دفاعا عن صلاح بوسريف.. دفاعا عن الشاعر

دفاعا عن صلاح بوسريف.. دفاعا عن الشاعر
الخميس 14 يوليوز 2022 - 16:42

لقي حوار للشاعر صلاح بوسريف، نشر في مجلة “ميريت” الثقافية، عدد 43، بتاريخ يونيو 2022، جدلا كبيرا ونقاشا مثيرا بسبب رأي جاء في خضم الحوار مفاده أن “نيرودا ومحمود درويش ومظفر النواب وأحمد مطر شعرهم انتهى، ولم يعد يقرأ إلا كوثيقة تاريخية، وهو في جوهره ليس شعرا”.

وبغض النظر عن مدى وجاهة ومصداقية وصدقية هذا القول في الشعر وفي شعراء سماهم، صلاح بوسريف كان يتحدث في حوار صحافي مؤطر ومحدد في الحقل التداولي الثقافي، باعتباره شاعرا وكاتبا، له متابعين مقتنعين بما يطرحه، شعرا ونقدا، وله، في الوقت نفسه، منتقدين يعتبرون ما يكتبه وما يصرّح به تعوزه الرجاحة والنجاعة والرأي القويم.

ولكن، في خضم هذا التلاطم الكلامي حول ما قاله صلاح بوسريف في سياق الشعر والشعراء، لوحظ استقصاد لشخص بوسريف، بعيدا عن رأيه، وتم التمثيل بتاريخه، اعتمادا على وقائع ومعطيات ثقافية لا علاقة لها بالرأي الذي ساقه، بل هناك من تمادى في التجريح بالشخص الاعتباري لصلاح بوسريف واعتبره عالة على المشهد الشعري ووجها لسلطة وتسلط ثقافي متحكم فيه بنوع من الريع الثقافي، وغير ذلك من الاتهامات التي لا علاقة لها لا بموضوع الحوار والرأي الشعري الذي جاء بين ثناياه، ولا بواقع الشعر المغربي وشعرائه.

بعض المراقبين اعتبروا ذاك التلاطم الكلامي تصفية حسابات شخصية قديمة، وبعضهم اعتبره تفريغا لغبن ناتج عن حسد وكراهية، وبعضهم اعتبره هذا وذاك، وأشياء أخرى كلها تعبر عن واقع مزر يميز العلاقة بين المثقفين المغاربة، ومنهم الشعراء.

اعتمادا على ما سبق، كل ما يمكن أن يقال حول رأي صلاح بوسريف أو وجهة نظره، وهو بالمناسبة ليس جديدا، وتطرق إليه عدد من نقاد الشعر والمهتمين به، يجب أن يكون من جنس قول صلاح بوسريف، وفي سياق كلامه نفسه، بعيدا عن شخص القائل وحياته الشخصية، ومن يعتقد بأن صلاح بوسريف تجاوز في حق شعر شعراء بعينهم كان من الأولى تسفيه الفكرة ونسخها بأخرى، عوض استقصاد حياة الشخص والمس به وتجريحه.

في سياق آخر، وأمام تسفيه صلاح بوسريف، ونزع الشاعرية عنه والفاعلية الأدبية والفكرية عن إصداراته وكتبه، هل يمكن بجرة قلم مسح كل ما قام به صلاح بوسريف في المشهد الشعري المغربي منذ أزيد من ثلاثين سنة؟

ما الذي يخول لنا إطلاق حكم أن ما كتبه صلاح بوسريف لا يساوي شيئا ولا قيمة له؟

وهل هذا الحكم موضوعي مبني على حقيقة بحثية أم هو نابع عن هوى ونزعات شخصية؟

يكاد يتفق كل الباحثين في تاريخ الشعر المغربي الحديث والمعاصر على أن صلاح بوسريف واحد من رموز جيل الثمانينات الذين تأثروا وأثروا في المشهد الشعري المغربي المعاصر، وواكبوا التجربة الشعرية المغربية الحديثة بكثير من الانتباه الفكري والإحساس الجمالي والطموح الفني.

ولعل من فتوحات صلاح بوسريف، هو وعدد من المتتبعين لمسيرة الشعر المغربي المعاصر، يعتبرون جيل الثمانينات الشعري أهم جيل في تاريخ الشعر المغربي، لسببين:

السبب الأول، لأنه جاء بعد جيلين شعريين كان لهما شأن عظيم في بلورة وعي شعري مغربي جديد، سواء من حيث المفهوم الجمالي أو البنية الفنية أو الخلفية الفكرية.

ونقصد بهذا، جيل المؤسسين الستيني وجيل التابعين السبعيني.

السبب الثاني، لأنه استطاع مواجهة السطوة الكبيرة للجيل السبعيني، والوقوف في وجه اختياراته الإبداعية وتبخيس منزعها الإيديولوجي والسياسي، مع تقديم بدائل فنية أخرى مستنبطة من الذات والوجدان وما يدخل في مقامهما.

وقد أظهر التاريخ أن الجيل الثمانيني كان على حق في منزعه الرامي إلى تدمير الملمح الإيديولوجي في القصيد المغربية، إذ سرعان ما تخففت وتحررت من ثقله وانطلقت سريعة في ملكوت الشعر الفسيحة.

كان صلاح بوسريف في طليعة هذا الجيل، إن على مستوى التنظير الفكري، أو على مستوى الممارسة الشعرية.

صلاح بوسريف كان، ومازال، يتساءل عن سبب اهتمام النقاد والمتتبعين بتجربة الستينات والسبعينات فقط، بدون الالتفات إلى تجربة الثمانيات، إلا بشكل استثنائي أو فيما ندر.

هل كان صلاح بوسريف، ومن خلاله جيل الثمانينات، يحس بالغبن الشعري؟

هل يمكن اعتبار كتاب صلاح بوسريف “المغايرة والاختلاف في الشعر المغربي المعاصر” تبنيا لهذا الجيل ودفاعا عنه وعن وجوده؟

وهل يمكن اعتبار كتاب المغايرة والاختلاف تتمة موضوعية لكتاب محمد بنيس “ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب” الذي اهتم بجيل الستينات، وكتاب عبد الله راجع “القصيدة المغربية المعاصرة)” الذي اهتم بجيل السبعينات؟

كيفما كان الجواب، فالثابت أن صلاح بوسريف كان في مقدمة المساهمين في إصلاح عطب القصيدة المغربية الحديثة عندما كان يؤكد في كتاباته ومناظراته ونقاشاته ومواجهاته على الشرط الجمالي للقصيدة، وهو بهذا كان يؤسس لها سلاحا فعالا لمواجهة الشرط الإيديولوجي السائد حينذاك.

هذه الحسنة لوحدها كافية لجعل صلاح بوسريف شاعراً مستبصرا في مملكة الشعراء.

كتب صلاح بوسريف كثيرا وأصدر كثيرا، في الشعر وفي النظرية الشعرية وفي التأطير الشعري والثقافي.

خلّف صلاح بوسريف إنتاجا شعريا معتبرا، بدأه بـ”فاكهة الليل”، 1995، وأنهاه بـ “كتاب البداء”، 2022، وبين “الفاكهة” و”البداء” تعدد السفر الشعري لصلاح، بين السماء والشجر والنتوءات والمرآة والشهوات والشرفة بخبزها وحجرها، والرفات، كل هذا، يا هذا، خلّفه صلاح بوسريف وطرحه في الطريق، معاني وعبرا للسالكين وللعابرين فوق جسر القصيدة المغربية بكل تلاوينها، بحثا عن إشراقة أو كشف أو طريق.

في هذا الصدد، تبقى قضية الحداثة وما بعد الحداثة، وقصتهما مع صلاح بوسريف، أهم ما يميزه، وهي قصة يعرفها الكثيرون، ويكفي أن نعرف أن واحداً من علامات النقد المغربي (نجيب العوفي) يسمي صلاح بوسريف “نشيد الحداثة”.

إلا أن القصة التي يجب أن تحكى هي الوقوف المثير للجدل الذي يقوم به صلاح بوسريف في وجه تيار ما بعد الحداثة، والصرامة النقدية التي يواجهه بها.

صلاح بوسريف، وهو يحارب في هذه الواجهة، يلخص القصة في رأي يحمل وجاهته حينما يربط ضرورة خروج مجتمعاتنا العربية من “الماقبلي” حتى تدخل في “المابعدي”.

هذا الموقف، هل له علاقة بتعصب ما لصلاح بوسريف لجيل الثمانينات، باعتباره جيلا مازال دوره قائما، وحاجة الشعر المغربي إليه مازالت قائمة؟

أليس هذا سد للباب في وجه الأجيال الشعرية اللاحقة التي اعتبرت الحداثة إحدى أهم الأعطاب الشعرية التي أدخلت القصيدة المغربية في غرفة إنعاش، مازالت تقيم فيها إلى حد الآن، بشكل من الأشكال؟

الحديث عن الحداثة وتمظهراتها وإحالاتها وسياقاتها يظهر لنا أن صلاح بوسريف رجل المعارك المعرفية والفكرية والنقدية والشعرية بامتياز.

كل الموضوعات الكبرى، المتعلقة بالثقافة المغربية، في عموميتها، أدلى بدلوه فيها وأرغى وأزبد في تقويمها وأفتى في نوازلها، برأي وبفكرة وبتصور وبمنهج وبرؤية للعالم لا تخطئها العين، فضلا عن العقل.

ليس مهما أن تتفق مع صلاح بوسريف أو تختلف معه أو تنتقده أو تجاريه في طروحاته أو تبحث له عن مبررات أو تخلق له عوائق ومطبات…

هذا ليس مهما، المهم هو أن تتساءل مع نفسك، ومع ضميرك الفكري والشعري، هل صلاح بوسريف يقول شيئا؟

القول هنا، ليس بمعناه الفونيتيكي، ولكنه القول بمعناه المعرفي الشامل.

