رسالة مفتوحة

رسالة مفتوحة
الإثنين 22 يونيو 2026 - 13:53

هذه ليست مقالة بالمعنى الأكاديمي الذي ألفناه، وليست محاولة أخرى لترتيب المفاهيم داخل نسق نظري محكم، أو لإخضاع الواقع لمبضع التحليل البارد الذي اعتدنا استخدامه في قاعات الدرس وفضاءات البحث. إنها على العكس من ذلك، لحظة بوح نادرة، يخرج فيها الإنسان من وراء أقنعته المهنية والمعرفية، ليتحدث بصوته العاري، خارج يقينيات المنهج وصرامة المفهوم.

أكتب هذه الكلمات لا بصفتي باحثا يتحرى الدقة، ولا صحفيا يفتش عن الخبر، بل بصفتي كائنا أنهكه الزمن، وأثقلته الأسئلة التي لا تجد جوابا، واستنزفته معارك طويلة خاضها دفاعا عن المعنى، قبل أن يكتشف أن المعنى نفسه أصبح من أكثر الأشياء هشاشة في هذا العالم. لقد أمضينا ما يقارب ثلثي أعمارنا في صحبة هذه المهنة التي لم تكن يوماً مجرد عمل أو وسيلة للعيش، بل كانت قدرا وجوديا كاملا. مهنة تشبه السير فوق جمر لا ينطفئ؛ كلما ظننت أنك اقتربت من يقين ما، دفعتك إلى يقين آخر أكثر غموضا. وكلما اعتقدت أنك بلغت ضفة الأمان، ألقت بك أسئلتها إلى تخوم جديدة من القلق والتشظي والانتظار.

أحببناها كما يُحب الإنسان مصيره، لا لأنه اختاره، بل لأنه وجد نفسه فيه. دفعنا من أجلها الكثير من أعمارنا وأحلامنا وأعصابنا وطمأنينتنا. راهنّا عليها في زمن كان الرهان فيه على الحقيقة أشبه بالمغامرة، وعلى الكلمة أشبه بالمشي في حقل من الألغام. ومع ذلك لم نتراجع. كنا نؤمن، وربما ما زلنا، بأن للكلمات قدرة خفية على مقاومة العدم، وأن للمعرفة وظيفة أخلاقية تتجاوز مجرد إنتاج المعلومات.

لكن ثمة لحظة في حياة الإنسان يكتشف فيها أن التعب يقتات من ذاكرة وجوده، كما المخزون السري الذي يتحرر من الشغف الذي كان يمنحه القدرة على الاستمرار. على أن ما يفقده مع الأيام ، تلك القدرة على الدهشة والتجرد من أعباء الزمن. ففي هذه المرحلة المتأخرة من العمر المهني، يبدو الأمر كما لو أن المعيش اليومي قد أصبح أكثر شراسة مما كنا نتصور. لم يعد يسرق السنوات فحسب، بل صار يقتطع أجزاء من المعنى نفسه. وكأننا نتشكل داخل حلقة من عصر لا يكتفي بإهلاك البشر، بل يعمل على إهلاك أسباب بقائهم الروحية أيضا. لقد كان للكتابة في زمن مضى مفعول الخلاص. كانت تمنحنا القدرة على إعادة ترتيب الفوضى الداخلية، وعلى احتمال قسوة الواقع. كانت القراءة نافذة مشرعة على احتمالات لا نهائية، وكانت فكرة صغيرة تولد في عتمة التأمل قادرة على أن تضيء يوما كاملا.

أما اليوم، فأشعر أحيانا أن التعب أصبح أكثر كثافة من اللغة نفسها، وأن الكلمات، مهما بلغت بلاغتها، لم تعد قادرة على حمل هذا الثقل الهائل المتراكم في الأعماق. وأعترف لكم، أصدقائي وزملائي ورفقاء الرحلة الطويلة، أن الصبر ذاته بدأ يفقد جزءاً من طاقته على الاحتمال. ليس لأن الإيمان تراجع، بل لأن خيبات الواقع أصبحت أكثر انتظاما من أحلام التغيير. وليس لأن الأمل انطفأ، بل لأن الطريق إليه صار أكثر وعورة مما تخيلناه يوما.

إن أقسى ما يمكن أن يبلغه الإنسان بعد عقود من الانتظار والعمل والمواجهة، ليس الفشل ولا الخسارة، بل الشعور بأن المعارك تتكرر بأقنعة جديدة، وأن الأسئلة ذاتها تعود في كل مرة بأسماء مختلفة، فيما تتراجع قدرة الروح على حملها بالاندفاع القديم نفسه.

لهذا أجدني أميل إلى الصمت. ليس تعبيرا عن الانسحاب من الحياة، وليس استسلاما أمام قسوة الواقع، وإنما بوصفه شكلا آخر من أشكال الحكمة. فالصمت في بعض اللحظات، هو في العمق حضور متأصل للإنصات. إنصات لما تبقى في الداخل من أصوات لم تفسدها الضوضاء، ولم تبتلعها حسابات المصلحة، ولم تلوثها نزوات العابرين.

الصمت الذي يشبه استراحة محارب أدرك أن المعارك الحقيقية لا تُخاض دائماً في الساحات المفتوحة، بل في تلك المناطق الخفية من الذات، حيث يُعاد ترميم ما تصدع من الجمال، وما انكسر من الثقة، وما تآكل من القدرة على الحلم.

ولعل ما نحتاجه بعيدا عن الضجيج المتهالك، أن نتأمل بإنصات مستميت، دون خطابات أو يقينيات جاهزة، وبشجاعة الاعتراف بأننا جميعاً نسير في طرق لا نعرف نهاياتها. ومع ذلك، وبرغم كل هذا التعب، ما يزال هناك شيء يقاوم في الأعماق. شيء يشبه جمرة صغيرة تحت رماد كثيف. شيء يرفض أن يصدق أن الخراب هو المصير النهائي للأشياء. فالتاريخ نفسه يعلمنا أن الأمم لا تنهض حين تتوفر لها أسباب القوة فقط، بل حين ينجح بعض أبنائها في حماية بذور الأمل وسط مواسم القحط الطويلة.

لهذا أترك هذه الكلمات معلقة بين الرجاء والخذلان، بين الإيمان والشك، بين التعب والأمل. وأختار أن أصمت قليلا، دون أن أفقد الرغبة في الكلام، وأن أبحث عن الكلمات التي تستحق أن تُقال. فما يزال في القلب متسع لإيمان خافت، وما تزال في الروح بقية من يقين بأن الأوطان، مهما أثقلها الفساد وأحاطت بها العتمة، لا تفقد نهائيا قدرتها على الولادة من جديد. إذ لا بد في مكان ما من هذا الخراب الكبير، أن تكون هناك بذرة نجاة تنتظر من يكتشفها، ويحميها، ويعيد إليها حقها في الضوء. وحين يحدث ذلك، ربما سنعود إلى الكلام.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • MC
    الخميس 25 يونيو 2026 - 16:11

    “If you’re going through hell, keep going”
    “إذا كنت تمرّ بالجحيم، فواصل السير”
    Winston Churchill

    “El mundo nada puede contra un hombre que canta en la miseria”
    “The world can do nothing against a man who sings in misery”
    “لا يستطيع العالم أن يفعل شيئًا ضد رجلٍ يغني في البؤس ”
    Ernesto Sábato
    (الإنسان، حتى لو كان في حالة فقر أو ألم أو قسوة شديدة، يظل قادرًا على الحفاظ على كرامته وروحه الداخلية)

    أيها الكاتب،
    لعل ما تعيشه ليس انكسار المعنى، بل لحظة وعي حادة تكشف هشاشته التي كانت دائماً موجودة. لقد أعطيت للكلمة أكثر مما يُطلب منها، فظننت أنها قادرة على إنقاذ العالم، بينما دورها الحقيقي أن تُنير لا أن تُنقذ.
    تكرار الأسئلة ليس لعنة، بل هو إيقاع الوجود نفسه، يتغير شكله لكن جوهره يبقى يطلب منا فهماً أعمق.
    أما صمتك، فلا أراه انسحاباً، بل انتقالاً من ضجيج التعبير إلى صفاء الرؤية، حيث تنضج الكلمات قبل أن تُقال.
    وما تسميه خيبة قد يكون تحرراً بطيئاً من أوهام السيطرة على الواقع أو إصلاحه بالكامل.

    “نحن لا نُهزم حين تتعب أرواحنا، بل حين نتوقف عن الإصغاء لما تبقى فيها من أسئلة حيّة”

    ALHOCEIMA

  • محمد كرم
    السبت 27 يونيو 2026 - 10:34

    يقال بأنه مهما علت درجة انخراطنا قي النضال و المقاومة سنخرج من الحياة منهزمين. حسبنا ان الهزيمة دليل على أن مرورنا من هذه الحياة لم يكن سلبيا و بدون أدنى أثر. ما يهم فعلا هو المشاركة الصادقة و الإيجابية بغض النظر عن مآل تنظيرنا و اقتراحاتنا. و حينما نكتب لا ننتظر تأثيرا فوريا لتحليلاتنا و انتقاداتنا و رؤانا على الواقع. التراكم هو وحده الكفيل بإحداث التغيير المنشود. أتمنى ألا يدوم صمتك أكثر من اللازم. فمداد قلمك المحترم جدا جدا جدا لا يستحق التجميد.

  • محمد كرم 2
    السبت 27 يونيو 2026 - 10:58

    هذه أيضا مناسبة للتساؤل بخصوص طبيعة غياب كاتبنا و شاعرنا الكبير رمضان مصباح الذي انقطع سيل تأملاته عنا. آمل أن يكون الدافع خيرا.

  • MC
    السبت 27 يونيو 2026 - 15:29

    إلى 2

    “Great things are done by a series of small things brought together”
    “الأشياء العظيمة تُنجز عبر سلسلة من الأشياء الصغيرة التي تُجمع معاً”
    Vincent Van Gogh
    (“التراكم هو وحده الكفيل بإحداث التغيير المنشود” وليس الأثر الفوري)

    “Le silence est le plus haut degré de la sagesse”
    “الصمت هو أعلى درجات الحكمة.”
    Pindare
    (Poète grec de l’Antiquité)

    أستاذي محمد كرم،
    تعليقك أصاب كبد الحقيقة، فشرف المحاولة والإيجابية في أثرنا هو ما ينقذنا من العدم.
    لقد وضعتَ بلسماً على تعب الأستاذ مصطفى غلمان، مذكراً إياه وإيانا بأن الهزيمة ليست نهاية المطاف.
    ما نحتاجه اليوم هو هذا التراكم الصادق الذي ذكرته، ليكون الجسر الذي يعبر به مصطفى من صمته المؤقت إلى مداده الحر. أحييك على قلمك الرصين الذي يثري “هسبريس” دائماً، ونحن في انتظار مقالك القادم بشغف كبير لنتعلم منك أكثر، لكنني أظن، والعلم عند الله، أن هذا المقال لن يرى النور إلا بعد صافرة النهاية لمباراة المغرب وهولندا المرتقبة.
    كل التقدير لكما، فقد تآزرت كلماتكما لترميم ما تصدع فينا من أمل، وبانتظار إبداع الأستاذ مصطفى بعد استراحة المحارب.

    ALHOCEIMA

  • إلى MC
    السبت 27 يونيو 2026 - 17:37

    كنت أعلم أنك لن تقف مكتوف اليدين أمام قرار زميلنا الكاتب و الباحث الألمعي مصطفى غلمان. املي أن تفلح كلماتك في زعزعة صمته المبرمج و تحويله إلى ضجيج جديد حتى يظل نصيبنا من متعة أدبه و فائدة علمه مضمونا. دمت قارئا فطنا و ناقدا متزنا و مرافقا دائما لكتاب الركن.

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 6

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 2

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة

صوت وصورة
بوانو ومخرجات الانتخابات
السبت 26 شتنبر 2026 - 11:30 9

بوانو ومخرجات الانتخابات

صوت وصورة
طنجة تحتفي بموسيقى الآلة
السبت 26 شتنبر 2026 - 10:44 2

طنجة تحتفي بموسيقى الآلة