كيف يمكن الحديث عن حدث الطوفان البشري، الذي صوَّب وجهته بشكل متضخم نحو سبتة، وبشكل محدود جداً نحو مليلية؟
كل حديث يحوِّل الواقعة إلى حدث، لذا علينا أن نميز بين الحدث العاري: واقعة الهجرة الجماعية، باعتبارها حدثاً فريداً وغير متوقع (دريدا)، والحدث كما أعادت تشكيله المحكيات والتأويلات، وكما تمثلته ونقلته الصورة، بحيث أصبح حدثاً افتراضياً.
يبدو حدث الهجرة الجماعية إلى سبتة السليبة وكأنه خدعة سينمائية، من فرط واقعيته يظهر وكأنه مشهد سينمائي محكم الحبكة، مفعم بملحمية سردية تتغيا عرض تصور درامي عن المقهورين، ومصاغ بلغة سينمائية مكثفة تجمع بين المباشرة والرمزية، تحضر في الحوارات التي يؤثثها الشخوص، وفي المشاهد التي تعج بالديكور والإكسسوارات التي تملأ الفضاء. لكن زوايا التصوير السينمائي تتعدد، وكأننا أمام عمل سينمائي متعدد الإخراج (له أكثر من مخرج واحد). إننا لا نستطيع مشاهدة هذا العمل السينمائي من بدايته إلى نهايته، بل لم نر إلا مونتاجات متوازية تقوم بتركيب بين لقطات معزولة، من أجل بناء معنى لما يبدو عبثياً. يتعلق الأمر بمجموعة من الخدع السينمائية التي يتعين تبينها:
لنبدأ بالخدعة الأساس: كل ما شاهدناه يدل على أننا أمام مشهد مفرط في واقعيته، إلى حدود فقدانها، أو بالأحرى مشهد متخيل جماعي منطلقه ومنتهاه الافتراضي وليس الواقعي. إذ ليس من باب الواقعي أن يصدق الناس خبر “فتح الحدود” وعرض “الفرصة الأخيرة”، وليس من باب الواقعي أن ينتهي الأمر “بسرعة الاستسلام” والتخلي عن حلم قايض جحافل المهاجرين حياتهم بتحققه، قبل أن يتخلوا عنه ويؤوبوا تائبين طائعين. إننا أمام خدعة الافتراضي المغرق في الواقعية، والعكس صحيح.
ثمة خدعة أخرى ينبغي الانتباه إليها، هي تداخل الفاعلين وتشابك المنتجين، فكل الأطراف مسؤولة عن هذا الحدث المأساوي: إسبانيا والمغرب، وأوروبا وأمريكا. من روج للخبر؟ كيف حدث تجاوز الحدود؟ كيف تم التحكم في هذا المد البشري صعب التحكم؟ كيف تم الاتفاق على نهاية المشهد بدون جينيرك ختامي؟ من كتب السيناريو؟ من قام بالتصوير؟ من أعد المونتاج؟ من استثمر الحدث؟ من سيجني الأرباح؟ إن هذا التشابك ودواعي اللافهم، يبعد الجدال عن دواعي هذه الهجرة الجماعية، حينما يحجب العقل المدبر لها، فيصبح السؤال: من وراء الحدث؟ من حرَّك الجرح؟ عوض وضع اليد على الجرح والإنصات للأنين قبل أن يستفحل النزيف. إننا أمام خدعة: من دفع الناس إلى الهجرة الجماعية؟ عوض حقيقة: لماذا هاجر المقهورون؟ في خضم هذه التشابكات والالتباسات، وفي غياب رواية واحدة عن المسؤول الواحد، تحولت أصبع الاتهام إلى جمهور المهاجرين، وتعميق جرحهم، عبر تحسيسهم بالذنب، ما داموا قد سلموا أرواحهم للبحر.
هناك وجه آخر لخدعة الهجرة، أو بالأحرى الانتقال من الهجرة الصلبة الحقيقية إلى الهجرة السائلة الافتراضية في هذا الزمن السائل. هجرة سائلة لأنها تتسارع فيها الأحداث بوتيرة تسير نحو إنهاء الحدث. إنها هجرة تركز على العودة وليس على الذهاب. إنها انطلقت بسرعة وانتهت بسرعة. لقد سمعنا أشخاصاً يتحدثون عن الرغبة في العودة، وعن اشتياقهم لوطنهم، بعد قضاء يومين في الهجرة!! إنها أيضاً هجرة سائلة لأنها ليست نابعة عن قرار شخصي أو اختيار حياتي، بل نابعة عن اللاستقرار وما يضج به من هشاشة تجعل المرء مستعداً لأي شيء في أي لحظة. لقد سمعنا حكايات غريبة، من بينها على سبيل المثال وجود أشخاص كانوا في عطلة، ثم أصبحوا ضمن جحافل المهاجرين. إنها هجرة سائلة لأنها لم تكن مسبوقة بتخطيط قبلي وتفكير عقلاني. هجرة لا ترتبط بماضٍ وأرض، ولا تتطلع إلى مستقبل متخيل، بل إنها رهينة الحاضر وهيمنة الآني والفوري (وهي سمات العالم الافتراضي). إنها تريد بالأساس خوض غمار التجربة وامتطاء صهوة المغامرة، وجعل اللحظة العابرة مصدر ربح، أو العودة إلى قلاع الخسارات ومعقل الإحباطات. إننا أمام واقعة سوسيولوجية، لقد أصبح الأفراد بدون ماضٍ ولا مستقبل، إنهم يعيشون في العبور وفي اللحظي.
يمكن الحديث كذلك عن خدعة الهجرة الجماعية، إذ لا شيء يبدو فيها جماعياً سوى بعدي الزمان والمكان، وهذه من خصائص الزمن السائل، كما نعتها زيغمونت باومان: “معاً… ولكن فرادى”. حيث يظهر الناس وكأنهم يتحركون كجماعة، بحكم تجمهرهم وانطلاق هجرتهم في نفس التوقيت (30 و31 يوليوز)، ونفس الفضاء. إذ هرول عشرات الآلاف من البشر بحراً وبراً في اتجاه سبتة ومليلية، عبر معبر تراخال الرابط بين الفنيدق وسبتة، ومعبر بني أنصار الرابط بين الناظور ومليلية. لكنها بالأساس هجرة لا تسير بمنطق الجماعة، بل بمنطق الفرد. حيث ترى الناس يتحركون جماعة، لكن بدون قائد ولا موجه ولا ملهم، بدون قضية أو التزام. إنهم لا يحضرون كأفراد داخل جماعة، بل يحضرون كجماعة مكونة من مسارات فردية. وهذا ما يصح نعته بسيكلوجية الجماهير، بلغة غوستاف لوبون، حيث يدخل الفرد في هذا الزحف الجماعي، لكي يتقوى وسط الجمع ويتشجع على الإقدام على ما كان يعجز عن القيام به بمفرده. إنه يدخل كفرد داخل انفعال جماعي، يبعد عنه الوعي الفردي الزاجر للنفس والرادع للجماح، والمعرض للمساءلة، لأن الجماعة لا تسأل عن أفعالها، ولأن الفرد في هذه الحالة لا يتحمل مسؤولية وتَبِعات ما وقع. لقد كان في العمق الذهاب فردياً والإياب فردياً. فالوجهة الجماعية هي ما يوحد الأفراد. يمكن تبرير هذا الاندفاع الجماعي للأفراد، إلى العدوى كقوة مغناطيسية، والتي تنبني على قابلية التأثر: “إن قابلية التأثير هي أصل العدوى” كما قال غوستاف لوبون. إن حدث الهجرة الجماعية، يكشف عن جرح جماعي تنغمس فيه كل ذات فردية، داخل انفعال جماعي، يتحول فيه الفرد إلى آلة تتجاوز إرادته الفردية.
إننا أيضاً أمام خدعة الاستقرار. يمكن الحديث عن استقرار سياسي، يعرف انتظاماً في الدورات الانتخابية، ويعرف تداولاً على السلطة بين الأحزاب، ويعرف تغلغل اقتصاد السوق الذي يفتح أبوابه أمام الاستثمارات الأجنبية. لكن من يجازف بادعاء الاستقرار الاجتماعي، يكذبه حدث الهجرة السائلة إلى سبتة. يطرح البعض سؤالاً لا يساعد على التحليل: لماذا وقع حدث الهجرة الآن؟ ما الذي انتشل جحافل الناس من جحور الصمت؟ إن الصمت مجرد خدعة لادعاء الاستقرار الاجتماعي، فالصمت ليس دائماً علامة على الرضا، بل إنه صمت يتكلم لغة الإحباط وفقدان المعنى. إنه صمت يحتمي بالانتظار، انتظار الانفراج واسترجاع الأمل. إنه صمت يجعل جحافل من الناس في وضعية تأهب واستعداد للانقضاض على فرصة الإنقاذ من القهر والانتشال من قبضة اللاستقرار أو الاستقرار الزائف. هذا ما يؤدي إلى الانسياق السريع وراء أي مؤثر داخلي أو خارجي، وما يبرر الانفعال الجماعي نحو نفس الهدف، وسهولة عدوى تصديق ما لا يصدق، وبالتالي الإقدام على المغامرة بالحياة، داخل نوع من اللاشعور الجماعي.
إن خدعة الهجرة الجماعية، تحجب سبل الفهم السليم. هل يتعلق الأمر حقاً بهجرة؟ وهل هي حقاً هجرة جماعية؟ إن حدث سبتة لا يمكن نعته بالهجرة، لأنه بكل بساطة ليس قراراً واختياراً. لم يكن طوعياً لا في الذهاب ولا في العودة، التي نُعِتت “بالعودة الطوعية”. إن الأمر يتعلق بوضع أشبه بالتهجير، وأقرب إلى اللجوء. “فوحده من يبني سفره على العودة يمكن أن يدعي الهجرة، لكن اللاجئ لا يسافر بل يرحل”، كما يقول فتحي المسكيني، حيث يتحول اللجوء إلى حل اضطراري، وإلى أسلوب عيش. وحتى الذين عادوا لم يفعلوا ذلك حقاً عن طواعية، بل عادوا مكرهين على فعل العودة. إن المفهوم الأقرب هنا ليس هو العودة الطوعية، فهذا يفترض أن السلطة الإسبانية وضعت المهاجرين بين اختيار البقاء أو العودة. لذا نرى أن الأنسب هنا هو الحديث عن الترحيل أو الإجلاء. إن الذين امتطوا صهوة الأمواج والمخاطرة بالحياة، يجعلون احتمال العودة معلقاً، إن لم يكونوا قد حَسَموا في جعله ذهاباً بدون إياب. لقد كثر الحديث عن العائدين، ولم نتحدث بما فيه الكفاية عن الفارين، والأخطر من ذلك عن الموتى الذين ماتوا في الذهاب، ورحلوا أثناء الرحيل من أرضهم ومن وطنهم، دون بلوغ الأرض الموعودة، ودون الرجوع إلى أرضهم ووطنهم. لقد ماتوا لاجئين في اللامكان، ولن يحظوا بحق الدفن.
مما كان يفرون كل هؤلاء الحشود؟ إنهم لم يفروا من حاضرهم، الذي يشبه ماضيهم. إنهم كانوا يفرون من حاضر خالد لا مستقبل فيه، أو بالأحرى إنهم كانوا يفرون من مستقبلهم، خشية أن يكون مماثلاً لحاضرهم.
لقد أشرنا في كتاب “مقامات المدينة في محك المسخ” إلى السلطة التي غدت معولمة وعرضة لسياسات عولمية وقوى اقتصادية مهيمنة على العالم، باعتباره سوقاً. وهذا ما أدى، كما قال مانويل كاستلز، إلى حجب الشعب، الذي تحول أفراده إلى مجرد حراس يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة، داخل بلدهم أو البحث عن هذا البقاء خارجها.
إن حدث الهجرة السائلة إلى سبتة السليبة، يكشف عن أعطاب التنمية، ويدعو إلى ضرورة التحرر من الاحتماء بزجاجية “مغرب الكفاءات”. فالمغرب مغرب الجميع، مغرب الكفاءات وغير الكفاءات، مغرب الناجين ومغرب الغارقين. قد نحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم الطبقة، والوقوف برصانة تحليلية سياسية وسوسيولوجية، على مفهوم النخبة. فالتعليم الآن نخبوي، وجميع الطبقات تتصارع لكي تستفيد من هذا التعليم النخبوي، ومن أجل الاستفادة من الانتقاء النخبوي. الكل يلهث لكي يكون ضمن النخبة الناجية، وإلا فالمآل هو الحشر في جحيم اللاستقرار والحرمان. لقد كان حراك جيل زيد فرصة مهمة لكي نعمق التفكير في المشهد السياسي الذي أصبح باهتاً ومشلولاً، وفي الوضع الاجتماعي الذي يقدم مؤشرات دالة على الانسحاق والقهر. لكن شتان بين حِراكِ جيل زيد وبين حْرِيك زيد وعمرو. إنه مشهد يحز في النفس، كون هذه الهجرة الجماعية تتشكل من عينة تمثيلية للمجتمع، بحيث تشمل الأطفال والشباب والكهول، كما تضم الرجال والنساء، والعزاب والمتزوجين والمطلقين. ويشارك فيها الأب والأم والأبناء والإخوة والأقرباء والأصدقاء والجيران، بل تضم العاطلين وحتى العاملين.
في نص جميل لفتحي المسكيني عن “إيلان الكردي… أو الهجرة إلى الإنسانية”، يتحدث عن الطفل الذي لم تشفع له طفولته، فقد مات في رحلة هجرة، “لا يملك فيها أي مشروع روحي آخر لنفسه غير إنسانيته… لم يعد هناك داخل، ولم يبق سوى الخارج، وعلينا أن نلتحق به بأسرع وقت ممكن. إن الإنسانية هي الخارج الوحيد الذي يمكن أن يظل كل أولئك الذين اكتشفوا فجأة أن سقف الدولة قد سقط من فوقهم…”
إن حدث الهجرة السائلة إلى سبتة السليبة، مهما اختلفت الروايات والتفسيرات والتأويلات، يبقى حدثاً عارياً مؤلماً، يسائل السلطة، ويحرج السياسي، ويستفز المثقف، ويستنفر تدخل الباحثين في العلوم الإنسانية. يتعلق الأمر بهجرة لا تختزل في الانتقال من أرض إلى أرض أخرى، ولا في تغيير حياة بحياة أخرى. إنها “هجرة إلى الإنسانية”، لكنها مع الأسف هجرة سائلة أخطأت الطريق إليها، وتنذر بتكرار نفس المشهد، أو بابتكار أحداث غير متوقعة، في ظل ما يتيحه العالم الافتراضي، من أجل التعبير عن الأوجاع.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.