وضع الكرسيَّ بعناية فائقة فوق أرضٍ صخريةٍ مشرفةٍ على البحر، الذي كانت أمواجُه هذا الصباح رحيمة بالصخر المُنتصِب جدارًا يَرسُم لها حدودًا على الشاطئ. وقبل العودة أدراجَه نحو سيارته، التي كانت رابضة جنب سيارتي، كان يمسك الكرسي بيديه محاولًا التأكد من تثبيته بين تجاويف صخرية دقيقة، حتى لا يخون الجالسَ فوقه ويرديه على الأرض.
كان يُمسك بِيَد مرافقته، التي يتبدى من تعامله الرقيق معها أنها خطيبته أو زوجته في بداية مسيرٍ لن يستمر بالتأكيد بالتضاريسِ نفسِها وبالنسائم ذاتها في رحلة العمر، التي غالبًا ما تبدأ بالاهتمام الزائد أحيانًا عن الحاجة. يُحاول أن يُجلسها على الكرسي، متوجسًا من أي طارئ قد يؤدي إلى سقوطها على الأرض الصخرية، مخافةَ أن يؤدي ذلك إلى سخريةِ أو تشفي العيون، التي كانت ترصد المشهد باهتمام كبير وبوفرة في الكلام والتعليق.
هي الآن تجلس فوق الكرسي، موليةً بظهرها لكل الأعين الراصدة، متأملةً البحر، الذي أضفت حركةُ أمواجه الناعمةِ لمسة رومانسية على ملامح المشهد. يُمسك بيدها، ويُجيلان النظر في هذا المدى. لا يتحدثان، ويكتفيان فقط بالسفر في الأفق، حيث تهوي السماء في البحر، ومعها البصر والأحزان ولحظات الفرح الجميل.
والعيون!؟
تلك العيون ما تزال ترقب تفاصيل المشهد تزجيةً للوقت أو إرضاءً لفضول مقيت. عاد إلى سيارته وحمل الكرسي الثاني ووضعه بالقرب منها، لكن ليس بالحذر نفسه، مشيحًا بوجهه عن البحر ومتوجهًا إليها. عاد إلى السيارة باحثًا في صندوقها عن شيء أو عن أشياء لم يجدها. توجه نحوي وطلب مني ماءً.
قدمتُ إليه قنينةَ ماءٍ نصف مملوءة كان ابني ريان قد تركها بالمقعد الخلفي للسيارة. أخذها وشكرني بلياقة وتأدب زائدين، ثم عاد إليها، حيث كانت ما تزال تتأمل البحر وتنتظر عودته. أما العيون التي كانت ترصد هذه الحركات، فقد كان منتهى غايتها أن ترى وجه تلك التي تحظى بهذا الاهتمام المترف.
جلس جنبها من جديد، يتأمل وجهها، يمسك بيديها بنعومة فائقة، يتحدث إليها بكلام أقرب إلى الهمس. لكننا كنا نستطيع حدس ما يقوله: حديثٌ عن الحب، وعن الأيام القادمة، وعن كونها شكّلت استثناءً في الوجود. إنها المرأة التي لن تستقيم الحياة بدونها أبدًا. حديث عن كل شيء إلا عن الحزن والألم الدفين.
والبحرُ!؟
ما الذي يضمره هذا البحر الهادئ الصاخب، الهادر الودود، الثائر الحنون؟ هذا البحر الذي يأوي فرحنا وآلامنا. إنه الإنسان في جميع طقوسه وتضاريسه.
الآن لحظة للتأمل في وجهها، لحظة للإفصاح عن مكنونٍ يسكن بين الضلوع وتفضحُه الأنفاس. إنها الآن كل شيء في هذا الوجود، بل إنها الوجود. ما أجمل أن نختزل الوجود في نصفنا الثاني! في امرأة: “لا أحد يبدو في الوجود إلا أنتِ”. هكذا قال، أو هكذا خمَّنا أنه قال.
لكن ما الذي يعنينا في كل هذا المشهد؟ ولماذا نحرص على معرفة أدق التفاصيل؟ هل هو فضول لعين ومريض، أم رغبة دفينة في أن نعيش المُفتقَد لدينا في الآخر؟
البحر يتجلى ممتدًا، يُعانق السماء في الأفق، ويرسم على خدها قبلة الرجاء. زرقة تعانق زرقة، ويدان تتشابكان وتتحدثان لغة ناعمة قد تُبددها ندوب الزمن القادم.
ينهض من مكانه. يبدو أنهما يرغبان في أسْر اللحظة في هاتف محمول، يسجنها في تجاويف رموز وأرقام، وينزع عنها بعدها الإنساني والمنطلق. هي ذي الصورة الآن: مُتسرعة، بدون عمق أو إحساس، مُجرد أسْر آخر، أسر افتراضي.
تقوم هي الأخرى بتعديل ثيابها استعدادًا لالتقاط “السِّيلفي” الذي يُؤرخ هذه اللحظة. عفوًا، الذي يأسُر هذه اللحظة. يضع يده على كتفها، ويحيطها بذراعه إلى حد خنقها؛ حركة تنم عن كثير من الحب، وقليل من اللياقة.
يلتقط “السِّيلفي” تارة مع البحر، وتارة بدونه. لا يهم البحر أو غير البحر، المهم بالنسبة إليه هو أن تكون داخل الإطار، وأن يقول للناس، وهو يضع أصبُعه على وجهها في الصورة: إنها هي التي اخترتها من بين العالمين.
يُنهي المشهدَ دون إرضاء فضول العيون المترقبة لرؤية لحظة عناق أخيرة في فيلم رديء. تلك النهايات السعيدة التي تنأى بنا عن اليومي المُثقل بالأوزار، الموبوء إلى حد الغثيان.
هو الآن سعيد، وهي أيضًا سعيدة، ونحن مترقبون. لكن، أيهما أكثر سعادة؟ نحن لا نعلم، إذ لم يحدث أن ارتقى المتفرجون الركح ليسألوا الممثلين عن نواياهم الدفينة.
نحن نعيش فوق ركح كبير ونعيش في الحياة أيضًا. لكن، أيهما الركح وأيهما الحياة؟ لا ندري. لقد اختلط الركحان. نرغب في أن نعيش فوق الركح انسيابية الحياة، وأن نعيش في الحياة أسْر الركح.
ربما هي سعيدة لأنها ظفرت بالرجل الذي تحب، أو بالرجل الذي ترى أنه الأنسب والمثالي من بين كل الرجال، أو لأنها بكل بساطة لم تعُد وحيدة كما كانت.
الوحدة قاتلة يا صديقي: أن تبدأ يومك وحيدًا، أن تحلم وحيدًا، أن تتكلم وحيدًا، أن تفرح وتحزن وحيدًا، أن تعيش وحدتك وحيدًا. ليست الوحدة أن تعيش بمفردك، لكن الوحدة أن تعيش وحيدًا بين الناس، ذلك هو الأسر الكبير.
هو سعيد أيضًا ربما لأنه مُحب ولهان، أو ممثل بارع يسخر من تفاهة الحياة، ويسمو بلحظة استثناءٍ.
يقوم الآن بِطي الكرسي الأول ووضعه داخل غشائه، ثم يكرر العملية نفسها مع الكرسي الآخر. تُحاول أن تساعده في حمل أحد الكرسيين، لكنه يرفض. هو يحرص على ألا يتعبها، لا يريدها أن تبذل أدنى مجهود. يريد فقط أن تكون معه وبجانبه.
يتجهان بخطى متثاقلة نحو السيارة، دون أن يغادر نظرُه وجهَها. هي لم تكن جميلة، لكنه كان يحبها، أو هكذا يبدو. المهم، هي جميلة في عينيه، وهو جميل في عينيها.
وصلا إلى حيث السيارة رابضة. فتح الباب، وقبل أن يضع الكرسيين في صندوقها، حرص على أن تركب أولًا نكاية فينا، حتى لا نمعن النظر فيها، أو حرصًا منه على ألا تتعب قدماها من الوقوف لبضع ثوان.
وضع الكرسيين، وجلس خلف المقود، لم يلتفت إلى العالم المحيط. أدار المحرك، وانطلقت السيارة…
انتهت الحكاية، وانتهى الكلام…
سلمت أناملك في الكتابة والتعبير، مقال جميل يحمل في طياته رسائل من مشاهد قد تبدو عادية، لكنها هادفة.