطة الزراعية للمملكة، وتسريع استعمال المياه المحلاة والمياه المعالجة في الأنشطة الفلاحية، وترشيد الحصص المائية الموجهة إلى المدارات السقوية الكبرى. كما تبرز ضرورة التوفيق بين تشجيع الزراعات التصديرية المدرة للعملة الصعبة وتأمين الحاجيات الأساسية للمواطنين من الخضر والفواكه والزيوت والحبوب، مع الحد من استنزاف المياه الجوفية لفائدة محاصيل موجهة إلى الأسواق الخارجية.
وتشمل الأولويات كذلك تقليص التبعية للواردات، من خلال وضع خطط عملية للرفع من إنتاجية الحبوب والسلجم الزيتي والأعلاف، بما يساهم في تخفيف فاتورة الاستيراد والحد من تأثر الاقتصاد الوطني بتقلبات الأسواق العالمية. ويتصل بذلك إصلاح أسواق الجملة وتحديث شبكات التوزيع، للحد من تعدد الوسطاء والمضاربة، وضمان هوامش ربح منصفة للفلاحين وأسعار أكثر استقرارا للمستهلكين.
وفي صلب هذه الرهانات، تبرز ضرورة إنصاف صغار الفلاحين، باعتبارهم ركيزة أساسية للاقتصاد القروي، عبر تعزيز الدعم المباشر وتيسير الولوج إلى التمويل والتأمين ضد المخاطر المناخية. كما يفرض توالي سنوات الجفاف إيلاء عناية خاصة لإعادة تكوين القطيع الوطني، وتحسين ظروف تربية الماشية وتوفير الأعلاف، بما يدعم استقرار دخل المربين ويساهم في تأمين حاجيات السوق الوطنية من اللحوم والحليب.
وزارة الفلاحة مليئة بمسامير الميدة التي زرعها رئيس الحكومة المنتهية ولاياته إضافة إلى الوزير المنتدب الحالي الذي قد يشكل عين و أذن الرئيس السابق الذي عمّر طويلا في هذا القطاع الذي يعج بالأسرار
بالتوفيق، يا معالي الوزير.
قبل عام 2008، كانت الزراعة المغربية نموذجاً للتنمية المتقدمة، أما اليوم، فقد فُكّكت بعناية جميع ركائزها المزدهرة.
إن المهمة بالغة التعقيد ومحفوفة بالمخاطر:
1/ عدم الاستغراق في استعراض أخطاء الماضي، بل الاعتراف بها والمضي قدماً نحو المستقبل دون إبطاء.
2/ تجنّب الإفراط في الأحلام، مع الحرص على الموازنة الدقيقة بين الالتزامات والإمكانات.
3/ نسيان «عيد الأضحى» (العيد الكبير) خلال هذه الولاية.
بالتوفيق.