حين يضيعُ طفلٌ بين البيت والشّارع
كيف يختفي طفل في بلد تملأه العُيون؟ كيف يخرجُ من باب بيته ثم ينقطع أثرُه قبل أن يبلغ آخر الشارع؟ أيُعقل أن تبتلع الأزقة الصّغار ثم تستعيدُ هدوءها كأن شيئًا لم يقع؟ أم أن المجتمع لا يرى الخطر إلا بعد وقُوعه، ولا يفتح عينيه إلا حين يصير الغياب خبرًا مُتداولًا وصورةً منشورةً ونداءً متأخرًا؟ لماذا نُحسن البحث بعد الفاجعة أكثر مما نُحسن الوقاية؟ ولماذا نتعامل مع الطفولة كما لو أنها شيء قابل للضّياع، من غير أن يتوقّف إيقاع الحياة أو يختلّ ضميرُ الجماعة اختلالًا حاسمًا؟
طفولة على حافة الغياب
غَدتْ بعض أخبار البلدِ أشبهَ بسجلٍّ مفتوحٍ للفَقد: طفلٌ يغادر في طلب الخبز فلا يؤوبُ، وطفلةٌ تلهو غير بعيدٍ عن عتبة دارها ثم يبتلع الغيابُ أثرها، وأسرةٌ كاملةٌ تُرابط عند تخُوم الرّجاء، تتعلّق بخيط أملٍ وَاهِن، وتُمعن في انتظار عودةٍ قد تتعثّر، وقد لا تجيءُ. ثم لا ينقضي وقت طويل حتى يستردّ المجتمع إيقاعه اليومي، كأن الفاجعة غمامةٌ عابرة لا جرحًا نافذًا يفضح خلل الحماية ويعرّي هشاشة الإحساس بالمسؤولية. نحزن، أجلْ، ونغضب، نعم، غير أنّ حُزننا أسرع إلى الخُفوت من إرادتنا في الإصلاح، وغضبنا أسبق إلى الاشتعال من قدرتنا على التّغيير. نتأثَّر بالمأساة لحظة وُقوعها، ثم لا نلبث أن نردّها إلى هامش الحياة، كأن الوجع يكفي وحده ما لم تصحبه مراجعة جادّة وعمل يقطع دابر الخَلل، حتى ليخيّل للمرء أنّنا أحْكمنا صناعة النّسيان، ولم نُحكم بعدُ صناعة الحماية وصون الطفولة. ثم تتداعى الأسباب من كل صوْب، وتتكاثر الذرائع، وتُسارع كل جهة إلى تقديم تفسير يخفّف عنها ثقل التّبعة. يرفع الفقر يده أولًا، وتتبعُه الهشاشة الاجتماعية لتزعم أنها أصْل العطب ومنبعه، وكأن الجميع يتسابق إلى تسمية الدّاء من غير أن يقترب أحد من واجب المواجهة. وتُطل الهجرة من بعيد، بينما تنشطُ شبكات الاتجار بالبشر في الظّل، بعَقْل بارد وتنظيم لا يُستهان به.
الأطفالُ الذين ابتلَعُهم الصَّمْت
في بلَد يكثر فيه الحديث عن حماية النَّشء، وتزدان فيه المناسبات المدرسية بلُغة الحب والعناية، تبدو الطفولة، في كثير من الأحيان، كائنًا هشًا يعيش على الحافة. يخرج الطفل ليلعب، فيتحوّل فجأة إلى صورة على شاشة هاتف، ثم إلى حكاية مُوجعة في قلب أمّ، ثم إلى رقم بارد في تقرير إداري. وتظل الحقيقة الأشد إيلامًا هي أن الاختفاء لا يبدأ حين يغيب الطفل، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، حين يغيب الإحساس العام بالخطر، وحين يضعف الوعي الجماعي بأن الوقاية مسؤولية يومية لا ردّ فعل موسمي. ولو تحدثنا بصرامة أكبر، لقلُنا إن الأطفال لا يختفون دفعة واحدة، يتسرّبون تدريجيًا من داخل ثقافة كاملة من اللاّمبالاة. فالمجتمع الذي يبرّر كل شيء، ويؤجل كل إصلاح، ويتعايش مع كل خلَل، يُهيّئ الأرضية التي تسمح للمأساة بالتكرار. ومن ثم يغدو السؤال الأشد قسْوة: هل نبحث حقًا عن الأطفال، أم نبحث عن صيغ مُهذبة تُخفِّف عنا حرج الاعتراف بأننا فشلنا في حمايتهم؟ ثم تأتي اللّجان، في كل مرة، كأنها الجَواب الإداري الجاهزُ عن كل فاجعة: لجنة للتحقيق، وأخرى للتّتبع، وثالثة للتنسيق، وربما رابعة لمراقبة عمل اللجان نفسها. تتكاثر البلاغات، وتتعاقب الاجتماعات، وتنتفخ اللغة في المواقع الاجتماعية بعبارات الطّمأنة. غير أن الطفل الغائب لا يقرأ البيانات، ولا ينتظر استكمال المساطر، ولا يستفيدُ من فصاحة التصريحات.
وللجغرافيا نصيبٌ بيّن في هذه المأساة، لا يخطئه من ينظر في الأمر بعيْن الإنصاف. فاختفاء الأطفال لا يجري بعيدًا عن خرائط الفقر والتهميش والهشاشة، ذلك أنه يخرج من رحمها في كثير من الأحيان. ففي الأحياء الطرفية، والقرى النائية، والأزقة التي تنحسر عنها عيون المراقبة وتحرمها العدالة الاجتماعية من عنايتها، يكبر الطفل في مجالٍ مضطرب تختلط فيه الرعاية بالتفريط، وتتهاوى فيه الحدود الفاصلة بين الحفظ والإهمال. يذهب إلى المدرسة حين تسعفه الظروف، ويتجه إلى العمل حين تشتدّ الحاجة، ويقضي شطرًا واسعًا من يومه في الشارع، لأن الشارع كثيرًا ما يفرض نفسه بوصفه الفضاء الأوسع حضورًا في حياته، والأشد تأثيرًا في تشكيل يومه ومصيره. ثم إن الشارع يمنح الطفل شعورًا مبكرًا بالحرية، لكنه ينتزع منه الأمان بالسرعة نفسها. أما التكنولوجيا التي بشّر بها كثيرون بوصفها أداةً لتعزيز السّلامة وتقريب المسافات، فقد دخلت أحيانًا في صلب الخطر بدل أن تبقى وسيلةً للوقاية. هاتف صغير في يد طفل يفتح له أبوابًا لا تناسب سِنّه، ويقرّبه من غرباء لا يعرف حقيقتهم، ويدخله إلى ألعاب ومساحات وتطبيقات تستدرجه بلطف مُخَاتل. وفي مجتمع لم يرسخ بعد ثقافة التربية الرّقمية، يتحول الطفل إلى متجول في غابة إلكترونية بلا بوصلة ولا حارس. والمفارقة أن الآباء يهابُون الشّارع على أبنائهم، بينما قد يكون الخطر نفسه جالسًا في هدوءٍ وخفاءٍ بين أيديهم.
مجتمعٌ يرى الغياب ولا يرى أسبابه
ثم هناك الاقتصاد الخفيّ لهذه المأساة، وهو الجانب الذي يفضّل كثيرون تجاهله لأنه يفضح بشاعةً لا يحتملها الضمير بسهولة. فخلف بعض حالات الاختفاء تعمل شبكات تستثمر في الضعف البشري، وتحوّل الطفولة إلى مادة للاستغلال في التّسول، والعمل القسري، والاعتداء. هناك من ينظر إلى الطفل بوصفه موردًا قابلاً للتوظيف في سوق سوداء تتحرك بصمت ودهاء. وما أشد قسوة العالم حين تتسرب إليه لغة الربح والخسارة في أكثر المناطق براءةً وإنسانية. الحادثة التي تتكرر لا تبقى حادثة، تصير نمطًا، والنمط يفرض سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا لا مهرب منه: من يملك الإرادة لاجتثاث الشروط التي تهيئ لهذا الغياب المتكرر؟ تظن الأسرة أن الدولة تتولَّى الحراسة، والدولة تظن أن المجتمع المحلي يقوم بها، والمجتمع يرمي العبء على القَدر، وكأن العناية بالأطفال شأنٌ غامض يتكفل به شخص مجهول لا أحد يعرفه. لعل الوقت قد حان لنفهم أن المجتمع الذي لا يعرف كيف يصون أضعف أفراده، لا يستطيع أن يدّعي النضج مهما كثرت شعاراته، ولا يستطيع أن يتباهى بتقدُّمه ما دامت الطفولة فيه قابلةً للتّبدد بين البيت والشارع، أو بين الهاتف والعالم المجهول. إن مستقبل أيّ مجتمع يبدأ من الطريقة التي يحرس بها صغاره، لا من الطريقة التي يبرّر بها فشله بعد ضياعهم. لذلك، قد لا يكون الطفل المختفي هو الضحية الوحيدة في هذه القصة؛ الضحية أيضًا مجتمع اعتاد الخبر حتى فقدَ رجفتَه الأولى. في البداية كانت الحوادث تصدمه، ثم صارت تقلقه، ثم أخذت تمر أمامه كما تمر أخبار الطّقس والأسْعار.
ما الذي ضاع حقًّا: الطفل أم يقظة المجتمع؟
هكذا، قبل أن أغلق هذا الحديث، لا بد من الأسئلة التي تزعج أكثر مما تُريح: كم طفلًا ينبغي أن نفقدَ حتى نكفّ عن وصف الأمر بالحالات المعزولة؟ وكم صورةً لطفل مفقود يجب أن تعْبرَ شاشاتنا حتى نفهم أن العطب لا يكمنُ في الطريق الذي ضاع فيه الطفل وحده، وإنما في الطريق الذي ضاع فيه المجتمع؟ ولماذا نحسن طباعة مُلصقات البحث أكثر مما نحسن بناء شروط الأمان؟ وهل سنبقى نترقّب المعجزة كلّ مرة، كأنّ العثور على طفل مفقود من قبيل الحظ، لا من صميم المسؤولية واليقظة والعدل؟
شكرا للأستاذ لحجمري على اهتمامه بهذا الموضوع والتحليل الذي قدمه عميق يحيظ بظاهرة اختفاء الأطفال والتي لا ينبغي أن نمر عليها بسرعة، لأنها جرسُ إنذارٍ أخلاقيّ واجتماعيّ يكشف حجمَ الهشاشة التي قد يتعرّض لها الأضعف في مجتمعنا. فحين يصبح الطفل مهدّدًا في أمنه، فإنّ الخطر لا يمسّ الأسرة وحدها، وإنما يصيب ضمير المجتمع كلّه. والانتباه إلى هذه الظاهرة يكون ببناء وعيٍ جماعيّ قائم على المراقبة، والتربية، وسرعة التبليغ، وتعزيز الثقة والمسؤولية المشتركة. بارك الله فيكم أستاذنا … أحسنت