دراسة علمية تتوقع توسع مناطق انتشار عقرب شديد السمية في المغرب

دراسة علمية تتوقع توسع مناطق انتشار عقرب شديد السمية في المغرب
صورة: أ.ف.ب
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 03:00

قد تشهد الخريطة الجغرافية لانتشار بعض العقارب السامة بالمغرب تحولات ملحوظة خلال العقود المقبلة، بفعل التغيرات المناخية التي يُتوقع أن تؤثر في درجات الحرارة ورطوبة التربة، بعدما كشفت دراسة علمية حديثة عن احتمال اتساع المجالات البيئية المناسبة لوجود أحد أخطر أنواع العقارب الموجودة بالمملكة، مع تسجيل توسع محتمل نحو المناطق الشمالية والشمال غربية، وهو ما يثير الاهتمام بتداعيات هذه التحولات على الوقاية الصحية ومراقبة الحيوانات السامة.

وأفادت الدراسة، المنشورة في فاتح أكتوبر 2026 بالمجلة العلمية المتخصصة “Toxicon”، بأن العقرب المعروف علميا باسم “Androctonus mauritanicus”، الذي يصنف ضمن الأنواع شديدة السمية الموجودة بالمغرب، قد يجد ظروفا مناخية أكثر ملاءمة لانتشاره خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2061 و2080، استنادا إلى نتائج نماذج رياضية ومناخية استخدمها الباحثون لرصد التوزيع الجغرافي الحالي لهذا النوع وتوقع تحولاته المستقبلية.

وتوصل الباحثون إلى أن المساحات التي تتوفر فيها الظروف البيئية المناسبة لوجود هذا العقرب قد تسجل مكاسب صافية تتراوح بين 26,99 و33,81 في المائة، وفق السيناريوهات المناخية الثلاثة المعتمدة في الدراسة وطريقة احتساب التغير في المساحات الملائمة، وهي نتائج تشير إلى احتمال اتساع المجال الجغرافي الذي يستطيع هذا النوع العيش فيه، دون أن تعني ارتفاع أعداده أو تسجيل زيادة مماثلة في حالات اللسعات والتسممات.

وأظهرت خرائط التوزيع الحالية التي استند إليها البحث أن الظروف الأكثر ملاءمة لوجود العقرب المدروس تتركز في مناطق من شمال المغرب ووسطه، في حين صنفت أجزاء واسعة من الجنوب والجنوب الشرقي والشرق ضمن المجالات الأقل ملاءمة لهذا النوع تحديدا، وهي نتيجة تستدعي التمييز بين التوزيع البيئي لعقرب معين والخريطة العامة لانتشار العقارب السامة بالمملكة، بالنظر إلى وجود أنواع أخرى تختلف في خصائصها البيولوجية وقدرتها على التأقلم مع المناخات المحلية.

وتشير التوقعات المستقبلية إلى إمكانية تغير هذا التوزيع تدريجيا مع ارتفاع درجات الحرارة وتحول مستويات الرطوبة، إذ قد تصبح مجالات جديدة في شمال المملكة وشمالها الغربي مناسبة لوجود العقرب، بعدما كانت ظروفها المناخية أقل ملاءمة له، فيما قد تعرف مناطق أخرى تغيرات مختلفة تبعا لطبيعة التحولات البيئية التي ستشهدها خلال العقود المقبلة.

واعتمد الباحثون على نموذج “MaxEnt”، وهو من الأدوات العلمية المستخدمة في دراسة التوزيع المحتمل للأنواع الحية، من خلال تحليل العلاقة بين المواقع المسجلة لوجود نوع معين والخصائص البيئية المحيطة بها، ثم تقدير المناطق التي قد تتوفر فيها ظروف مشابهة، سواء في المناخ الحالي أو في سيناريوهات مستقبلية مفترضة.

