حكومة (2026-2031)

حكومة (2026-2031)
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:30

حكومة (2026-2031): بين الاستمرارية المؤسسية وإعادة هندسة النخب

تعيين الحكومة الجديدة برئاسة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، يعتبر حدثا سياسياً ومؤسسياً مفصلياً، يعكس تداولاً سلمياً للسلطة التنفيذية، ويكشف أيضاً عن “عقد حكومي” جديد يزاوج بين ضمان الاستقرار في القطاعات السيادية، وإدخال ديناميات تجديدية في قطاعات التنمية والإدارة. ومن خلال المقارنة مع التشكيلة الحكومية السابقة، يمكن تفكيك هذه القراءة إلى ثلاثة محاور تحليلية رئيسية:

أولاً: محور الاستمرارية المؤسسية (ثبات النخب في الحقائب السيادية والاستراتيجية)

يُظهر التحليل المقارن أن القصر الملكي والحكومة الجديدة اعتمدا مبدأ “الاستمرارية” كخيار استراتيجي في 8 حقائب وزارية أساسية، وهو ما يفسره علم السياسة بـ “الحفاظ على الذاكرة المؤسسية” وتجنب تكاليف التعلم في ملفات حساسة:

– الحقائب السيادية التقليدية: بقاء كل من السيد عبد الوافي لفتيت (الداخلية)، والسيد ناصر بوريطة (الشؤون الخارجية)، والسيد عبد اللطيف وهبي (العدل)، والسيد أحمد التوفيق (الأوقاف والشؤون الإسلامية). هذا الثبات يشير إلى رغبة واضحة في الحفاظ على ثوابت السياسة الداخلية والخارجية والأمنية، وضمان استقرار المنظومة القانونية والدينية.

– الحقائب الاستراتيجية التنموية: بقاء السيد نزار بركة (التجهيز والماء، مع إضافة “الغابات” لتوسيع الصلاحية)، والسيد رياض مزور (الصناعة والتجارة)، والسيد محمد المهدي بنسعيد (الشباب والثقافة، مع إضافة “الرياضة”). هذا يعكس رضا مؤسسياً عن الأداء السابق في هذه القطاعات ورغبة في استكمال الأوراش الكبرى (كالماء والبنية التحتية والتحولات الصناعية).

– قطاع الدفاع: بقاء السيد عبد اللطيف لوديي كوزير منتدب مكلف بإدارة الدفاع الوطني، مما يؤكد استمرارية المقاربة التدبيرية في هذا القطاع الحساس.

ثانياً: ديناميات التغيير والترقية السياسية (إعادة تدوير النخب)

تُبرز التشكيلة الجديدة حركية واضحة في مسار النخب الحزبية والتقنوقراطية، وتتجلى في نقطتين محوريتين:

– الترقية الرمزية والتاريخية: صعود السيدة فاطمة الزهراء المنصوري من حقيبة “إعداد التراب الوطني والتعمير” إلى منصب “رئيسة الحكومة”. هذه الخطوة تمثل كسراً للسقف الزجاجي السياسي كأول امرأة تتولى هذا المنصب، وتعكس أيضاً مكافأة سياسية على الأداء التدبيري في قطاع حيوي، كما تعيد إنتاج نموذج “التكنوقراطي الحزبي” الذي يجمع بين الخبرة الميدانية والشرعية الانتخابية.

– الترقية الوظيفية: ترقية السيد فوزي لقجع من “وزير منتدب مكلف بالميزانية” إلى “وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية”. هذا التغيير يعكس رغبة في تعزيز صلاحيات من أثبت كفاءته في ضبط الميزانية، مع توسيع مهامه لتشمل “النجاعة العمومية”، مما يشير إلى توجه حكومي جديد نحو ترشيد الإنفاق وإصلاح المرفق العام.

ثالثاً: إعادة الهيكلة والابتكار المؤسسي (استجابة للتحديات المستجدة)

المقارنة تكشف عن ولادة حقائب جديدة أو إعادة تسميتها لتعكس أولويات مرحلة 2026-2031، وهو ما يُعرف في العلوم الإدارية بـ “التكيف الهيكلي”:

– ظهور حقائب المستقبل: استحداث حقيبة “الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة” (السيد أحمد رحو)، مما يعكس إدراكاً مؤسسياً لأهمية الثورة الرقمية كرافعة للحوكمة.

– تجزئة الحقائب لتحسين التدبير: تحويل بعض المهام إلى وزارات منتدبة متخصصة لرفع كفاءة السياسات العمومية، مثل: “التعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي”، “التكوين المهني والتأهيل”، “إصلاح الإدارة”، و”السيادة الغذائية” (ضمن حقيبة الفلاحة). هذا التوجه يعكس انتقالاً من النموذج الوزاري الشمولي إلى نموذج “وزارات المهام” (Ministères de mission).

– تجديد الدماء في القطاعات الاجتماعية: تغيير وجوه وزارات الصحة، التربية الوطنية، الفلاحة، والتعليم العالي، مما يشير إلى رغبة في معالجة الاختلالات المتراكمة أو تغيير المقاربات التدبيرية في هذه القطاعات الحيوية.

خاتمة تركيبية

من منظور العلوم السياسية، لا تمثل هذه الحكومة قطيعة تامة مع الماضي، ولا هي مجرد استنساخ له، بل هي “تشكيلة هجينة” (Gouvernement hybride) تهدف إلى تحقيق معادلة صعبة: ضمان الاستقرار السياسي والأمني عبر الإبقاء على نفس الوجوه في الحقائب السيادية، وحقن الدينامية والابتكار عبر تغيير النخب في القطاعات الاجتماعية والاقتصادية، واستحداث حقائب تواكب الرهانات العالمية (كالتحول الرقمي والنجاعة العمومية).

إن صعود رئيسة حكومة من داخل الصف الحكومي السابق، مع الحفاظ على “النواة الصلبة” للفريق الحكومي (الداخلية، الخارجية، العدل، الأوقاف)، يرسل رسالة طمأنة للمحيط الداخلي والخارجي مفادها أن التغيير يهدف إلى “تطوير الأداء” وليس “تغيير البوصلة”.

– باحث في العلوم السياسية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34

مراسيم تسليم السلط