ذوو الإعاقة في المغرب

ذوو الإعاقة في المغرب
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 19:11

عقود من السياسات الاجتماعية… وأسر لا تزال تواجه الإعاقة والفقر وحدها

هناك قصص إنسانية لا تحتاج إلى كثير من البلاغة حتى تهز ضمير الإنسان. يكفي أن تستمع إلى أم تتحدث عن معاناة ابنها في وضعية إعاقة، أو إلى أسرة أنهكها المرض والفقر، حتى تدرك أن وراء الخطابات الرسمية عن التضامن والإدماج الاجتماعي واقعًا آخر يستحق أن نتوقف عنده طويلًا.

أكتب هذا المقال انطلاقًا من حالتين إنسانيتين مؤلمتين، إحداهما عاينتها بنفسي خلال زيارة ميدانية، والأخرى تعرفت على تفاصيل معاناة الأسرة المعنية من خلال صديق ساعدني على ايصال مساعدة بسيطة. حالتان مختلفتان في ظروفهما، لكنهما تلتقيان عند سؤال واحد: لماذا ما زالت أسر مغربية تضم أشخاصًا في وضعية إعاقة تواجه وحدها أعباء الرعاية والتأهيل والفقر، رغم عقود من السياسات والبرامج الاجتماعية؟

وأريد منذ البداية توضيح أمر أساسي: هذا المقال ليس موجهًا ضد حكومة بعينها، ولا ضد وزيرة أو وزير بعينه. فالمشكلات التي سأناقشها لم تبدأ مع حكومة اليوم، ولن تختفي بمجرد تغيير الحكومة غدًا. إنها مشكلات تراكمت عبر سنوات طويلة، وتعاقبت عليها حكومات مختلفة ومسؤولون متعددون، دون أن تنجح السياسات العمومية، في جميع الحالات، في ضمان وصول الخدمات الضرورية إلى الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. غير أن هذا لا يعفي القطاع الحكومي المكلف بالتضامن والإدماج الاجتماعي والأشخاص في وضعية إعاقة، بمختلف تسمياته عبر السنوات، من المساءلة. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه لا يتعلق بالأسماء والشعارات، بل بالنتائج الفعلية للسياسات التي تعاقبت على تدبير هذا الملف.

بلال… 21 سنة من المعاناة مع الشلل الدماغي

بلال شاب مغربي يبلغ من العمر 21 سنة، يعيش مع أسرته في قرية نواحي مدينة مكناس. يعاني منذ ولادته من الشلل الدماغي، المعروف بالفرنسية باسمInfirmité Motrice Cérébrale أو .Paralysie Cérébrale والشلل الدماغي مجموعة من الاضطرابات العصبية التي تؤثر في الحركة ووضعية الجسم، وتنجم عن إصابة أو اضطراب في نمو الدماغ خلال الولادة او المراحل المبكرة من الحياة. وبحسب رواية والدة بلال، فقد وُلد ابنها ليلًا في غياب طبيب التوليد، فأُسند التعامل مع حالته الحرجة إلى طبيب متدرب لم تكن لديه، حسب قولها، الخبرة الكافية، مما أدى إلى تأخر التدخل الطبي ونقص وصول الأكسجين إلى دماغ المولود، وهو ما ترجّح الأم أنه تسبب في إصابته بالشلل الدماغي. ومن المعروف طبيًا أن نقص الأكسجين الشديد أثناء الولادة أو في الفترة المحيطة بها قد يؤدي إلى تلف الدماغ والإصابة بالشلل الدماغي. وتثير هذه الحالة تساؤلات جدية حول مدى جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع حالات الولادة الطارئة، خصوصًا خلال ساعات الليل، لكن ذلك موضوع آخر يستحق نقاشًا مستقلًا.

لم أكتفِ بسماع قصة بلال من والدته، بل زرت بيته بنفسي، وجلست مع أسرته، ورأيت بأم عيني حالته الصحية والظروف الصعبة التي يعيش فيها. وما شاهدته ترك في نفسي أثرًا عميقًا. رأيت شابًا لا يستطيع الاعتماد على نفسه، ويحتاج إلى مساعدة كاملة في تفاصيل حياته اليومية. ورأيت المعاناة التي تتحملها أسرته، خصوصًا والدته، التي كرست حياتها لرعايته رغم محدودية الإمكانيات. بلال يقضي معظم وقته مستلقيًا، وقد ظهرت لديه تشوهات وتقلصات في الأطراف والظهر، إلى جانب مشكلات في الجهاز الهضمي، بحسب ما أفادت به والدته. وهي مشكلات تستدعي تقييمًا طبيًا وتأهيليًا متخصصًا، وقد تتفاقم في غياب الرعاية المناسبة. وتقول الام ان بلال أجرى بسبب حالته عدة تدخلات جراحية.

الشلل الدماغي لا يتفاقم في أصله… لكن مضاعفاته قد تتفاقم

من المهم هنا توضيح حقيقة علمية أساسية: الشلل الدماغي ليس مرضًا تنكسيًا تتفاقم فيه الإصابة الدماغية الأصلية مع مرور السنوات. لكن هذا لا يعني أن الحالة الجسدية للشخص المصاب تظل ثابتة. فقد تظهر أو تتفاقم مع الوقت مضاعفات مثل التقلصات العضلية، وتيبس المفاصل، والتشوهات الهيكلية، وانحناء العمود الفقري، وصعوبة التنفس، والألم، وصعوبات الحركة. وهنا تكمن أهمية التدخل الطبي والتأهيلي المبكر، الذي لا يهدف إلى إزالة الإصابة الدماغية الأصلية، بل إلى الوقاية من المضاعفات الممكن تجنبها، والحد من تدهور القدرات الوظيفية، وتحسين جودة الحياة.

ولم تكن زيارتي لبلال مجرد زيارة إنسانية للاطلاع على معاناته، بل حرصت على أن يرافقني أخصائي في العلاج الطبيعي حتى يعاين حالته ويقدم تقييمًا مهنيًا لاحتياجاته التأهيلية. وبعد معاينة بلال، أكد لي الأخصائي أن التشوهات والتقلصات الجسدية التي يعاني منها اليوم لم تكن بالضرورة حتمية، وأن الرعاية التأهيلية المنتظمة منذ السنوات الأولى من حياته كان من الممكن أن تحول دون ظهور بعض هذه المضاعفات، أو على الأقل أن تحد من شدتها وتطورها. وكان لهذا التقييم وقع خاص في نفسي. فالأمر لا يتعلق فقط بشاب يحتاج اليوم إلى العلاج والرعاية، بل بشاب ربما كان بالإمكان تجنيبه جزءًا من المعاناة الجسدية التي يعيشها لو حصل على التأهيل المناسب في الوقت المناسب.

وهنا أود التأكيد على حقيقة طبية أساسية: إن الرعاية الطبية والتأهيلية المبكرة لا تمنع بالضرورة حدوث الإعاقة الأصلية، ولا تعني أنها قادرة على علاجها أو إزالتها، لكنها قد تلعب دورًا حاسمًا في الحد من تفاقم آثارها، والوقاية من بعض مضاعفاتها، وتحسين جودة حياة الشخص المعني. فالعلاج الطبيعي المنتظم مثلا، والمتابعة الطبية، والتدخل التأهيلي المبكر، يمكن أن تساعد، بحسب طبيعة الإعاقة وشدتها، على الحفاظ على مرونة المفاصل، والحد من التقلصات العضلية والتشوهات الهيكلية، وتخفيف الألم، وتحسين الوضعيات الجسدية والقدرات الحركية والوظيفية. وهذا هو الفرق الذي ينبغي أن نفهمه جيدًا: قد لا نستطيع إزالة الإعاقة، لكننا نستطيع في كثير من الحالات منع بعض مضاعفاتها من التفاقم، والتخفيف من المعاناة التي ترافقها. وهذا تحديدًا ما يجعل حالة بلال مؤلمة.

إن حق الشخص في وضعية إعاقة لا يقتصر على البقاء على قيد الحياة، بل يشمل أيضًا الحصول على الرعاية التي تحفظ كرامته، وتخفف آلامه، وتحافظ على قدراته، وتمنحه أفضل جودة حياة ممكنة. وهنا يصبح السؤال موجهًا إلى السياسات العمومية التي تعاقبت خلال العقود الماضية: كيف يمكن لشاب عاش 21 سنة مع الشلل الدماغي أن يصل إلى هذا العمر دون أن تكون أسرته قد استفادت من منظومة تأهيلية مستمرة تتناسب مع احتياجاته؟ إن عمر بلال وحده يكفي لإثبات أن القضية أقدم من أي حكومة حالية، وأن المساءلة ينبغي أن تشمل ما تحقق وما لم يتحقق خلال سنوات طويلة من تدبير ملف الإعاقة.

عندما يصبح الوصول إلى العلاج عقبة إضافية

ما يحتاج إليه بلال ليس معجزة طبية، بل تقييمًا منتظمًا، وعلاجًا طبيعيًا ملائمًا لحالته، ومتابعة صحية، ومعدات مساعدة عند الحاجة، ودعمًا لأسرته التي تتحمل عبء رعايته. لكن المشكلة أن الأسرة محدودة الإمكانيات (ام ربة بيت واب فلاح يشتغل يوما ويقعد ايام)، وتعيش في منطقة قروية تبعد عن مركز المدينة حيث يتواجد الاطباء والمروضون والصيدليون الخ…وحتى عندما تتوفر خدمات العلاج الطبيعي في المدينة، فإن الوصول إليها يمثل تحديًا حقيقيًا لاسرة بلال. فبلال، بحسب والدته، يعاني خوفًا شديدًا عند ركوب الحافلة. كما أن حالته الجسدية تجعل التنقل المتكرر أمرًا شاقًا عليه وعلى أسرته.

تقول الأم إن ابنها يستفيد من التغطية الصحية الإجبارية. وهذا أمر مهم، لكنه لا يحل المشكلة كلها. فما قيمة التغطية الصحية بالنسبة إلى شخص لا يستطيع الوصول إلى المؤسسة الصحية التي يفترض أن تقدم له العلاج؟ وما جدوى وجود مركز للترويض في المدينة إذا كان الوصول إليه يتطلب رحلة مرهقة قد لا يتحملها المريض أصلًا؟ أليس من المنطقي، في مثل هذه الحالات، توفير خدمات التأهيل والعلاج الطبيعي المنزلي، بناءً على تقييم طبي، بدل مطالبة الأسرة بحمل ابنها والتنقل به عشرات الكيلومترات؟ إن الرعاية الصحية الحقيقية لا تعني فقط أن تكون الخدمة موجودة على الورق، بل أن تكون متاحة وقابلة للوصول إليها، خصوصًا بالنسبة إلى الأشخاص الذين تمنعهم إعاقتهم من التنقل. ولعل أكثر ما آلمني خلال زيارتي هو إدراكي أن جزءًا من معاناة بلال يمكن التخفيف منه لو توفرت له متابعة طبية وتأهيلية منتظمة تتناسب مع حالته.

خرجت من بيت بلال وأنا أحمل سؤالًا لم يفارقني: إذا كنت أنا، مجرد زائر، قد تأثرت بما رأيت خلال دقائق قليلة، فكيف تعيش هذه الأم هذه المعاناة كل يوم، منذ واحد وعشرين عامًا؟ وأين المؤسسات التي يفترض أن تقف إلى جانبها؟

طفل مصاب بالتوحد وفرط الحركة… وأب أصيب بشلل نصفي وأم اضطرت إلى ترك عملها

القصة الثانية لا تقل إيلامًا عن قصة بلال، بل تكشف وجهًا آخر من المعاناة التي قد تعيشها الأسر التي تضم أشخاصًا في وضعية إعاقة. تتعلق هذه القصة بطفل يعاني من اضطراب طيف التوحد، مصحوبًا باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، ويحتاج إلى متابعة متخصصة ورعاية مستمرة ودعم تربوي وتأهيلي يتناسب مع احتياجاته. كان والده يعمل ويعيل أسرته، قبل أن تنقلب حياته رأسًا على عقب إثر إصابته بجلطة دماغية نتج عنها شلل نصفي. وأصبح الأب نفسه اليوم شخصًا في وضعية إعاقة حركية، يعاني صعوبة شديدة في التنقل، وبالكاد يستطيع المشي. لم يفقد الأب قدرته على العمل فحسب، بل أصبح هو الآخر في حاجة إلى الرعاية والمتابعة الطبية والتأهيلية. أما الأم، فقد كانت تشتغل في متجر لبيع الحلويات، وتساهم بدخلها في إعالة الأسرة وتوفير احتياجاتها الأساسية. لكنها اضطرت إلى التوقف عن العمل، ليس لأنها أرادت ذلك، بل لأنه لم يعد هناك من يستطيع الاعتناء بطفلها الذي يحتاج إلى مراقبة مستمرة ويقظة دائمة لضمان سلامته وتلبية احتياجاته اليومية. ولا تستطيع الأم تركه بمفرده، كما لا يستطيع والده، بسبب الشلل النصفي الذي أصابه، تحمل مسؤولية رعايته على النحو المطلوب.

وهكذا وجدت الأسرة نفسها في وضع بالغ الصعوبة: أب أصيب بإعاقة حركية وفقد قدرته على العمل، وطفل يحتاج إلى رعاية متخصصة ومستمرة، وأم اضطرت إلى التخلي عن مصدر دخلها لتصبح المسؤولة الأساسية عن رعاية الأسرة. إنها ليست مجرد أسرة تعاني من ضائقة مالية عابرة، بل أسرة اجتمعت عليها أعباء الإعاقة والمرض وفقدان الدخل والرعاية اليومية المستمرة. والأصعب من ذلك، بحسب ما نقلته الأسرة، أنها لا تجد مركزًا مناسبًا ومتاحًا يستطيع توفير التأطير التربوي والتأهيلي الذي يحتاج إليه الطفل، ولو لساعات محددة من اليوم، بما يتيح للأم إمكانية العودة إلى العمل أو الحصول على بعض الراحة من أعباء الرعاية المتواصلة.

ويقول الاب ان الطبيب وصف للطفل نظامًا غذائيًا خاصًا ومكملات غذائية يصعب، بحسب الأسرة، العثور على بعضها في المغرب. ومن الضروري هنا التمييز بين الاحتياجات الغذائية التي تستند إلى تشخيص طبي محدد وبين الادعاءات غير المثبتة بشأن علاج التوحد بالمكملات أو الحميات الخاصة. فهذه الأخيرة لا تعالج الأعراض الأساسية للتوحد، وتبقى الأولوية للتدخلات التربوية والسلوكية والتأهيلية المناسبة. لكن جوهر المشكلة يتجاوز مسألة العلاج والتغذية.

كيف يمكن لأسرة يوجد فيها شخصان في وضعية إعاقة، وفقدت مصدري دخلها، أن تتحمل بمفردها تكاليف الحياة والعلاج والتأهيل والرعاية المستمرة؟ وكيف يمكن أن نطالب أمًا بالعودة إلى العمل والمساهمة في إعالة أسرتها، بينما لا تجد مؤسسة أو خدمة اجتماعية موثوقة تستطيع أن تعهد إليها برعاية طفلها خلال ساعات العمل؟ ومن يتكفل بالأب الذي أصبح هو نفسه في حاجة إلى التأهيل والمساعدة بعد إصابته بالشلل النصفي؟

إن هذه الحالة تطرح سؤالًا يتجاوز المساعدة المالية المباشرة، ويتعلق بضرورة توفير منظومة متكاملة من الحماية الاجتماعية، تشمل التأهيل الطبي للأب، والرعاية والتأطير المتخصص للطفل، والدعم الاقتصادي والاجتماعي للأم. فالحماية الاجتماعية الحقيقية لا ينبغي أن تنتظر حتى تنهار الأسرة اقتصاديًا ونفسيًا، بل يفترض أن تساعدها على الصمود عندما تتعرض لمثل هذه الأزمات.

إن هذه الأسرة لا تطلب امتيازات، ولا تبحث عن إحسان عابر، بل تحتاج إلى خدمات تحفظ كرامة أفرادها، وتمنح الطفل فرصة لتطوير قدراته، وتساعد الأب على استعادة أكبر قدر ممكن من استقلاليته، وتتيح للأم فرصة العودة إلى العمل. فأي معنى للتضامن الاجتماعي إذا كانت الأسرة، بمجرد إصابة أحد أفرادها بإعاقة، مهددة بفقدان مصادر رزقها، ثم تُترك لتواجه وحدها تبعات ذلك؟

مسؤولية تراكمت عبر الحكومات… وليست مسؤولية حكومة واحدة

من الخطأ اختزال أوضاع الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب في حصيلة حكومة واحدة، أو اعتبار أن هذه المشكلات بدأت مع مسؤول معين. فملف الإعاقة ظل حاضرًا في السياسات الاجتماعية المغربية على مدى عقود، وتعاقبت على تدبيره حكومات ووزراء ووزيرات، كما تغيرت التسميات الإدارية والمؤسساتية للقطاع المكلف به. وخلال هذه السنوات، أُطلقت برامج ومبادرات، وأُنشئت آليات للدعم، وتطورت بعض الأطر القانونية والمؤسساتية. ولا ينبغي إنكار هذه الجهود أو التقليل من أهميتها. لكن الاعتراف بما تحقق لا يمنع من طرح السؤال الأهم: هل نجحت السياسات المتعاقبة في بناء منظومة متكاملة تضمن للأشخاص في وضعية إعاقة، خصوصًا الأكثر فقرًا والأشد اعتمادًا على الآخرين، الوصول الفعلي إلى الرعاية والتأهيل والدعم الاجتماعي؟

إن استمرار معاناة أسر مثل أسرتي بلال والطفل المصاب بالتوحد يثير تساؤلات جدية حول الثغرات التي لم تنجح البرامج المتعاقبة في سدها. وهنا لا يتعلق الأمر بتوزيع الاتهامات على أشخاص، بل بمساءلة اختيارات عمومية، ومدى استمرارية البرامج، وآليات تقييم نتائجها. فالسياسة الاجتماعية لا تبدأ من الصفر مع كل حكومة، ولا ينبغي أن تنتهي مسؤوليتها بمجرد مغادرة وزير لمنصبه.

الوزارة المكلفة بالإعاقة… بين البرامج المعلنة والواقع المعيش

إن القطاع الحكومي المكلف بالتضامن والإدماج الاجتماعي والأشخاص في وضعية إعاقة يتحمل مسؤولية محورية في هذا الملف، بصرف النظر عن التسمية التي حملها في كل مرحلة. ولا يعني ذلك أنه مسؤول وحده عن العلاج الطبي أو التعليم أو النقل، فهذه مجالات تتداخل فيها اختصاصات قطاعات متعددة. لكن من صميم دوره أن يسهم في تطوير سياسات الحماية الاجتماعية والإدماج، وأن ينسق مع القطاعات المعنية لضمان وصول الدعم إلى الأشخاص الذين يحتاجون إليه. وقد عرفت السنوات الماضية إطلاق برامج ومبادرات ومراكز وشراكات مع جمعيات مدنية لدعم الأشخاص في وضعية إعاقة. غير أن وجود هذه البرامج لا يجيب وحده عن الأسئلة المتعلقة بمدى وصولها إلى الفئات الأكثر هشاشة. فكم شخصًا في وضعية إعاقة ما زال خارج منظومة الدعم؟ وكيف يتوزع المستفيدون بين المدن والقرى؟ وهل تصل الخدمات إلى الأشخاص ذوي الإعاقات الشديدة الذين لا يستطيعون مغادرة منازلهم؟ وما مدى جودة الخدمات المقدمة واستمراريتها؟ إن الإعلان عن تخصيص ميزانيات للدعم لا يكفي وحده لإثبات نجاح سياسة اجتماعية. فالنجاح يُقاس أيضًا بمدى وصول الخدمات إلى مستحقيها، وبالتحسن الفعلي في جودة حياتهم. وهنا تكمن إحدى الإشكاليات التي تستحق النقاش: بعض برامج الدعم ترتبط بالمؤسسات المتخصصة أو الجمعيات أو التمدرس، بينما توجد حالات شديدة التعقيد تحتاج إلى تدخلات منزلية مستمرة، وإلى مواكبة صحية واجتماعية تتجاوز الخدمات التقليدية. فماذا عن الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى المراكز أصلًا؟ ومن يتكفل بمن لا يستطيع الاستفادة من الخدمات القائمة بسبب شدة إعاقته أو فقر أسرته أو بعدها الجغرافي؟ إن وجود البرامج لا يعني بالضرورة أن كل محتاج يستطيع الاستفادة منها. والمسافة بين الحق المعلن والحق الممارس قد تكون، بالنسبة إلى بعض الأسر كبيرة.

الإعاقة ليست مسؤولية الأسرة وحدها

من أكثر الأفكار التي ينبغي أن نتجاوزها الاعتقاد بأن رعاية الشخص في وضعية إعاقة مسؤولية عائلية محضة. صحيح أن الأسرة تؤدي دورًا أساسيًا لا يمكن تعويضه، لكن لا يجوز أن تتحول المحبة الأسرية إلى ذريعة لترك الآباء والأمهات يتحملون وحدهم أعباء الرعاية الصحية، والتأهيلية، والنفسية، والمالية. الأم التي تكرس حياتها لرعاية ابنها ذي الإعاقة الشديدة تؤدي عملًا يوميًا مرهقًا، حتى وإن لم تتقاضَ عنه أجرًا. والأب الذي يفقد عمله بسبب المرض، بينما يحتاج طفله إلى رعاية متخصصة، لا ينبغي أن يجد نفسه أمام خيار مستحيل بين توفير لقمة العيش وتوفير العلاج. هذه ليست مجرد مآسٍ عائلية معزولة، بل حالات تطرح أسئلة عن فعالية منظومة الحماية الاجتماعية وقدرتها على الاستجابة للاحتياجات الأكثر تعقيدًا. وقد أقر المغرب القانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، كما صادق على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. لكن النصوص القانونية، مهما بلغت أهميتها، لا تحقق أهدافها بمجرد نشرها في الجريدة الرسمية. فالحقوق لا تكتسب معناها الكامل إلا عندما تتحول إلى خدمات فعلية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

أسئلة إلى القطاع الحكومي المكلف بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة

أمام هذه الحالات، أعتقد أن من حق المواطنين أن يطرحوا على المسؤولين الحاليين والسابقين عن هذا القطاع مجموعة من الأسئلة الواضحة:

لماذا لم تنجح السياسات الاجتماعية المتعاقبة حتى الآن في ضمان وصول خدمات التأهيل إلى جميع الأشخاص في وضعية إعاقة شديدة، خصوصًا في المناطق القروية؟

ما البرامج المتاحة لتوفير خدمات التأهيل المنزلي للأشخاص الذين يتعذر عليهم التنقل، وكيف يمكن لأسرهم الاستفادة منها؟

ما التدابير المتاحة لدعم الأسر التي تضطر فيها الأم أو الأب إلى التخلي عن العمل من أجل رعاية شخص في وضعية إعاقة يحتاج إلى مساعدة مستمرة؟

كيف يمكن ضمان حصول الأطفال المصابين بالتوحد على خدمات تربوية وتأهيلية مناسبة، خصوصًا عندما تكون الأسرة عاجزة عن تحمل تكاليف المراكز الخاصة؟

ما التدابير المتاحة لدعم الأسر التي تضم أكثر من شخص في وضعية إعاقة؟ وهل توجد خدمات للرعاية النهارية أو المساعدة المنزلية تتيح لأفراد الأسرة الاحتفاظ بوظائفهم ومصادر دخلهم؟

كيف يجري تقييم الأثر الحقيقي للبرامج التي أُطلقت عبر السنوات؟ هل بعدد الملفات المقبولة والمبالغ المصروفة، أم بمؤشرات تقيس تحسن جودة حياة المستفيدين؟

هل توجد خطة واضحة لضمان التدخل التأهيلي المبكر والمستمر، بما يساعد على الوقاية من المضاعفات الجسدية التي قد تتطور لدى بعض الأشخاص في وضعية إعاقة شديدة؟

وأخيرًا، ما المسار العملي المتاح اليوم لتوجيه أسرتي بلال والطفل الثاني إلى الخدمات التي تحتاجان إليها، بالتنسيق مع القطاعات الصحية والتربوية والاجتماعية المعنية؟

هذه ليست أسئلة تعجيزية، ولا تهدف إلى إنكار الجهود المبذولة. إنها أسئلة مشروعة حول مدى كفاية تلك الجهود، وعدالتها، وقدرتها على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة.

ما الذي ينبغي تغييره؟

إن معالجة مثل هذه الحالات تتطلب الانتقال من منطق البرامج العامة إلى منطق الرعاية المبنية على الاحتياجات الفردية. نحتاج إلى فرق متنقلة متعددة التخصصات تستطيع الوصول إلى الأشخاص في وضعية إعاقة شديدة داخل منازلهم، خصوصًا في المناطق القروية. ونحتاج إلى آليات واضحة لدعم الأسر التي تتحمل أعباء رعاية مستمرة، وإلى توسيع خدمات التأهيل والتربية الدامجة والمتخصصة، وتوفير النقل الملائم عند الضرورة. كما نحتاج إلى إعطاء أولوية للتدخل التأهيلي المبكر والمستمر. فالهدف ليس الادعاء بإمكانية منع كل إعاقة أو علاجها، بل منع المضاعفات التي يمكن تجنبها، والحد من تدهور القدرات الوظيفية، وتخفيف الألم، وتحسين جودة حياة الأشخاص في وضعية إعاقة وافراد اسرهم. ونحتاج كذلك إلى تنسيق فعلي بين القطاع الحكومي المكلف بالتضامن والإدماج الاجتماعي ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية ووزارة التربية الوطنية وباقي المؤسسات المعنية، لأن احتياجات الشخص في وضعية إعاقة لا يمكن اختزالها في اختصاص إداري واحد. والأهم من ذلك كله، نحتاج إلى أن تصبح الأسرة شريكًا في وضع خطة الرعاية، لا مجرد طرف يطلب المساعدة وينتظر الرد.

بلال ليس رقمًا في تقرير سنوي… ومعاناة الأسر لا تبدأ مع حكومة وتنتهي بأخرى

أعود في النهاية إلى بلال. لا أستطيع أن أنسى ما رأيته في منزله. شاب في الحادية والعشرين من عمره، يعيش في قرية مغربية، ويعتمد اعتمادًا شبه كامل على أسرته. وأم تحاول، بإمكانيات محدودة، أن توفر لابنها ما تستطيع من رعاية. ولا أستطيع أن أنسى ما قاله لي أخصائي العلاج الطبيعي الذي رافقني: إن بعض المضاعفات الجسدية التي يعاني منها بلال اليوم كان من الممكن تجنبها أو الحد من شدتها لو توفرت له الرعاية التأهيلية المنتظمة منذ سنواته الأولى. إن مأساة بلال ليست فقط في الشلل الدماغي الذي رافقه منذ ولادته، بل أيضًا في المضاعفات التي تراكمت مع مرور السنوات، والتي يرى الأخصائي الذي عاينه أن بعضًا منها كان قابلًا للوقاية أو التخفيف. فالإصابة الدماغية الأصلية شيء، وتفاقم آثارها الجسدية شيء آخر. ولا ينبغي الخلط بينهما.

وأعود إلى الأسرة الثانية: أب أصيب بشلل نصفي وبالكاد يستطيع المشي، وطفل يحتاج إلى رعاية متخصصة ومستمرة، وأم اضطرت إلى ترك عملها في متجر للحلويات لأنها لا تجد من يعتني بابنها خلال غيابها. هاتان الحالتان لا تسمحان وحدهما بإصدار حكم شامل على جميع برامج الدولة، لكنهما تكفيان لطرح أسئلة جدية عن الثغرات التي قد تترك بعض المواطنين خارج نطاق الرعاية الفعلية.

إن المسؤولية عن معالجة هذه الثغرات لا تخص حكومة واحدة، بل تتعلق باستمرارية السياسات العمومية وقدرتها على التطور والتصحيح عبر الزمن. والقطاع الحكومي المكلف بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، مهما تغير اسمه أو المسؤولون عنه، مطالب بأن يكون جزءًا أساسيًا من هذا التصحيح، بالتعاون مع باقي المؤسسات المعنية. فالتضامن ليس شعارًا يُرفع، والإدماج ليس كلمة تُكتب في التقارير، والأسرة ليست مجرد عنوان في اسم وزارة. التضامن هو أن تصل المساعدة إلى بلال عندما يعجز عن الوصول إليها. والإدماج هو أن يجد الطفل المصاب بالتوحد مكانًا مناسبًا للتعلم والتأهيل، مهما كانت الظروف المادية لوالديه. وحماية الأسرة هي ألا تُترك أم وحيدة أمام مسؤولية تفوق قدراتها، وألا يتحول مرض الأب إلى بداية انهيار مستقبل أطفاله.

والسؤال الذي أوجهه إلى جميع من تعاقبوا على تدبير هذا الملف، وإلى المسؤولين عنه اليوم، بسيط ومباشر: إذا لم تصل الحماية الاجتماعية إلى أمثال بلال، فإلى من ينبغي أن تصل أولًا؟ لأن كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة لا تُقاس بما نكتبه عنهم في التقارير، بل بما نفعله من أجلهم عندما لا تكون هناك كاميرات ولا خطابات ولا مناسبات رسمية. والمجتمع الذي يريد أن يثبت تضامنه لا يكفيه أن يتحدث باسم أضعف أفراده؛ عليه أن يضمن وصول حقوقهم إليهم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:05

رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة

صوت وصورة
الرجولة القاتلة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:00

الرجولة القاتلة

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:08

أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي

صوت وصورة
''Artisway''.. صناعة الذهب التقليدي بفاس
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:00

''Artisway''.. صناعة الذهب التقليدي بفاس

صوت وصورة
مقر جديد يعزز خدمات الشركة الجهوية
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 18:09

مقر جديد يعزز خدمات الشركة الجهوية

صوت وصورة
خطوات لحماية القدرة الشرائية
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 16:33

خطوات لحماية القدرة الشرائية