واستعانت الدراسة بثلاثة نماذج مناخية عالمية ضمن ثلاثة مسارات مختلفة للتغير المناخي، بهدف اختبار مدى تأثر التوزيع الجغرافي للعقرب بالتطور المحتمل للظروف المناخية خلال النصف الثاني من القرن الحالي، وأظهرت النتائج أن رطوبة التربة وبعض المتغيرات المرتبطة بدرجات الحرارة تؤدي دورا أساسيا في تحديد المجالات البيئية المناسبة لوجود النوع المدروس.

وتكتسي هذه النتائج أهمية علمية بالنظر إلى التنوع المناخي والتضاريسي الذي يتميز به المغرب، حيث تختلف الظروف الطبيعية بين المناطق الساحلية والسهول الداخلية والمجالات الجبلية وشبه الجافة والصحراوية، مما يجعل تأثير التحولات المناخية في توزيع الحيوانات متفاوتا بحسب خصوصيات كل منطقة وقدرة الأنواع على التكيف مع الظروف الجديدة.

فارتفاع درجات الحرارة، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى تحسن الظروف المناسبة لوجود نوع معين في منطقة ما، بينما يجعل منطقة أخرى أقل ملاءمة له، كما أن تغير مستويات الرطوبة يمكن أن يؤثر في طبيعة الملاجئ والموائل التي تعتمد عليها العقارب في حياتها، الأمر الذي يجعل العلاقة بين التغير المناخي وانتشار هذه الحيوانات أكثر تعقيدا من مجرد ارتفاع درجات الحرارة.

وتتدخل في تحديد التوزيع الفعلي للعقارب عوامل أخرى لا تختزلها المتغيرات المناخية وحدها، من بينها طبيعة التربة والغطاء النباتي واستعمالات الأراضي وتوفر الغذاء والملاجئ، فضلا عن الأنشطة البشرية التي قد تؤثر في الوسط الطبيعي، وهو ما يعني أن تحول منطقة إلى مجال مناسب بيئيا لا يضمن بالضرورة وصول النوع إليها أو استقراره فيها.

وتنقل هذه المعطيات النقاش العلمي إلى مسألة المخاطر الصحية التي يمكن أن ترافق التحولات المستقبلية في توزيع العقارب السامة، خصوصا أن احتمال ظهور النوع المدروس في مناطق جديدة قد يستدعي تطوير آليات المراقبة الميدانية وتحيين الخرائط الجغرافية المعتمدة في برامج الوقاية من اللسعات والتسممات.

وتبرز أهمية هذا الجانب في المناطق القروية، حيث قد يرتبط تعرض السكان للعقارب بطبيعة المساكن والأنشطة الزراعية والعمل في الحقول والاحتكاك المباشر بالوسط الطبيعي، فضلا عن الظروف التي تسمح لهذه الحيوانات بالاختباء بالقرب من أماكن الإقامة أو داخلها، وهي عوامل ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تقييم المخاطر الصحية المرتبطة بوجود الأنواع السامة.

ويكتسي رصد العقارب شديدة السمية أهمية خاصة بالنسبة إلى الأطفال، باعتبارهم من الفئات التي قد تتعرض لمضاعفات خطيرة عقب اللسعات، مما يجعل الوقاية والتعرف المبكر على حالات التسمم وسرعة الحصول على الرعاية الطبية عناصر أساسية في الحد من العواقب الصحية المحتملة.

ويمكن أن تساعد النتائج التي توصلت إليها الدراسة في توجيه جهود البحث والمراقبة نحو المجالات التي يرجح أن تصبح أكثر ملاءمة لوجود العقرب خلال العقود المقبلة، من خلال إعداد خرائط بيئية محينة ومقارنتها بالمعطيات الميدانية الخاصة بمواقع انتشار الأنواع المختلفة، بما يسمح بالتعرف على التحولات الفعلية التي قد تطرأ على توزيعها.

كما تبرز أهمية الربط بين البيانات المناخية وسجلات اللسعات المصرح بها لدى المؤسسات الصحية، مع تحديد الأنواع المتسببة فيها كلما أمكن ذلك، لأن معرفة عدد الإصابات في منطقة معينة لا تكفي وحدها لتقدير أثر تغير انتشار نوع محدد من العقارب، ما لم تقترن بمعطيات حول وجوده الفعلي وكثافته ومدى تعرض السكان له.

ومن شأن هذا الربط أن يساعد على التمييز بين المناطق التي تتوفر فيها ظروف بيئية مناسبة لوجود العقرب والمناطق التي تسجل خطرا صحيا فعليا، إذ قد تكون منطقة ما ملائمة لوجود النوع دون أن تعرف عددا مرتفعا من اللسعات، في حين يمكن أن ترتفع احتمالات الإصابة في مناطق أخرى بسبب ظروف السكن والأنشطة اليومية ومستوى الاحتكاك بالحيوانات السامة.

ويستدعي هذا التمييز التعامل بحذر مع النسب الواردة في الدراسة، ذلك أن المكاسب الصافية المتوقعة في المساحات الملائمة، التي تتراوح بين 26,99 و33,81 في المائة، لا تسمح باستنتاج ارتفاع مماثل في أعداد العقارب أو الإصابات أو الوفيات، بالنظر إلى أن النمذجة تناولت ملاءمة الظروف البيئية لوجود النوع ولم تتناول بصورة مباشرة التطور المستقبلي لحالات التسمم.

كما أن النتائج لا تثبت انتقال هذا العقرب فعليا إلى مناطق جديدة خلال سنة 2026، وإنما تتعلق بتوقعات للفترة الممتدة بين 2061 و2080، تبقى مرتبطة بالسيناريوهات المناخية المفترضة وبمدى دقة البيانات المستخدمة في تحديد التوزيع الحالي، فضلا عن عوامل بيئية وبشرية قد تؤثر في الانتشار الفعلي خلال العقود المقبلة.

ورغم الأداء التنبؤي الجيد الذي سجله النموذج المختار، فإن التوقعات الرياضية لا تعوض عمليات الرصد المباشر، لأن التحقق من وجود العقرب في منطقة معينة يتطلب معطيات ميدانية تسمح بتحديد النوع ومواقعه وظروف عيشه، ومتابعة التغيرات التي قد تطرأ على انتشاره مع مرور الوقت.

وتبرز الدراسة أهمية تطوير التعاون بين الباحثين المتخصصين في علم الحيوان والمناخ والبيئة والمؤسسات الصحية، خصوصا في ما يتعلق بتبادل البيانات الجغرافية وتحيين المعلومات الخاصة بالأنواع السامة، بما يتيح الاستفادة من التوقعات المناخية في تحسين المعرفة بالمخاطر المحتملة وتوجيه برامج التحسيس والوقاية.

وتسمح هذه المقاربة بالانتقال من التعامل مع خرائط انتشار العقارب باعتبارها معطيات ثابتة إلى متابعتها بوصفها توزيعات جغرافية يمكن أن تتغير بتغير الظروف الطبيعية، وهو ما يكتسي أهمية في ظل التوقعات المناخية بعيدة المدى، التي قد تؤثر في المجالات الملائمة لوجود عدد من الأنواع الحيوانية.

ويمنح البحث المنشور في مجلة “Toxicon” معطيات يمكن البناء عليها لفهم العلاقة بين التغير المناخي وتوزيع أحد أنواع العقارب شديدة السمية بالمغرب، مع التأكيد أن التوسع المحتمل للمجالات المناسبة لوجوده لا يشكل دليلا على ارتفاع الخطر الصحي بصورة حتمية، وإنما مؤشرا علميا يستحق المتابعة الميدانية خلال السنوات المقبلة، خاصة في المناطق التي يرجح أن تعرف تغيرا في ظروفها البيئية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 3

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة