دور الاحتفالات المدرسية...

دور الاحتفالات المدرسية...
الأربعاء 25 دجنبر 2024 - 17:03

يواجه المجتمع المغربي العديد من التحديات نتيجة للثورة المعلوماتية التي سهّلت التواصل مع الآخر والانفتاح على الثقافات المختلفة، خصوصًا المهيمنة منها على المجتمع الدولي. مما أدى إلى محاولات فرض ثقافات ومعتقدات ومواقف تهدد خصوصية المجتمع المغربي، وتضعف من قيم المواطنة والانتماء والهوية لدى الشباب.

وقد شهد مفهوم المواطنة تحولًا غريبًا لدى المجتمع المغربي، خصوصًا بالنسبة للمراهقين. إذ أثارت حادثة نزوح مئات المواطنين، بصفة غير شرعية، نحو الضفة الأخرى من شمال المغرب نقاشات عميقة حول قيم الانتماء ودور مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها المدرسة، في بناء الهوية الوطنية وكيف يمكن إعداد الشباب ليكونوا أعضاء مساهمين في التنمية الاجتماعية والسياسية.

قد يعتقد البعض أن أدوار المؤسسات التعليمية تقتصر على نقل المعارف التي تتضمنها المناهج الدراسية خلال الحصص الصفية. إلا أنها تتعدى ذلك لتشمل إعداد الشباب من أجل الاندماج في الحياة الاجتماعية والسياسية، ليتبوأوا مكانتهم كمواطنين صالحين قادرين على الإسهام في مسلسل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعرفها البلاد.

وحتى تضطلع المؤسسات التعليمية بهذه الأدوار، عليها أن تتجاوز تمرير القيم الوطنية عبر الأنشطة الاعتيادية المرتبطة بدروس المواد الدراسية، وتنتقل إلى تبني أنماط مختلفة من التفاعلات الديداكتيكية، بحيث تتناسب طبيعة الأنشطة المقدمة مع المهارات والقيم الاجتماعية والسياسية التي نسعى لإكسابها للمتعلمين/ات.

وتُعتبر أنشطة الحياة المدرسية المرتبطة بإحياء الأيام الوطنية آلية تربوية مدرسية تساهم في ترسيخ الهوية الوطنية وتنمية الثقافة السياسية لدى المتمدرسين/ات. فهي أكثر من مجرد لحظات عابرة من الاحتفال، بل وسيلة لغرس قيم المواطنة وتدعيم الهوية المغربية في نفوس مرتفقي المؤسسات التعليمية. كما تُعد مناسبة لتجديد الولاء والانتماء والاعتراف بالذات والافتخار بالانتماء للأرض. وتعتبر أيضًا فرصة للاعتزاز بالأحداث والشخصيات التاريخية المغربية، وبالإنجازات والجهود التي بُذلت لتحقيق الاستقلال وتحرير الأرض وبناء الدولة المغربية. كما تساهم في تشكيل الوعي الوطني الذي يعترف بالتنوع الثقافي والعرقي الذي يمثل أحد لبنات الوحدة الاجتماعية والقوة الدافعة نحو الانخراط في البناء المشترك لمستقبل البلاد.

ورغم أن الأنشطة الموازية ليست الفترة التعليمية الوحيدة التي تمرر فيها قيم التنشئة الاجتماعية والسياسية، إلا أنها تبقى الآلية المناسبة التي تُوظف فيها الوضعيات التعليمية التعلمية الهادفة لممارسة الكفايات الاجتماعية واكتساب الوعي السياسي.

التحديات التي تواجه الاحتفالات المدرسية

ويبدو أن أنشطة إحياء الأيام الوطنية أصبحت تتسم بالنمطية والتكرار وضعف الفعالية، بالإضافة إلى محدودية عدد حصصها المنجزة. حيث أصبحت تمرر بنفس الوسائل والدعامات والعروض ومقاطع الفيديو والصور التي قُدمت بها خلال السنوات الماضية. كما أن هذه الأنشطة غالبًا ما يكون المدرس الفاعل الوحيد في بنائها، بينما يقتصر دور التلميذ على الحضور لقاعة الأنشطة كمشاهد مؤثث للفضاء المدرسي.

ويبدو أيضًا أن ضعف عدد منخرطي الأندية التربوية، وكذا محدودية الأنشطة المنجزة خلال الأسبوع، لا يؤشر فقط على قلة الحيز الزمني المخصص لأنشطة الحياة المدرسية، بل يشير أيضًا إلى ضعف تكوين منشطي الحياة المدرسية وغياب حافزية التلاميذ/ات نحو المشاركة في الأنشطة. تُعزى هذه الظاهرة إلى ارتباط هذه الأنشطة بمادة “الاجتماعيات”، التي تمثل “فوبيا” لدى التلاميذ خلال الامتحانات الجهوية. إذ يساهم عدد من المدرسين في تكريس مواقف رافضة للمادة بسبب طبيعة الأنشطة التقويمية، التي تُكرّس مقولة “بضاعتنا ردت إلينا”، واعتماد الإلقاء وتدوين الملخص وحفظه.

في حين أن مادة التاريخ، كمكون مدرسي ممتع، تساهم في بناء الثقافة السياسية لدى الشباب. فهي تعتمد مناهج متعددة لفهم الظواهر التاريخية، وتتطلب مهارات متنوعة مثل القراءة الفاحصة، التحليل، الاستنباط، الاستنتاج، والمقارنة.

الحياد السياسي في المدرسة

ويبدو كذلك أن الفاعلين التربويين أصبحوا يلتزمون الحياد السياسي والبيداغوجي، متجنبين المشاركة في إحياء الأيام الوطنية. فكثير منهم يجد صعوبة في تناول الثقافة السياسية المواطنة كقيمة تمرر لأجيال الغد، لعدم استفادتهم من تدريب أو تكوين مناسب. كما أن التلاميذ/ات يفتقرون إلى المعرفة السياسية، ولا يتابعون الأخبار والأحداث المحلية أو الدولية ولا يتفاعلون مع مضامين الأنشطة الموازية.

علاوة على ذلك، فإن عددًا من المدرسين/ات يفتقرون إلى الخبرة في تنفيذ المناظرات وتسيير النقاشات حول المواضيع السياسية وإدارة وضعيات الحياة المدرسية، خصوصًا مع جماعات التلاميذ/ات في فضاءات مفتوحة.

تعزيز دور المدرسة في الوعي السياسي

ولتحقيق تعليم فعّال يُنمّي الوعي الاجتماعي والسياسي لدى التلاميذ/ات، من الضروري تفعيل دور المدرسة في تعزيز قيم الاندماج الاجتماعي، وإرساء الثقافة السياسية المواطنة داخل أسوارها. فالقيم تتعزز خلال أنشطة الحياة المدرسية، خصوصًا خلال فترات الاحتفال بالأيام الوطنية.

تتيح هذه اللحظات للتلاميذ/ات من مختلف الفئات العمرية المشاركة في ورش عمل تفاعلية تهدف إلى ترسيخ قيم الهوية المغربية. كما يجب العمل بالتعاون مع جمعيات المجتمع المدني لتنظيم فعاليات مشتركة تساهم في التحسيس بالقضايا الوطنية الراهنة، وتعزز قيم المسؤولية تجاهها، وتحفّز المتعلمين/ات على الانخراط الإيجابي في الحياة السياسية خدمة للمجتمع والوطن.

من خلال هذه الأنشطة وغيرها، يمكن للمؤسسات التعليمية أن تساهم بشكل فعّال في تثقيف الأجيال الجديدة حول قضية الوحدة الترابية، وتشجيعهم على اتخاذ مواقف إيجابية تجاهها. كما يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تحقيق التربية الوطنية وتنمية الوعي السياسي عبر وسائل ومنهجيات متعددة مثل:

تنظيم ورش عمل توعوية وتثقيفية تتلوها مناقشات حول أهم الأحداث التاريخية التي ساهمت في استقلال وبناء الدولة المغربية وتأثيرها على التنشئة الاجتماعية والسياسية.

إعادة تمثيل الأحداث التاريخية لتعزيز فهم التلاميذ لأهمية المشاركة المجتمعية.

تشجيع الانتخابات التلاميذية كوسيلة لممارسة الديمقراطية وتعزيز قيم المواطنة.

إن هذه الأنشطة تُتيح للتلاميذ فرصًا لتطوير مهارات التفكير النقدي وبناء المواقف وتبني قيم الديمقراطية المواطنة. كما تساهم في خلق فرص لممارستها من خلال المشاركة في الحياة المدرسية، مما يُعد الشباب لتحمل مسؤولياتهم السياسية والاجتماعية في المستقبل.

خلاصة

إن تنمية الوعي السياسي لدى الشباب تتطلب جهودًا متكاملة من المؤسسات التعليمية والمجتمع المدني. ولتكون المدرسة أداة فعّالة في هذا المسار، يجب تعزيز ثقافة الانتماء والمواطنة، وتوفير بيئة تعليمية داعمة تسهم في بناء مواطنين فاعلين في المجتمع.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
فنون خليجية بمعرض الجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 09:24

فنون خليجية بمعرض الجديدة

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10 3

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 7

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة