رجل من زمن آخر

رجل من زمن آخر
الجمعة 13 فبراير 2015 - 10:29

انتبه زكرياء متأخرا جدا لمشكلة وجد نفسه يعاني منها ، اكتشف انه رغم تفوقه في دراسته و في وظيفته إلا أنه قليل الحيلة في تعامله مع الجنس الآخر ، عرف كل هذا عندما أصبح يفكر بالارتباط والزواج ! كان يرفض ذلك الزواج التقليدي ويعتبره اهانة في حق قناعاته ومركزه العلمي والمعرفي ، كيف يرضى لنفسه ان يكون زواجه بهذه الطريقة البالية والقديمة ؟ لذلك عندما جاءت والدته بصورة لفتاة جميلة حتى يتعرف عليها رفض ذلك بقوة ،هناك أشياء في الدنيا يجب أن نعتمد فيها على قدراتنا الذاتية ومشاعرنا وأحاسيسنا الشخصية .

أراد أن يعتمد على نفسه في البحث عن شريكة حياته ، اعتقد بغرور أن الأمر سهل فاكتشف أن الموضوع في غاية من الصعوبة والتعقيد ، منعه كبرياءه واعتزازه بمبادئه أن يرجع مرة أخرى لوالدته التي مافتئت تعرض خدماتها في البحث عن العروس لكنه يرفض بقوة وجد نفسه يبتسم ، تذكر أنه سمع مرة من صديق طفولته خالد أن شرارة الحب كصعقة الكهرباء تسري في كل الجسم ، فالمخ يفرز كمياء الحب فتسجيب كل الجوارح والاحاسيس أخذ يتخيل صور كل البنات الغير المتزوجات من داخل عائلته و أقاربه لكنه لم يشعر بتلك ” التبوريشة” التي يسببها كمياء الحب في الجسم ، انتقل يستحضر صور الموظفات اللواتي يشتغلن معه في الشركة لكن بقي جسمه على حاله و كأن عطبا في دماغه يمنعه من أن يفرز تلك الكمياء الساحرة ! اتسعت دائرة بحثه لتشمل كل فتيات الحي و المدينة ، حتى المعلمة التي تدرس لأخيه الصغير والطبيبة التي عالجت والدته المريضة ، وابنة الحاج عبد القادر صديق والده التي التقاها أكثر من مرة وهي تبالغ في التودد إليه… كل هؤلاء لم يحركن في نفسه شيئا ، شعر بالملل وأيضا بالخوف ، الخوف من أن يكون خللا ما يمنع حدوث هذه المعادلة البيولوجية الكميائية داخل جسمه !

استهزأ من فكرة الذهاب إلى الطبيب ، شعر أنها فكرة بلهاء لا تستحق حتى مجرد المناقشة ، استغرب كيف ذهب به خياله إلى حد هذه الفكرة الحمقاء لكن مع الوقت أخذت الفكرة تنضج وتكبر أكثر فأصبح يعتزم بجد زيارة الطبيب ، لكن ترى أي تخصص يناسب مرضه ؟ هل طبيب نفسي أم اختصاصي في الرأس والدماغ أو الغدد أو الأعصاب ؟ ترى نقص في كمياء الحب يدخل ضمن أي فرع من فروع الطب ؟

في المساء وهو عائد من العمل شاهد فتاة تدخل إلى منزل قرب منزله ، صدفة التقت عينه ببريق عينيها فحدث ما يشبه تلك الشرارة التي يحدثها عود الثقاب لحظة احتكاكه بعلبة الكبريت ، شعر وكأن الزمن توقف تلك اللحظة ، أحس بتغيير غريب داخله ، قلبه يدق اكثر ونشوة لذيذة وسعادة تخترقه ، انتبه لنفسه وقال بدهشة وفرح :

– لعل الكمياء اشتغلت أخيرا !

دخل منزله وأغلق عليه حجرته فوجد نفسه يقفز ويرقص ويكلم المرآة :

– أنا شخص سلييييم !

شعر بالتعب فاستلقى على ظهره يسترجع صورة فتاته التي هيجت كل هرمونات الحب النائمة …

وهم على مائدة العشاء كانت والدة زكرياء تحدث والده عن الجيران الجدد الذين حلوا بداية الشهر الفائت للسكن في المنزل الذي بجوار منزلهم ، شعر أن دقات قلبه تكاد تُسمع عندما بدأت والدته تحكي عن بنت الجيران سعاد وحسن تربيتها وجمالها ..

اذن اسمها سعاد ، أكيد والدته سوف تبارك هذا الزواج لو انه طلب منها ان تخطبها له لكنه لم يكن يريد أن يسلك هذا الطريق، يريد زواجا أكثر تحضرا ورومانسية ، كان يريد عندما يكبرا في السن (هو وسعاد) فيصيرا شيخين هرمين يتذكران بحنين وشغف قصة جميلة جمعتهما قبل الزواج .

عزم أن يقوم بخطوة شجاعة، ويكلمها ! مجرد التفكير في ذلك جعله يرتبك ويتصبب عرقا ، لماذا لا يفكر في حل آخر ؟ تذكر صديقه خالد عندما كان يأتي عنده ليكتب له رسائل غرامية في منتهى الرقة والرومانسية لماذا لا يكتب هذه المرة لنفسه وليس لصديقه خالد، أعجبته الفكرة وان كانت قديمة ومتجاوزة لكنها الحل الأمثل له !

كتب رسالة رقيقة جدا أفضل بكثير مما كان يكتب لصديقه خالد ، عبر فيها عن اعجابه ورغبته التقدم لخطبتها ، وضع الرسالة في جيبه وخرج قرب المنزل ينتظرها، رآها فجأة تقترب ، درجة انفعاله و ترقبه وصلت إلى الحد الأقصى حاول اللحاق بها لكنه لم يجرء أن يقترب منها لم يجد الشجاعة لذلك !

حاول في اليوم الموالي لكنه لم يتمكن كانت شجاعته تخونه في آخر لحظة !

في اليوم الثالت كانت سعاد رفقة أختها ، شعر زكرياء بخيبة أمل كبيرة لكنه فجأة ابتسم كأنه وجد حلا لورطته تذكر حيلة سمعها مرة من صديقه خالد كان يسميها حيلة ” مرسول الحب ” ! بسرعة نادى على أخيه الصغير أيوب ذو السنوات الخمس ضمه إليه بحنان زائد وناوله قطعة شكولا ثم طلب منه أن يوصل الرسالة لبنت الجيران ، فرح أيوب بالشكولا وبالمهمة التي كُلف بها ، لم يجد أي حرج في الدخول لبيت الجيران بينما بقي زكرياء ينتظر عودته بفارغ الصبر !

عاد أيوب وهو يحمل قطعة شكولا ثانية ، أخذ زكرياء يستجوبه بدقة ويحته أن يحكي كل التفاصيل …. شعر زكرياء بسعادة كبيرة عندما علم أنها قرأت رسالته

أراد زكرياء أن يتقدم خطوة أخرى أكثر جرأة فكتب لها يسألها عن هاتفها

لم يعد يكتب الرسائل أصبح يحدثها في الهاتف ، كان حديثه مختصرا وخجولا جدا لكن مع ذلك شعر وكأنه حقق أمرا عظيما ، كان فخورا بنفسه وجرأته !

أراد مرة أخرى أن يتقدم خطوة حاسمة في تاريخ علاقته بها ، لقد فكر أن يطلب صورتها ! لكنه كان يخشى أن يكون بطلبه هذا قد جاوز كل حدود اللياقة والأدب ، خشي أن جرأته قد تغضبها وتكون سببا في انهاء هذه العلاقة الجميلة وهي مازلت في مراحلها الأولى !

لكن المرأة من طبيعتها يعجبها الرجل الخشن ،الشجاع والجريء هكذا سمع مرة من صديقه خالد !

أخذ هاتفه وبعد أن بلع ريقه قال بصوت رخيم :

– أرجوكِ لا تسيء الظن بي

سكت قليلا وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة ، استجمع كل شجاعته وقال :

– ممكن صورتك ؟ أعاهدك أن لا يراها أحد…

قاطعته ضحكة سعاد فقالت متسائلة :

– صورتي ؟ كانت قد أخذتها والدتك الأسبوع الماضي وعلى ظهرها عنوان صفحتي في الفايس البوك هناك كل صوري من يوم مولدي إلى آخر صورة أخذتها هذا الصباح !

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • asmaa
    الجمعة 13 فبراير 2015 - 18:30

    لقد عودنا الكاتب والقاص محمد الجباري على السفر معه بكل المتعة والتشويق من خلال كتاباته الراقية والممتعة وأعترف أنني أحببت القراة وشعرت بحلاوتها فأسلوبه الأنيق مغري وأحداث قصصه الغير منتظرة تطفي نكهة خاصة على كل أعماله الابداعية المشوقة , في كل قصة من قصصه تشعر بنكهته وتوابله اللديذة جدا …أكيد أن القصة المغربية بألف خير مادام هناك كتاب من طينة الأستاذ محمد الجباري …شكرا

  • معتبر
    الجمعة 13 فبراير 2015 - 19:06

    من حسن حظه تقاطعت رغبته مع رغبة امه.الحب عاطفة انسانية نبيلة اودعها الله في الانسان .وله مشتقات كثيرة من قبيل الهيام والغرام والتتيم والعطف و الحنان والحنو واللطف والشفقة والرحمة والمودة وغيرها كما نجدها في لسان ا لعرب.وهو لايوثق فقط العلاقة بين الرجل والمراة نظرا لكون الزواج القائم على الحب اقوى واكثر ثباتا من ذلك القائم على الصدفة او المنفعة.بل يعتبره الكثير من الفلاسفة افضل اساس للعدالة .فالحق المبني على الحب يكون في غاية الانسانية على حين ان ذاك القائم على المنفعة الخاصة يكون منحازا وظالما بالنسبة للبعض.وما احوجنا الى هذا الاحساس لكي نتحرر من انانيتنا ونخرج من ذواتنا بعد ان اصبح الكثير منا لايفكر الا في نفسه ولا يبحث الا عن مصالحه الخاصة بجميع السائل المشروعة وغير المشروعة قانونيا ودينبا واخلاقيا.وما احوجنا الى تنشئة اجتماعية تتخذ من هذا الشعور اساسا لبناء العلاقة بيننا وبحيث تصبح المصلحة العامة هي الغاية من افعالنا بدلا من تحويلها في اتجاه ذواتنا.فالانانية في صورتها الجافة واللانسانية هي اكبر خطر يتهدد الانسانية.ومن دون اجتماع الانانية والغيرية تنعدم القيم السامية وتتفكك العرى.

  • sifao
    الجمعة 13 فبراير 2015 - 21:17

    خروج زكرياء على"تقليد" اشراف الام على الزواج لم يكن نابعا من قناعاته بتداعيات ذلك على حياته العاطفية والاجتماعية ، وانما رفضا شكليا لذلك التقليد من منطلق وضعه المعرفي والعلمي والمهني معتقدا ان ذلك لا يليق به كموظف ينتمي الى جيل الحداثة حيث الاستقلالية في القرار والاختيار من اهم مظاهرها ، لكن تلك القناعة لم تكن تعبر عن وعي بالذات وقدرة على التصرف وتحمل مسؤولية الفعل ، كل خطوة خطاها كانت بناء على "تذكر" مواقف صديقه خالد ، استبدل رأي الام المباشر باتخاذ افكار ومواقف صديقة كنماذج لحسن التصرف ، بل اكثر من ذلك استعان بجرأة طفل لايصال رسالته بعدما خذلته جرأته في التعبير الصريح عن مشاعره امام الفتاة التي استفزت وايقظت كمياء الحب في داخله ، رفض تقليد الام في الاشراف على اختيار الزوجة وسقط في تقليد الاعتماد على الآخر في سبل الوصول الى الهدف ، كتابة رسائل ورقية ، وساطة الاخ في ايصالها ، البناء على مواقف صديق ، في الآخير طلب صورة من الفتاة في زمن الرقميات ، ليجد في الآخير ان الفتاة التي استفزت كمياء العشق فيه هي نفسها التي اختارتها له الام ..

  • مغربية
    السبت 14 فبراير 2015 - 02:53

    اين يمكننا ان. نجد. الحب. الصادق؟ لست. ادري. ولكني. لاحظت. ان. قليلا ما. يلتقي. الرجل. الطيب المحب. الراقي. في. تعامله. مع. المراة. مع. امراة. من. نفس. شاكلته..للاسف. زواج. مصالح. مصبوغ. بشعارات. الحب وليس. حب. صادق. هو الغالب..او. رجل. يمثل. حتى. يجعل. المراة. تحبه. وتتزوجه. ليبدا. الابتزاز. العاطفي..حتى الامهات تغيرن. ولا ابالغ. حين. اقول. بان. ثمة. امهات. لا تفكر. في. سعادة ابنها. بقدر ما. تفكر. ان. تجعله. يتزوج. من امراة لايمكنه ان. يحبها. لتبقى. هي. الحبيبة الاولى. والاخيرة..والزوجة. مجرد انثى…ما. اغرب. هده الحياة..لي. لقا. راحتو. كنضن. خاسو. اجاهد. باش. ميشتتوه

  • lahcen de bni mellal
    السبت 14 فبراير 2015 - 23:04

    تعجبني قصصك بسيطة لدرجة البلادة ولكن عميقة في التخيل لدرجة العظامة شكرا لك أيهاـ الباندي ـ لقد عرفت من يؤكل الكتف وأتمنى ان تسطمر في كتابة القصص ..

  • moha
    الأحد 15 فبراير 2015 - 06:23

    !I call this love a silent love.our brains have switches on and off,anytime you feel a failure just turn off all bad switches and go ahead and always have an exit strategy in advance in case of a fire.in order to build a strong personality you must subject youself to harsh situation and tough conditions .like walking without shoes outside ,swiming in cold waters.shower in a rivers. Or just cold waters,wakeup early and stay awake as long as you can ,exercice with no limit,run many mlies ,pickup heavy weight objects or push it ,,read books ,master languages ,,play hard music,dont let anyone make u feel down,eat ,green vegies talk real language .,but always keep in mind an exit strategy .man has to man,dont listen to sensibles songs ,push you body to a limit.hormons are the cause of a bad mood when exceed their regular level .and that caused by laying down your body all times ..,.,.,

صوت وصورة
سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 09:15

سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة

صوت وصورة
عروض فرقة المسيرة الخضراء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 19:35

عروض فرقة المسيرة الخضراء

صوت وصورة
محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 18:00

محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد

صوت وصورة
إعادة هيكلة جوطية درب غلف
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 17:12

إعادة هيكلة جوطية درب غلف

صوت وصورة
"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 14:37

"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء

صوت وصورة
محامو المغرب يعودون إلى المحاكم
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 13:18

محامو المغرب يعودون إلى المحاكم