صلاح بوسريف يكتب بوعي إصلاحي طلائعي كامل، يأخذ بعين الاعتبار المرحلة التاريخية التي ينتمي إليها، والقضايا الواجب الانتباه إليها ومعالجتها، وفي الوقت نفسه تقديم الحلول والبدائل لها.

ربما من هذا الجانب، وتحقيقا لهذه الرسالة التي يعتبر صلاح بوسريف نفسه حاملا لها، من هذا الجانب، يجيب دعوة من دعاه، ليس ضرورة أن تكون الدعوة من جهة خاصة أو سامية أو عالية، في مدن المركز أو الهامش أو في البوادي، المهم عنده هو تربة ثقافية خصبة صالحة لبذر ما تيسر له من معرفة وشعر.

وهذه تعتبر من حسناته الكبرى.

صلاح بوسريف، بعد كل هذا، وقبله، شاعر، قبل أن يكون أي شيء، شاعر مسافر طائر منقب غائص في عمق الأشياء والجهات والحال والأحوال.

اللغة هي من بين ما يميز صلاح بوسريف، في شعره ونثره وحديثه، هو خالق تعابير وبنيات لغوية جديدة، إن لم تكن مخترعة، لأنه يشتغل على اللغة وكأنها شغله الشاغل.

أليس هو القائل: “مواجهة اللغة أقسى ما يواجهه الشاعر”؟

صلاح بوسريف، رغم كل الضجيج الذي يرافق سفره المعرفي، يظل من الكتاب المغاربة القلائل الذين يكتبون وينشرون بشكل دائم ومستمر: مقالات صحافية مختلفة المنزع والخلفيات، وكتب عديدة متعددة المشارب، ودواوين شعر متنوعة في البناء والإحالات، واحدة في الرؤية والنظر والإيمان بالشعر كسبيل للتغيير والإصلاح.

صلاح بوسريف يكتب بوعي كامل بالمرحلة التاريخية التي يعيشها وينتمي إليها.

صلاح بوسريف يكتب، وفي الوقت نفسه يضع أسئلة للكتابة، مادامت أسئلة الكتابة هي أسئلة الحياة نفسها.

هل يقدم صلاح بوسريف جوابا، أو أجوبة، على أسئلة الكتابة؟

“الكتابة إشارة وجود”؛ هذا ما يجيب به الشاعر.

وهذا ما يجب التأكيد عليه: لا تبخسوا الناس أشياءهم.

إشارة:

جزء من هذه المقالة منشور في كتاب “نصوص غائبة” الذي صدر سنة 2019.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • Hassan
    الجمعة 15 يوليوز 2022 - 01:19

    ليته توقف عند “” وهو وثيقة تاريخية …”” و لم يضف و “” هو ليس شعرا “” من يزعم أن دواوين درويش و مطر ليس شعرا كمن قال أن القرآن ليس وحيا . فأجيبه مقتبسا فليأتي بمثله . ربما شعرهما المفعم بالإنفعال و النضال لم يعد له اقبال عند أصحاب الحال . أو لم يبقى ما يقال .

  • منتدى لوكسوري
    الجمعة 15 يوليوز 2022 - 15:31

    الاحتجاج يتصاعد ضد “ندرة الماء” .. خبير: الضرر حاد في سوس والصحراء

    متسائلا: لماذا خيار الفلاحة، إذن، هناك خلال الثمانينيات؟، منبها إلى أن مشكل الماء ينذر بما هو أكبر؛ وفي المقدمة هجرات جماعية اضطرارية.

    هسبريس من الرباط

  • الموتى فقط!!!
    الجمعة 22 يوليوز 2022 - 10:08

    السؤال المثير في قول السيد بوسريف أنه هاجم الموتى فقط لأنهم لا يملكون حق الرد، فقط تظل أشعارهم الراسخة أجمل رد وأقواه…هل صارت كل أشكال الممانعة عبئا على المثقف المغربي والعربي بعد ترسيخ ثقافة التطبيع مع كل أشكال الفساد والاستبداد ومع الكيان الغاصب؟ قد يكون هذا الاعتراف من الشاعر بوسريف رفعا للحرج بعد أن صار المغتصبون والقتلة إخواننا وأشقاءنا…

صوت وصورة
تصوير الخيول في معرض الفرس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:24

تصوير الخيول في معرض الفرس

صوت وصورة
هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:31 1

هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:00 1

أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة

صوت وصورة
التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 18:22 8

التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب

صوت وصورة
النواب يشرعون في انتخاب الرئيس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 15:51 1

النواب يشرعون في انتخاب الرئيس

صوت وصورة
الرقمنة في خدمة مربي الخيول
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 13:42

الرقمنة في خدمة مربي الخيول