طمأنينة الأسر

طمأنينة الأسر
كاريكاتير: عماد السنوني
الجمعة 13 مارس 2026 - 23:02

ليست خطورة شائعات اختطاف الأطفال في المغرب، خلال الأيام الأخيرة، في كونها أخبارًا كاذبة فقط، بل في كونها استهدفت واحدًا من أكثر المجالات حساسية في المجتمع، وهو طمأنينة الأسر. فعندما يتعلق الأمر بالأطفال، لا تبقى الشائعة مجرد كذب عابر على منصات التواصل، بل تتحول إلى أداة مباشرة لإنتاج الخوف، وتعميم الارتياب، وإرباك الحياة اليومية داخل الأحياء والمدارس والفضاءات العامة. وهذا بالضبط ما جعل الموضوع يتجاوز حدود “خبر زائف” عادي، ليصبح مسألة تمس الإحساس الجماعي بالأمن.

ما وقع خلال الأيام الماضية أظهر أن الشائعة لم تنتشر في فراغ، بل اعتمدت على أكثر العناصر قابلية للاستفزاز النفسي، من خلال الحديث عن “اختطاف ممنهج”، و”الاتجار في الأعضاء”، وتداول تسجيلات ومنشورات وتعليقات مشوبة بالتهويل. وقد نفت وزارة الداخلية، قبل ذلك، صحة معطيات متداولة عن مذكرة مزعومة حول اختطاف الأطفال، مؤكدة أن الأمر لا يعدو أن يكون ادعاءات مغرضة وشائعات جرى نشرها من دون تحرٍّ أو استناد إلى مصادر رسمية. ثم جاءت بلاغات المديرية العامة للأمن الوطني لتقطع الطريق على موجة أخرى من التهويل، نافية بشكل قاطع الشائعات التي تزعم تسجيل حالات اختطاف ممنهج للأطفال مقرونة بالاتجار في الأعضاء.

الأهم في هذا التفاعل الرسمي أنه لم يكتفِ بالنفي المجرد، بل قدّم عناصر ملموسة تعيد النقاش إلى أرض الوقائع. فالمديرية العامة للأمن الوطني أوضحت أن مصالحها لم تسجل نهائيًا أي حالة اختطاف للأطفال مرتبطة بالاتجار في الأعضاء، وأن منظومة التبليغ المعتمدة لديها، بما في ذلك نظام الإبلاغ عن الجرائم ونظام “طفلي مختفي” المخصص للأطفال المصرح باختفائهم، لم تتوصل بأي إشعار يتعلق بوقائع مماثلة لما تم تداوله. كما شددت على أن مصالح اليقظة المعلوماتية رصدت محتويات رقمية قديمة أو محرّفة أو مجتزأة، يجري تقديمها خارج سياقها الحقيقي، بما من شأنه المساس بالإحساس بالأمن لدى المواطنين.

هنا تظهر قيمة المقاربة التي اعتمدتها المؤسسات المعنية. فالمطلوب في مثل هذه الحالات ليس فقط نفي الشائعة، بل استعادة الثقة قبل أن يتحول القلق الرقمي إلى ذعر اجتماعي. وهذا ما برز أيضًا في تفاعل المديرية العامة للأمن الوطني وولايات الأمن مع الوقائع الجزئية التي جرى تضخيمها محليًا.

ولم يقتصر الأمر على النفي العام، بل تُرجم ميدانيًا في تتبع الحالات التي جرى تضخيمها محليًا وتحويلها إلى مادة للتهويل. ففي مراكش، سارعت ولاية الأمن إلى تفنيد منشورات زعمت توقيف امرأة منقبة وزوجها على خلفية اختطاف أطفال، موضحة أن الأمر يتعلق فقط باشتباه عبّر عنه بعض المواطنين، ولم تسفر الأبحاث بشأنه عن أي شبهة جنائية.

وفي مدن أخرى، مثل طنجة والعرائش والقنيطرة، أكدت المديرية العامة للأمن الوطني أن الوقائع المتداولة لا تعدو أن تكون شائعات ناتجة عن تحريف معطيات غير صحيحة، بينما أظهرت بعض الحالات، كما في واقعة “فيديو السماوي”، كيف يمكن لالتباس عابر أو ادعاءات مرتبكة أن تتحول بسرعة إلى رواية مثيرة للهلع، قبل أن تعيد التحريات القضائية والإجراءات الأمنية الأمور إلى حجمها الحقيقي.

هذا المعطى مهم جدًا، لأنه يكشف أن حماية الأمن اليوم لا تعني فقط مكافحة الجريمة في معناها التقليدي، بل تعني أيضًا حماية المجال العام من العدوى النفسية التي تصنعها الشائعة. فكم من منشور واحد قادر على نشر الرعب داخل مدينة كاملة؟ وكم من فيديو مجتزأ أو تعليق مضلل يمكن أن يدفع مواطنين إلى الاشتباه العشوائي في الأبرياء، أو إلى تضخيم وقائع عادية وتحويلها إلى “حالات اختطاف” متخيلة؟ إن الخطر الحقيقي هنا لا يكمن فقط في كذب المعلومة، بل في قدرتها على دفع المجتمع إلى التفاعل مع الوهم كما لو كان حقيقة قائمة.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى سرعة تفاعل المديرية العامة للأمن الوطني وولايات الأمن والنيابة العامة باعتبارها مجرد عملية تواصلية للنفي أو التوضيح، بل باعتبارها جزءًا من وظيفة أوسع، هي حماية الطمأنينة العامة. فحين تبادر المؤسسات إلى التدقيق، والتوضيح، وفتح الأبحاث، ومواجهة الروايات الزائفة بالوقائع، فهي لا تدافع فقط عن الحقيقة، بل تدافع عن أحد الشروط الأساسية للاستقرار المجتمعي، وهو ثقة المواطنين في أن أمنهم ليس متروكًا للشائعات.

ومع ذلك، فإن هذا لا يمنع من طرح سؤال مشروع: هل نحن أمام مجرد موجة عابرة من الأخبار المضللة، أم أمام نمط متكرر يستثمر الخوف الأسري لضرب الإحساس العام بالأمن؟ الجزم بوجود حملة منظمة يحتاج، بطبيعة الحال، إلى معطيات أوفى من المتاح في المجال العام. لكن المؤكد أن تكرار نفس المزاعم، بصيغ متشابهة، وفي مدن متعددة، وبالاعتماد على فيديوهات قديمة أو وقائع محرّفة، يجعل فرضية الاستغلال الممنهج لحالة القلق فرضية مشروعة للنقاش، على الأقل من زاوية الأثر والنتيجة. فحين يكون المستهدف هو شعور المغاربة بالأمان في محيطهم اليومي، تصبح المسألة أخطر من “محتوى مضلل” وأقرب إلى عبث مباشر بالسلم النفسي للمجتمع.

لهذا كله، فإن المرحلة تفرض أمرين متلازمين: اليقظة المجتمعية، والصرامة المؤسساتية. اليقظة مطلوبة من الأسر والمواطنين حتى لا يتحولوا، بحسن نية، إلى ناقلين للرعب. والصرامة مطلوبة من الجهات المختصة حتى يفهم مروجو هذا النوع من الأكاذيب أن المساس بالإحساس الجماعي بالأمن ليس تسلية رقمية، بل سلوك له كلفة اجتماعية وقانونية. فقد لا تختطف هذه الشائعات أطفالًا، لكنها تحاول، بلا شك، اختطاف شيء لا يقل قيمة، هو طمأنينة الأسر وثقة المجتمع في أمنه اليومي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • adil
    الجمعة 13 مارس 2026 - 23:17

    نعم هناك أطفال تم اختطافهم.منهم الطفلة سندس وطفل زاݣورة وطفلة التي وجدة جثتها في سد بين الويدان وكذليك طفلة أخرة في زيدة. من الفاعل الله واعلام على العموم الله يرحمهم.كيف لاسر المغربية مغديش اعيشو الرعب

  • بلقاسمي
    الجمعة 13 مارس 2026 - 23:17

    أكيد هناك عمل مدبر وراء هاته الإشاعات،لخلق البلبلة وزرع الإحساس باللا أمن،مخططات يهدف من ورائها أصحابها إثارة الفتن وجمع اللايكات لتحقيق المآرب الشخصية بالاشاعات والافتراءات…يجب التصدي لمروجي هاته الازمات.

  • criticool
    الجمعة 13 مارس 2026 - 23:34

    لكن إذا افترضنا أن كل ماوقع ويقع مجرد شائعات فأنا من جانبي أقول كما يقول المثل رب ضرة نافعة حيث أصبح الآباء والأمهات أكثر حرصا على أن لا يحصل أي مكروه لأبنائهم في الوقت الذي لاننكر أن هناك أشخاص أو عصابات يتربصون فعلا بالأطفال ويختطفونهم في غفلة من أسرهم بغرض التسول أو تجارة الأعضاء البشرية..الخ يعني أن الاحساس المجتمعي بالأمن والأمان أصبح فعلاً منعدما وهذا طبيعي لأن الأمن الوطني لايمكنه القضاء على هذه الظواهر الإجرامية في رمشة عين والله المستعان

  • كمال امارير
    الجمعة 13 مارس 2026 - 23:44

    كان الحسن الثاني يؤمن إيمانًا راسخًا بأن قوة الأمة تبدأ من تربية أبنائها على الإيمان والقيم الدينية. لذلك كان يؤكد على ضرورة إدخال الأطفال إلى الكتّاب لتعلم القرآن الكريم ومبادئ الدين لمدة لا تقل عن سنتين قبل الالتحاق بالمدرسة، مهما كان نوعها أو مستوى الأسرة. ولم يكن هذا مجرد توجيه للناس، بل كان يقول إن أبناءه سيكونون أول من يلتزم بذلك، إيمانًا منه بأن القرآن هو أساس بناء الإنسان والمجتمع.
    وفي إحدى خطاباته الأخيرة، وجّه الملك رسالة خالدة إلى المغاربة قائلاً: تشبثوا بكتاب الله والقرآن الكريم، لأن فيه القوة والهداية والنجاة.
    وقد تجسد هذا الإيمان بأروع صوره في المسيرة الخضراء، حين خرج أكثر من 350 ألف مغربي في مسيرة سلمية نحو الصحراء، لا يحملون سلاحًا ولا حربًا، بل يحملون القرآن الكريم في أيديهم ويرددون بصوت واحد: الله أكبر.
    كانت تلك المسيرة حدثًا استثنائيًا في تاريخ الشعوب؛ شعبٌ كامل يسير بإيمان راسخ، مستندًا إلى قوة الحق ووحدة العقيدة. وقد دخل المشاركون الأراضي الصحراوية دون قتال، ودون أن تُسفك قطرة دم واحدة أو تقع إصابة، في مشهد اعتبره الكثيرون من أعظم لحظات التاريخ الحديث.

  • القايد
    السبت 14 مارس 2026 - 06:28

    يجب على الدولة ان تتدخل وتقن مجال السوشيال ميديا بوضع عقوبات على كل تدوينة او فيديو او خبر كاذب لا اساس له من الصحة خصوصا اذا كان يمس الأمن العام روحي او مادي .
    هكذا يمكن الحد من هذه الفوضى و الغباء.

  • عسقلان
    السبت 14 مارس 2026 - 14:54

    انها ليست شائعة انها حقيقة ملموسة بضحايا حقيقيين ومعروفين ،خرجة من نجى منهم وادلى بشهادته ،على الاسر أخد الحيطة والحذر وعلى الجهات المسؤولة ان تتيقظ لهذه الضاهرة الدخيلة على المجتمع المغربي .

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 6

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية

صوت وصورة
السوق والغلاء
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 12:27 4

السوق والغلاء

صوت وصورة
التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 09:42

التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة