سرديات المصالحة الجيّدة والمزيّفة والحقّة..في الرواية : «ذاكرة المدني في أنفا بارك» لتوفيق الوديع.
من الطبيعي أن الكتابة الإبداعية في شموليتها هي فنّ من فنون التعقيد، هي ذاكرتنا تُسائلنا من خلال السردية المغربية في أدّق خصوصياتها، والرواية المغربية الجديدة تنثر المِلح على جراحاتنا لتقول الحقيقة، الكتابة المغربية شكل حديث أمهاتنا في صمت الليل. وعليه، تُعدُّ رواية «ذاكرة المدني في أنفا بارك» لتوفيق الوديع نسقا دالاًّ على حالة مجتمع في كُليّته، ولا يمكن قراءة هذا النسق خارج شروط إنتاجيته ومعماريته والتي حاولتُ تقسيمها إلى ثلاث بنيات كبرى ارتكز عليها الروائي لتشييد المعنى: أوّلا، زمنية الاستعمار والصراع من أجل الحرية وهي زمنية الوالد والوالدة (رحمهما الله تعالى)؛ أي ذاكرة بيت ووطن ورحِم وجذور واستمرارية وزمنية مقاومة شرعية وحُبّ وطني وسمه السارد بعودة السلطان/ الأب من المنفى. ثانيا، زمنية الاستقلال وحالات عودة «الأخذ إلى المجهول» والاختطاف والاغتيالات؛ زيف كبير عرفته هذه الزمنية في تعددية واختلافات أمكنة الوطن ومنها مؤسسات التربية والتعليم والمدرسة المغربية وهنا السارد يستضيحُ لنا جهل الأستاذ بتاريخ بلده من خلال ملفوظ الشخصية الأستاذ حين سأل التلميذ: «ذَكِّرني بوظيفة والديك، أجاب بتلعثم واضح: والدي أستاذ، ووالدتي معلمة» ردّ الأستاذ: «لم يُعلماك شيئا… بل أخفقا في دورهما مع الأسف» (الرواية،ص.77)، لم يكن يعلم الأستاذ معاناة الوالدين والعائلة ولم يطلّع الأستاذ على تاريخ بلده، إنّ أسوأ المعلمين هو نصف المعلِّم الذي يُضِّل. ثالثا، زمنية الأمل والحلم والمصالحات الرمزية وكذك المصالحات الحقّة وهي مصالحة تشترط قلبا وعقلا ويدا للفعل الإيجابي. وهذا ورش كبير يتطلّب جهود فردية وجماعية كما أشار إليها الكاتب لتجاوز حالات النصف.

إذن، من أي منظور يُقرأ الوطن؟ وكيف يُقرأ؟ وهل قراءة واحدة تكفي لذلك؟ سؤال صعب، يقول السارد في الصفحة 147: «ليس سهلا على الأطفال الذين صاروا كهولا كتابة التاريخ الذي يسكنهم بالسهولة التي نعتقد، ولكنه واجب من الواجبات التي أورثها لنا السلف والتي تسمح لنا بالتصالح مع ذواتنا. هذا التاريخ تاريخنا…»
في العتبة «استعارات»، يقول السارد: «أستعير من الفنان ناجي العلي حنظلته»، التي تحضر في كل صفحات المحكي المؤطَّر داخل زمنية تبتدأ من السبعينيات وتنتهي في زمنية العشرية الثانية من الألفية الثانية.
ولتحديد جنس الكتابة استثمر الكاتب توفيق الوديع آلية المحادثة:
« – هل ستتحدث عن كل شيء في كتابك؟
ربما ولكن أعِدُك… فرأيك سيكون حاسِما» (الرواية، ص.149).
إن آلية المحادثة وتعددية أصوات الشخصيات تُحيل على عقد ميثاق أخلاقي يؤسس له الكاتب مع القارئ-المتلقي، وسيبقى رأي القارئ الأوّل حاسِما قبل النشر، من هو إذن هذا القارئ ستكتشفونه في الرواية.
إن مقولة «الوعد: إنّي أَعِدُك» التي ارتكز عليه جواب السارد تؤشر على محكي الحياة كما تناوله فليب لوجون في كتابة الميثاق السيرذاتي (Le Pacte autobiographique الذي يشترط في مقابل ميثاق الكاتب ميثاق القارء أيضا، ومن ثمّة الابتعاد عن وهم ثبات النص، حيث إن الرواية دينامية الفعل وتغيُّر الحالات باعتبار «أن الجنس الأدبي ليس مجموعة ثابتة من السمات المميزة، وإنما هو تركيب مُتغير ومعقد من خصائص ينبغي أولًا فهمها تزامنيًا داخل النسق العام للقراءة في حقبة زمنية معينة». والروائي توفيق الوديع مثّل لهذا النسق بالواقعية الخطابية التي أفضت إلى سرد الحقيقة ومَسرحة شكل حياة أسرة واقعية داخل حالة المجتمع المغربي ارتكازا على اللّعب اللغوي حيث إن مفهوم شكل الحياة عنده اتخذ شكل مَعنىً لُغوياً، إذن هو تصوُّر لشكل حياة السارد داخل اللغة. هذا اللعب الحواري بين الطفل والكهل استضاح لنا عن أشكال حياة الشخصيات داخل المحكي، فأن ندرك معنى ما فإننا نكون أمام إدراك لأشكال حياة ما شخصيات الرواية.
يقول السارد على لسان الشخصية الأمّ: «نحن على الطريق الصحيح وسنستمر (…) لا تكثرت يا ولدي سنبحث عن والدك في كل شبر من وطننا» (الرواية، ص.28). المحادثة بين الشخصيتين (الأمّ والولد) استضاحت لنا شكل حياة جرحى المأخوذين إلى المجهول، إنها حالات الحرمان التي اشترطت حالة الفعل ليتناسل السرد من خلال ألم البحث، أيضا هو حرمان من المعلومة من طرف نصف الوطن الصامت، ويوَّضِح هذا الملفوظ الآتي: «مِنْ أعلى قامَتِه انحنى رجل الأمن على والدة الصبي قبَّل رأسها معتذرا طالبا الصفح قائلا: الله يعاونكم الشريفة ويطلق سراحهم راه حنا معاكم والله يسمح لينا منكم».(الرواية، ص.28).
المحادثة بين الأمّ ورجل الأمن أفضت إلى تعزيز رمزية الاعتزاز والافتخار الذي تملّك الطفل الذي خرج مع والدته في رحلة بحث عن الوالِد، كان مزهوا بشجاعة والدته من بعد جواب الشرطي على سؤال الأمّ وهي تسأل عن مصير معتقلين سياسيين، السارد في هذه الحالة يوّظِف شكل لغة أخرى «سيري ألالة قابلي وليداتك ؤبعدي على هاد الشي راه بزاف عليك» لكن جواب الأم وهي هادئة كان قويا أفضى إلى إرباك الشرطي، هذا ما عزز الثقة والفخر لدى الولد، يقول السارد في الصفحة 28: «يكاد يطير فرحا ويده في يد من منحته الأمان والطمأنينة»
الملاحظ من خلال هذه المحادثة أن السارد وَظَّف شكلين من اللغة:
لغة فصيحة واضحة هادئة وهي لغة الأمّ الشاعرة والأديبة،
لغة هجينة عامية ملتبسة غير واضحة مرتبكة وهي لغة الشرطي.
في الصفحة 29 يقول السارد: «من أجل تجزية الوقت حَرِصَت على تذكير صغيرها بتواريخ ورجالات بَصَمت تاريخ الوطن». الملفوظ السردي يؤشر على بدايات تشكيل الوعي والمعرفة لدى الطفل من خلال الأمّ، وهو وعي بتاريخ الوطن، وقد يتحوّل إلى وعي جماعي لدى أطفال البلد من خلال القراءة ومشروع تدريس التاريخ للطفل المغربي في بدايات تكوينه، التاريخ، تاريخنا هو شكل تربية وتعليم فقط أن يُدرّس بالقلب والعقل.
ومن منظور مجموع التلفظات التي استضاحت التاريخي والتي شيّد عليها الروائي روايته نجد أننا أمام «أشكال الحياة داخل الرواية» فالرواية اتخذت شكلا إنسانيا أي صورة لغوية تتمفصل بين الجسدي، والذهني-التفكيري، والتأملي وحالة الفعل الشّفاف؛ إنها دينامية الحياة داخل النص في تحولاتها الكبرى والصغرى ارتكازا على التجذيرات التاريخية التي استثمرها الكاتب ونجده أنه لَخصها في جدول في الصفحة 157 تحت عنوان: «تواريخ لا بد منها». وهذا التاريخي أفضى إلى دينامية حالات المجتمع المغربي داخل فضاء المدينة الغول “الدار البيضاء، وبتعبير أحمد اليبوري فإن «النص إنتاجية تقوم علاقته باللغة على أساس إعادة التوزيع، أي على التفكيك والبناء من جهة وعلى تقاطع عدة ملفوظات لنصوص أخرى في فضائه الخاص.»، الروائي استضاح لنا هذه الدينامية من خلال العلائق اللغوية داخل الرواية وفق قانون الثنائيات، ونمثل لبعضها:
(الأب/ الأبناء)، (الحرية/ الاعتقال حالات السجن)، (الطفل/الكهل)، (السرور/ اللا-سرور) (المدرسة-المطعم/ الشارع) (التلميذ/ الأستاذ المُزيّف والأستاذ الجيّد) إلخ، ويمكن أن نجمل كل التقابلات التضادية في المقولتين:
(الحياة/ الموت) ، (الحرية / حالات الاستعباد)،
ومن ثمّة:
الحياة = الحرية = مصالحة حقّة.
الموت= حالات الاستعباد= مصالحة مزيفة.
فالعلائق الإثنانية في اختلافها وتضادها استثمرها السارد لتوليد محكي شفافية الحياة انطلاقا من تلفظات الطفل، «أيها الطفل الذي كنتُ/ تقدَّم ما الذي يجمعنا، الآن، وماذا ستقول؟» (الرواية، ص.9). سيحدثنا الطفل عن أحداث ووقائع وحالات لا حصر لها عرفها المجتمع المغربي، لأن الكثير من المحكيات تُخزنها طفولة السارد، ببساطة هي ذاكرته طويلة وتسير بإيقاع بطيء لتوليد المحكي الذي يتسم بالتعقيد الزمني والمكاني: يقول السارد في الصفحة 33-34: «من أنت أيها الطيف حتى تقتحم خلوتي وتأملي (…) أنا المدني مُرافقك في طفولتك حتى مراهقتك.. عدتُ من جديد لإحساس تملكني ببحثك عمّن تبثه بعضا مما لم يُقل في حينه»
وكأن قدر سردية «ذاكرة المدني في أنفا بارك»، هي تعقيد التاريخ/ الذاكرة وكذلك الفضاءات/ البيت/ الكوربيس/ المدرسة…، وهي فضاءات مُدمجة داخل الفضاء الغول/ الدار البيضاء المُدمج هو الآخر داخل فضاء دامِج وهو المغرب، ومن الطبيعي هي فضاءاتنا النحن القراء.
وإذا كان سؤال السارد ماذا سأقول أو ماذا سأكتب؟
فسؤالنا نحن- القراء، ماذا سنقرأ؟
«انتبه الكهل للمدني يحاول إبلاغه (….) لم ينتظر المدني ردّاً ورحل…كما كان قد ظهر».(الرواية، ص.140).
إجمالا، الكتابة عند توفيق الوديع هي اللا-استسلام وأنّ الحكي آلية من آليات المقاومة، فالسارد في شفافية البوح، يؤكد على أن : «البوح دواء لكل داء..» (ص،34)
يقول السارد في الصفحة 143: «نتذكر أحداثا نحيي الذكرى الرمز والذاكرة الموشومة بنكران الذات وبعمق إنساني حفاظا عليهما من التلف (…) هو تاريخ صيغ في ظروف خاصة …»
يبدو أن رواية «ذاكرة المدني في أنفا بارك» قد أفضت إلى استيضاح مرحلة تاريخية من تاريخ الوطن وأسهمت في حِفظ ذاكرتنا من النسيان واستخلاص قيم الوطنية المغربية. وعليه، إنّ الرواية هي شكل رغبة تأسيس حوار يشترط العقل والحرية واحترام الأنا والآخر والتسامح والتصالح والفهم الجيّد لتاريخنا وخصوصا عند الأطفال.
خسئ الزيف وانتصر السرد لإعادة التحليق بالمتلقي من فضاء مطار أنفا ومستودعات الصيانة «الكوربيس» والساعة الحائطية المتوقفة دلالة على توقف تاريخ واشياء أخرى، هي الرواية حالة ترميم وإعادة صيانة قوة تاريخنا الذي شهِد فترات حرجة، يقول السارد: «لن أزعم أنني البطل (…) أعلم جيّدا أن مسار المصالحة بين الروح والجسد من أجل صفاء الوجدان (…) ولمتعة الكتابة والإبداع أيضا» (الرواية، ص.153).
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.