سجون الأحداث.. إصلاحيات بأية مواصفات؟

سجون الأحداث.. إصلاحيات بأية مواصفات؟
الخميس 13 فبراير 2020 - 08:39

السجن عموما وسجن الأحداث خصوصا شر لا بد منه، بما أنه لا وجود لمدينة أفلاطون الفاضلة على وجه الأرض لا غل فيها ولا حسد، يعيش كل سكانها في سلام ووئام، يسودها النظام والأمن والأمان، بما أن حكامها من الفلاسفة، يسوسون الرعية بالعدل والمساواة في الحقوق والواجبات.

فإذا كان الحديث عن أي إصلاح في ظروف عادية يطرح أكثر من سؤال عن طبيعته وعن المسؤول عن توليه وعن تكوينه ومؤهلاته ومهاراته ووسائل اشتغاله وعن برامج عمليته الإصلاحية، فكيف إذا كان في وضع استثنائي يخص أحداثا وراء أسوار السجون، معظمهم لم يقدروا خطورة ما اقترفوه من جرائم بسبب حداثة سنهم وضعف تجربتهم وجهلهم، يسهل على أباطرة الجريمة استدراجهم إلى مسرحها، من لصوصية ومخدرات وغيرها من الجرائم الخطيرة. فلا يستفيقون إلا بعد أن يجدوا أنفسهم بين جدران السجون الباردة تأكلها الرطوبة القاتلة.

من المعروف أن أية عملية إصلاحية ليست بالأمر الهين، فبالأحرى إصلاح هؤلاء الأحداث وإعادة إدماجهم، يتداخل في تعقدها ما هو تعليمي بما أن جلهم يغادر كراسي المدرسة في وقت مبكر قبل أن يتحصل الحد الأدنى مما يحصن به نفسه، مع ما هو اجتماعي بما أن جلهم ينحدرون من أحزمة البؤس بما يغشاها من فقر مدقع وفقر متعدد الأبعاد، حيث نسبة الطلاق جد مرتفعة، وكذا تفاقم نسبة الأطفال المتخلى وانتشار كل أنواع الشذوذ، والمخدرات، والأخطر التطبيع مع حياة السجون. فالأطفال على حداثة سنهم يكتسبون رصيدا هاما بكل ما يتعلق بعالم الجريمة، من أبسطها إلى أعقدها وأبشعها كإقدام زوج على نحر زوجته لأتفه الأسباب أو العكس، أو إقدام أم على قتل فلذات أكبادها، أو القتل تحت تأثير السكر وحبوب الهلوسة كما نطالع يوميا على صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي. فالأطفال يصبحون ويمسون على سيل عارم من قصص الإجرام يمطرق أسماعهم، فيكبرون على حداثة سنهم رغم أنفهم. فهل من السهولة بمكان الحديث عن إصلاحهم خلال مدد سجنهم وإعادة إدماجهم واجتثاث الترسبات السلبية من نفوسهم، كما ورد على لسان رئيس الحكومة في كلمة له خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى الإفريقي الأول لإدارة السجون وإعادة الإدماج “إعادة إدماج السجناء ووضع نظام يساهم في الحد من حالات العود للإجرام تشارك فيه جميع القطاعات الحكومية المعنية ضمن حدود اختصاصها”.

أتصور حال هؤلاء الأحداث لما يدخلون السجون بهذا الزخم المعرفي عن واقع الجريمة، فيزودونه بما يتلقونه على يد غيرهم ممن سبقوهم إليها، تتفاوت درجة جرائمهم وتتنوع. فهل يمكن تحقيق الإصلاح والإدماج في ظل ما تحدث عنه المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج بنفس المناسبة من إكراهات تهم الطاقة الاستيعابية للسجون وكذا مختلف المعدات الأمنية المتاحة والقدرة التأطيرية للسجناء من طرف الموارد البشرية المتوفرة العاملة في مجال الحراسة والأمن؟

فلا يسعنا للوقوف على أثر هذه الإصلاحيات، سوى بتتبع نسبة الجريمة، لنتساءل ما إن كانت في تناقص أم في تزايد؟ فكم من الأحداث من يقضي عقوبته السجنية، فيخرج عاقدا العزم على تغيير سلوكه والاندماج في محيطه؟ وكم هم الذين يغادرون السجون وقد أدركوا فداحة جرائمهم فقصدوا ضحاياهم ليعتذروا لهم عما صدر منهم في فترة طيش؟ أم يبرحونها وقد حصلوا على شواهد التميز في الإجرام على أيدي مهندسيه ودكاترته، ممن خبروا السجون وعرفوا ثغرات قانون الجريمة حق المعرفة؟

فأنى لهذه الإصلاحيات أن تحقق أهدافها في أدنى مستوياتها، بدون الحضور الفعلي للعلوم الاجتماعية وعلم النفس بفروعه المتعددة وكذا علوم التربية والعلوم القانونية والعلوم الدينية في شخص أساتذة أكفاء متمكنين من سرة تخصصاتهم، وليس ممن يؤدي وظيفته التي يتقاضى عليها أجرته، فيقول كلمته ويمضي لحال سبيله، لا يهمه إن أدى مهمته الإصلاحية أم لا.

أعتقد في غياب تكاثف جهود هذه العلوم وغيرها من انفتاح حقيقي على هؤلاء الجانحين ومحاولة سبر أغوار نفوسهم على اعتبار أن الجريمة ما هي في حقيقتها سوى تَجَلٍّ لِما يعْتَمِل في النفس قبل الإقدام على تنفيذها. ففي غياب هذا وغيره يبقى الحديث عن الإصلاح وإعادة الإدماج والتهذيب من باب الأماني يستحيل تحقيقه لتبقى الجريمة مستأسدة مع ما تخلفه من هدر للميزانيات في إطار مواجهة نتائجها الاجتماعية الكارثية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 7

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية