خرافة الريع الديني

خرافة الريع الديني
الإثنين 5 غشت 2013 - 12:39

إلى الأستاذ رمضان الإدريسي: خرافة الريع الديني

قرأت للأستاذ رمضان الإدريسي مؤخرا مقالا بعنوان : ” أزمة حكومة 20 فبراير” ، وقد دأب صاحب المقال كعادته في تحليل المواضيع السياسية على تجنب الموضوعية التي تفضح أكاديميته المزعومة وتكشف تحامله المجاني على تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم، على عكس تحليلاته الدقيقة في قضايا ثقافية أخرى، يعكس فيها تميزا لا يمكن نكرانه. ومن تحامله على أصحاب المشروع الإسلامي عموما وحزب العدالة والتنمية على وجه الخصوص أنه أعزى سبب تفوق هذا الأخير على الساحة السياسية في بلادنا إلى سبب وحيد وهو الريع الديني مما جعله يتصدر نتائج الانتخابات ، مما يجعل القارئ يتوهم أن ريادة هذا الحزب السياسي للمشهد الحزب في بلادنا سببه الريع الديني ولا فضل في ذلك إلى نضاله على الأرض أو طبيعة برامجه أو مصداقية مناضليه أو غيرها من وسائل التمكين الأخرى التي تصعد بها الأحزاب الأخرى دون هذا الحزب الإسلامي حسب زعمه .

وحتى لا يتهمني الكاتب بالتحامل المجاني على قلمه أسوق جزءا مما قاله في هذا الصدد.” ربما لم تحسب هذه المجموعة قوة الريع الانتخابي الذي يتمتع به حزب العدالة والتنمية ؛الذي يمثله الخطاب الإسلامي ، الذي سمح له باستثماره سياسيا ،ذات صراع للدولة مع اليسار بكل ألوانه . سيظل هذا الريع من الأخطاء الكبرى المحسوبة على سنوات الرصاص ، وسيظل ما لم يوجد له حل ،حتى على مستوى الحزب الحامل/المستفيد- منتجا لأوضاع سياسية أقرب الى السريالية”.

إن الأستاذ رمضان يكرر نفس الأسطوانة المشروخة التي يرددها أيتام اليسار في العالم العربي، الذين يرون أن اكتساح الساحة السياسية والاجتماعية من طرف الإسلاميين كان بإيعاز من الدولة ، وذلك بهدف ضرب قوة اليسار المتنامي خلال العقود الماضية. وهذه مسألة غير دقيقة لا تعدو أن تكون مجرد ادعاءات تفتقد إلى الشواهد التاريخية والمادية ، وهذا القول مجرد تبرير لجأت إليه فلول أحزاب اليسار بعدما انحصرت أدوارها ، ووجدت نفسها على هامش المجتمع بسبب مشاريعها المعلبة وأفكارها الغريبة على ثقافة قواعدها الشعبية .

إن سماح الدولة للتنظيمات الإسلامية بالعمل في الجامعات وداخل المجتمع ليس معناه أن الدولة هي التي أشرفت على إنشاء مثل هذه التنظيمات الإسلامية ، وليس معناه كذلك ما تردده بعض الأقلام حول دور المخابرات في نشأة هذه الأحزاب لما قدمته لهم من التسهيلات المادية والمعنوية من أجل التغلغل في المجتمع المغربي وغيره، والحال أن الإسلاميين تعرضوا مثل غيرهم وربما أكثر للمضايقات ومنعوا من ممارسة حقوقهم السياسية والنقابية والإعلامية وتعرضوا للتنكيل والإقصاء والحصار ، ولا زالت الدولة إلى اليوم تتوجس خيفة من مشاركتهم في الحكم، في وقت تتمتع فيه أقصى الأحزاب اليسارية تطرفا بحقوقها السياسية كاملة غير منقوصة.

أما مسألة الريع الانتخابي فهي من الادعاءات التي لا تصمد أمام التحليل الموضوعي ، فالأستاذ رمضان يقصد به الريع الديني الذي يحتكره حزب العدالة التنمية دون سواه حسب زعمه ، ومعلوم أن الريع في أبعاده المختلفة يعني احتكار شخص أو فئة معينة ذات نفوذ لمنفعة مادية أو معنوية لتحقيق مصلحة خاصة وإقصاء الآخرين من هذا الامتياز من دون موجب حق أو قانون. فلو كان الإسلاميون يملكون المساجد الخاصة ويحتكرون المنابر ويسيطرون على المجالس العلمية وعلى إمارة المؤمنين لحق لأستاذنا رميهم بجريرة الريع الديني ، وهو يعلم يقينا من هي الجهات المستفيدة حقيقة من هذا الريع وتخشى المنافسة في هذا المجال. أما القول أن الإسلاميين يحتكرون الخطاب الإسلامي فهذه فرية لا يسندها دليل ، كأن حزب العدالة والتنمية يمنع الأحزاب الأخرى من استعمال هذا الخطاب، والحال أن المرجعية الإسلامية و الاستشهاد بنصوصها والأخذ من معينها مشاع بين جميع الأحزاب ، ولا أعلم وجود حارس يمنع الأحزاب التي تدعي أنها علمانية أو ليبرالية أو مدنية زورا من الاقتراب من هذا الخطاب الإسلامي .

إذا كنت تقصد بالريع الديني احتكار مثل هذه الأحزاب لمسمى الإسلاميين بما يوحي أن الآخرين لا ينتمون إلى مرجعية الإسلام ، مما يجعل الناخبين يتعاطفون معهم أكثر من سواهم ، فهذه ليس مشكلتهم ، وإنما هي مشكلة من اختار طواعية الابتعاد عن هذه المرجعية لكي يرتمي في أحضان مرجعيات أخرى غريبة يجد فيها معينا لا ينب من القيم والمشاريع والبرامج. فمن يمنع الأحزاب المدنية الأخرى من تسويق هذه التسمية إذا أرادت أن تدعم من رصيدها الشعبي، ومن قال أن من سمى نفسه مسلم أو إسلام أو إيمان احتكر الدين واستغله لتحقيق مصالح سياسية، وهل يصلح الدين الإسلامي فقط للاستغلال كما قال عبد الجليل الكور في ذات مقال. أليس جميع الأحزاب من دون استثناء تستعمل الخطاب الديني ، حتى تلك التي تدعي أن مشروعها المجتمعي يتناقض تماما مع القيم الدينية الرجعية. ومن من الأحزاب أو الأفراد يستطيع أن يتخلص من هذا الخطاب الديني الذي يسكن لغتنا وشعورنا ولا شعورنا . أليس جميع زعماء الأحزاب من دون استثناء يفتتحون مهرجاناتهم الانتخابية بالقرآن والبسملة ويختتموها بالدعاء. وبنفس هذا المنطق الأعوج الذي سقط فيه أستاذنا رمضان، ألا يستغل صاحب هذا الاسم ريعا دينيا حينما يستغل اسم شهر كريم ومقدس عند المغاربة ويتاجر به في الملتقيات الفكرية والمواقع الإلكترونية.

دعنا من مؤامرة الاستغلال التي تسكن هواجس ضعاف الأنفس من فاقدي الإرادة الذاتية والذين يحسبون كل صيحة عليهم ، أولئك الذين لا يستطيعون العمل إلا إذا كبل خصومهم وأفسحوا لهم الطريق ليتباروا بمفردهم من دون منافس ، وكم يؤسفني أن يسقط كاتب كبير مثل الأستاذ رمضان في ألاعيب السياسة ومنعرجاتها، حين ينظم صراحة إلى نادي الاستئصالين ، و يطالب بكل وقاحة بحل الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية ، ومنعها من المشاركة في الحياة السياسية ، حتى تبقى الساحة خالية إلا من الأحزاب ذات المرجعيات الأخرى ذات اليمين وذات اليسار.

وعندما وجد أستاذنا نفسه مغردا خارج السرب أراد الاستدراك فاستبدل منهجية حل الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية بمنهجية عبقرية يستحق عليها براءة الاختراع ، ليس حل هذه الأحزاب ومنع تشكيلها ولكن خصم نسبة من الأصوات المحصل عليها من قبل هذه الأحزاب الإسلامية ووضعا في ميزان خصومهم السياسيين. ما هذه القسمة الضيزى يا خريج جامعة القرويين. هل أصبحت السياسة في بلادنا تستنجد بجداول الضرب والطرح والقسمة ، وما هي النسبة التي تقترحها لخصم أصوات من يستغلون ريع الديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة والأمازيغية والعربية والوطنية والملكية والاشتراكية والليبرالية والمعاناة الاجتماعية . وهل تصلح كل هذه القضايا وغيرها فقط للاستغلال.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أهمس في أذنك قائلا ” ما خطب قوم يتكئون على نفس المرجعية الإسلامية وينهلون من نفس الخطاب الإسلامي ومع ذلك وضعهم الناخب في ذيل الترتيب . الجواب عند صديقك زاوج. نسيت أن أذكرك أني لست عضوا في الكتائب الإلكترونية العدالية و أن حرية التعبير على لوح المفاتيح ليست ريعا عداليا كذلك.

*طالب باحث في سلك الدكتوراه في التاريخ

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • دين الريع !!!!???
    الإثنين 5 غشت 2013 - 16:45

    هدا. المقال هو رد على السيد مصباح ،وليس مقالا في الريع الديني ،غريب هدا المصطلح ?،نقول اقتصاد الريع وله معنى محدد ،ويتجسد وقائعا وممارسات ،فهل يمكن الحديث عن دين الريع ?ربما السيد مصباح من انصار حزب الميزان ،والدي يظهر انه حزب معرض للازمات وربما الانشقاقات ،فقد شاخ ولم يعد يدرك ما حوله ،فالأسماء والرجال والأحزاب الكل تغير وبقي فقط السيد شباط يهلوس وفقط أهله يعرفون ما يقول ،

  • Amghribi
    الإثنين 5 غشت 2013 - 22:41

    المشروع السياسي الإسلامي هو أكذوبة مفظوحة ولا يَقلُّ ضررا وتخريبا من أبشع الديكتاتوريات.كل من هذيْنِ النظامين العثيقين يعمل بطريقته الخاصة و يَلتقِيان في قتل سيادة الشعب وحريته.يجب فصل الدين عن السياسة لأنه عبادة ولا يجب إستغلاله في توجيه مَشاعِرالناس.طبعا هذه الأصوات الدينية وهاته الوجوه الملتحية تجد ظالتها في المجتمعات التي تغلب عليها الأمية والثقافة الطقوسية والتي تجعل من التَّديُّن ملجأً لِالتَّخفيف من الصِّعابِ,لأنها تعيش بين سندان الديكتاتورية والفساد ومطرقة الفقروالتهميش مما يجعل الإحتقان يكبر حيث التَّديُّن يصبح المتنفس الوحيد لمن ليس لذيه بديل.ليست هناك دولة واحدة عبر التاريخ تأخد الإسلام أو دين كيفما كان إتِّجاهه كمشروع لتسيير البلاد وتزدهر على غِرار الدول المتقدمة العلمانية.بل هناك العكس حيث كل الدول التي سقطت في أيدي الإسلاميين الذين يستغلون الإسلام سياسيا كلها دول خربتها البطالة,الفتنة والأمية ,التخلف والعزلة الدولية بعد إبتعاد المستثمرين سواء كانوا أجانب أو من الداخل كما تُنتَهَكُ فيها أبسط حقوق الإنسان وتمارس إعدامات سياسية من طرف هذه الأنظمة وحراسها المكلوبين.

  • sifao
    الخميس 8 غشت 2013 - 22:58

    هذه هي الموضوعية في العرض والتحليل والا فلا ، مقالات الادريسي "تكشف تحامله المجاني على تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم، على عكس تحليلاته الدقيقة في قضايا ثقافية أخرى " يتحامل مجانيا على حزب العدالة والتنمية ، ويكون دقيقا عندما يتعرض للمسألة الامازيغية بطريقة لا يجرؤ عليها الا جهال الوطن والمقتاتين على ثوابته التاريخية، الريع الديني هو الثابت المشترك بين جل الحركات الاسلامية ، لانها تفتقر الى اية رؤية اقتصادية او سياسية او اجتماعية للاوضاع ، و تلعب على المشترك بين الناس جميعا ، الا وهو المكون الديني الذي يشكل عصب وجودي لكل المغاربة ، وخصوصا الاميين منهم . الانتهازيون من أشباه المثقفين ، دكاترة في العلوم والرياضيات والادب والتاريخ والجغرافيا و…و…يروجون للخرافة لاستمالة اصوات الناس والسيطرة على وجدانهم طمعا في منصب مريح في السلطة ومجد مزيف لن يتأخر التاريخ عن كشف زيفه . الانسان الامي يستجيب بسرعة حينما يطالبه الآخر باسم الله وفي سبيل الله ، المغاربة لا يحتاجون الى قادة من ذوي النيات الحسنة وانما الى كفاءات في الاقتصاد والسياسة .

صوت وصورة
أخنوش ينتقد "مروجي الوعود"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:17

أخنوش ينتقد "مروجي الوعود"

صوت وصورة
المنصوري بالرحامنة و"رضا الوالدين"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:02 2

المنصوري بالرحامنة و"رضا الوالدين"

صوت وصورة
أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 20:00 2

أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة

صوت وصورة
الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 19:49

الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة

صوت وصورة
رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا
الأحد 20 شتنبر 2026 - 15:05 7

رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا

صوت وصورة
خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 14:23 2

خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة