فلسفة العبور

فلسفة العبور
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 13:01

في ليلةٍ من ليالي الخريف المتأخرة، وجدتُ نفسي على متن قطارٍ ليليّ يخترق قلب أوروبا الوسطى. كنتُ أنظر من النافذة المبللة بالمطر إلى مدنٍ صغيرة تومض أضواؤها ثم تختفي في العتمة كأنها أحلامٌ عابرة، فتسلّل إليّ سؤالٌ لم يفارقني منذ ذلك الحين: هل أنا الذي أمرّ بهذه المدن، أم أن هذه المدن هي التي تمرّ بي؟ هذا السؤال البسيط ظاهرياً يختزل في جوهره ما يمكن تسميته “بفلسفة العبور”؛ تلك الرؤية الوجودية التي تقلب مفهوم الاستقرار رأساً على عقب، وتقترح علينا أن ننظر إلى الترحال لا كحالة استثنائية طارئة، بل كشرط إنساني أصيل. في عالمٍ يلهث فيه الإنسان الحديث خلف تأسيس الجذور، وكأن الاستقرار الدائم هو قمة الطمأنينة ومبتغى الوجود الإنساني، تبرز فكرة العبور كفلسفة وجودية موازية، بل معاكسة، تعيد صياغة علاقتنا بالمكان والزمان بطرق غير متوقعة. لطالما اعتدنا أن ننظر إلى من ينتقل بين المدن باعتباره هائمًا بلا وطن، لكن السؤال الفلسفي الأعمق يطرح نفسه: ماذا لو كان العابر هو الوحيد الذي يرى الأشياء كما هي حقًا؟ وماذا لو كان الاستقرار الطويل ليس نعمة كما نتصور، بل حجابًا كثيفًا يحجب عنا رونق العالم ودهشته؟ هنا بالضبط تكمن المفارقة التي تستحق التأمل العميق؛ نحن نرثي للعابرين ونشفق عليهم من فقدان الاستقرار، بينما هم في الحقيقة يمتلكون مفتاحاً معرفياً نادراً: القدرة على رؤية العالم كما لو كان يُخلق من جديد كل صباح.

لنتأمل قليلًا كيف يعمل الوعي البشري عندما نستقر في مكانٍ واحدٍ لسنين طويلة. الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، الذي أمضى عمره يتأمل معنى “السكنى”، أشار إلى مفارقة مذهلة: أن الإقامة الطويلة قد تتحول ببطء إلى “حجاب يألفه الوعي”، أي أن التكرار اليومي يسرق من الأشياء قدرتها على التأثير فينا. النافذة التي كنا نقف أمامها مبهورين في اليوم الأول تصبح مجرد إطار زجاجي لا نلتفت إليه، وصوت المطر على السطح الذي كان يملؤنا حنينًا يتحول إلى ضجيج اعتيادي، والأماكن من حولنا تصبح خلفيات صامتة لحياة مبرمجة سلفًا. هذا هو سجن الاعتياد، وهو أخطر سجون الروح لأنه لا يأتي بقضبان حديدية، بل بألفة ناعمة تجعلنا نعتقد أننا أحرار. وهنا يتجلى دور العبور كتمرين روحي وذهني مستمر لكسر هذا الحجاب، فالعابر لا يسمح لنفسه أبدًا بأن تعتاد عيناه على منظر، لأن كل صباح يطل عليه من زاوية جديدة وفي كل مدينة يخطو خطوته الأولى بحذر من يعرف أنه لن يبقى طويلًا. هذه الحالة المؤقتة ليست نقطة ضعف بل هي ميزة معرفية كبرى، يشبه فيها العابر الفيلسوف الظواهري الذي يمارس “التعليق” أو الإيبوخية، فيضع بين قوسين كل افتراضاته المسبقة عن العالم ليراه في عريه الأول، تمامًا كما يقول غاستون باشلار في فينومينولوجيا المكان: المكان ليس هندسة معمارية جامدة، بل هو “حيز للشعور” لا ينبض بالحياة إلا لمن يستقبله بحواس يقظة غير مرهقة بالتكرار. لكن هل فكرنا يوماً أن سجن الاعتياد لا يقتصر على جماليات المكان فحسب، بل يمتد ليشمل علاقاتنا وأفكارنا وهوياتنا؟ إن العابر الذي يغير مدنه باستمرار يمارس شكلاً من التحرر المستمر من الأفكار المسبقة عن نفسه، فهو لا يمنح الآخرين فرصة تنميطه ولا يمنح نفسه فرصة التحجر في صورة نهائية زائفة.

تخيل أنك تقف في ميدان عام بمدينة زرتها للمرة الأولى، أنت تنظر إلى الهندسة المعمارية وإلى تصرفات الناس وإلى طريقة تنظيم الشوارع وإلى الإشارات الصامتة التي تمنح المدينة هويتها، لكن ما لا تدركه هو أن عينيك تقارنان دون وعي كامل؛ تقارنان بين هذه المدينة ومدن أخرى زرتها، بين هذه الثقافة وثقافات عرفتها، بين هذا الزمان وأزمنة سابقة عشتها. هذه الظاهرة أطلق عليها إدوارد سعيد اسم “الرؤية الطباقية”، وأعني بها أن العابر لا ينظر إلى المكان بعينٍ واحدةٍ مسطحة، بل بعين مركبة ترى الأشياء من خلال طبقات متعددة من الذاكرة والمقارنة. وهذا ما يمنح العابر قدرة نقدية شبه مستحيلة للمقيم الدائم، فالمقيم قد تعوّد على البيروقراطية المتعبة في بلده لدرجة أنه لم يعد يراها، أو قد تأقلم مع تشوهات عمرانية معينة لدرجة أنها أصبحت جزءًا من “العادي”، بل ربما تجاوز ذلك ليبرر هذه التشوهات ويدافع عنها بوصفها “خصوصية ثقافية”. أما العابر فهو مثل “شاهد ملك” – إن استعرت هذه العبارة من التراث الفلسفي الإسلامي – أي شاهد لا يدعي لنفسه منفعةً في إدانة أو مدح، وإنما يرى الحقيقة مجردة من مصلحة الانتماء الأعمى. إنه قادر في اللحظة نفسها على أن ينبهر بجمال ضوء الصباح على مئذنة قديمة، وأن يلاحظ بعين فاحصة عبثية نظام اصطفاف السيارات أو تعقيدات الروتين اليومي. لكن دعني أسألك سؤالاً قد يبدو مزعجاً: كم من الحقائق عن مجتمعاتنا ومؤسساتنا وأنماط حياتنا أصبحت غير مرئية لنا ببساطة لأننا اعتدناها؟ وكم من “عادي” نعيشه يومياً هو في الحقيقة غريب ومستفز لو نظرنا إليه بعين العابر المتجردة؟

وهذا يحملنا طبيعياً إلى بعدٍ أكثر إثارة للقلب والذهن معًا، وهو ما يمكن تسميته بأنطولوجيا التخلي. العبور المستمر يعلم الإنسان درسًا قاسيًا ولكنه محرر لأن كثيرًا مما نتشبث به هو مجرد أثقال زائفة. لقبك الوظيفي، مركزك الاجتماعي، سيارتك، بيتك المفروش بعناية – ماذا يبقى منها عندما تحزم حقيبة سفرك وتغادر إلى مدينة لا يعرفك فيها أحد؟ ليس المقصود هنا أن تصبح ضائعًا أو بلا هوية، بل المقصود هو ذلك التطهير التدريجي الذي يحدث للذات عندما تجبر على ترك مكتسباتها الوهمية وراءها. العابر يمارس شكلاً من الزهد المؤقت، حيث لا يحمل سوى وعيه وأسئلته. وهنا تجد نفسك مضطراً لمواجهة السؤال الذي طرحه سقراط على أهل أثينا قبل أن يحكموا عليه بالموت: “أيها الناس، ألا تخجلون من السعي وراء المال والشهرة والمكانة، بينما لا تهتمون بالحكمة والحقيقة وأفضل حال للنفس؟” في العبور نضطر نحن أيضاً إلى مواجهة هذا السؤال دون مواربة، ونكتشف أن هويتنا ليست جوهراً ثابتاً نسحبه معنا من مكان إلى آخر، بل هي كما قال سارتر: مشروعٌ دائم التشكّل، وجودٌ يسبق ماهيته، وكل مدينة جديدة ندخلها تمنحنا فرصة نادرة لإعادة تعريف أنفسنا من جديد دون أن نكون رهائن لسيرتنا الذاتية السابقة أو لتوقعات الآخرين منا.

في عصرنا السائل، كما وصفه زيجمونت باومان، حيث كل شيء يذوب ويتحول وينهار بسرعة، تصبح المدن التي نمر بها مختبرات حية لنموذج جديد من الانتماء، انتماء لا يقوم على “الجذور الثابتة” بل على “التدفق الحضاري”. تعلمنا الحداثة السائلة ألا نربط هويتنا بساقية واحدة، بل أن نكون قادرين على إعادة تعريف أنفسنا بينما نمشي، وليس هذا ضعفًا بل هو نوع من القوة التكيفية التي تليق بكائن عاقل في زمن التحولات المتسارعة. لكن هل يعني هذا أن العابر محكوم عليه بالاغتراب الأبدي؟ على العكس تماماً، فهناك نوعٌ من الألفة العميقة التي يكتشفها العابر مع مرور الزمن، ألفة لا تقوم على المكان بل على الإنسانية المشتركة. يصف ألبير كامو هذا المشهد بدقة في كتاباته عن المغتربين: وحدة الألم الإنساني ووحدة الأمل الإنساني هما أعمق من كل الفوارق الشكلية. البائع المتعب في زقاق بالقاهرة، والأم القلقة في مترو باريس، والطالب الحالم في كافيه ببرلين، كلهم يشتركون في رغبات ومخاوف متطابقة في جوهرها. العبور إذن ليس مجرد حركة في الجغرافيا، بل هو انكشاف طباقي على حقيقة الإنسان الواحدة التي تتجاوز اللغات والأعراق والحدود المصطنعة.

وهنا نصل إلى النقطة الأجمل والأعمق في فلسفة العبور، وهي تلك التي تتشابك فيها الحكمة الصوفية مع الفلسفة الوجودية في تناغم مدهش. بعد أن تطوف بين مدن كثيرة وتستمع إلى لغات متعددة وتتذوق أطعمة مختلفة وتنام في أسرّة ليس لك منها إلا أسماء أصحابها السابقين، تبدأ في إدراك شيء مذهل: أن الرحلة عبر الآفاق الخارجية لم تكن سوى انعكاس لرحلة أعظم وأعمق تحدث بداخلك. كل مدينة دخلتها هي في الحقيقة مرآة لزاوية من روحك لم تكن تعرفها من قبل، وكل صدمة ثقافية عشتها كانت دعوة خفية لإعادة النظر في يقينياتك التي ظننتها مطلقة. وقد عبّر جلال الدين الرومي عن هذا المعنى قبل قرون حين قال إن السفر والحركة هما النبض الحقيقي الذي يعيد ضخ القوة والمعنى في عروق الحياة، ليس لأن الأماكن الجديدة تمنحنا شيئًا لم يكن لدينا، بل لأنها توقظ فينا شيئًا كان نائمًا. المدن التي تمر بها ولا تستقر فيها تعلمك أن الحقيقة المطلقة ليست شيئًا يقبع في بقعة جغرافية واحدة تتنازع عليها الجيوش والحدود، بل هي حكمة مبثوثة في الطريق نفسه، موزعة بين كل عتبة دخلتها وكل وداع لم تتعلم كيف تقوله.

فلسفة العبور لا تعني الضياع ولا تعني أن تصبح بلا جذور، بالعكس، إنها تعني أن تمتلك جذورًا مختلفة: جذورًا تمتد أفقياً وتستمد حياتها من كل مكان تمر به. إنها تحولك من مجرد “ساكن” في زاوية ضيقة من خريطة العالم إلى “مواطن كوني” – كوزموبوليتان بالمعنى الحقيقي العميق، لا بالمعنى البرجوازي السطحي. أن تصبح مواطنًا في وطن لا تحده سياسة ولا تختصره مدينة واحدة، وطن يتسع كلما اتسعت بصيرتك. وفي هذا المعنى الختامي، نصبح نحن العابرين، نحن الذين لم نستقر، نحن الذين تركنا جزءًا من أنفسنا في كل رصيف وانتظرنا عند كل نافذة، نكتشف الحقيقة الأكبر: أن المدن الكثيرة التي مررنا بها دون أن نسكنها قد سكنتنا هي في المقابل. هكذا ينقلب السحر، فلا تعود تقول “أنا أسكن المدينة” بل تقول “المدينة تسكنني بقدر ما أمر بها”. وهل هناك حكمة وجودية أعمق من هذه؟ أن يصير العبور هو الاستقرار الحقيقي للروح الباحثة عن المعنى. في النهاية، ربما كان العابرون هم الورثة الحقيقيون لحكمة الفلاسفة القدامى الذين عرفوا أن الوطن ليس تراباً ندوسه بل سماءٌ نحملها في صدورنا أينما ذهبنا. وربما كان علينا، في زمن الجدران والحدود والهويات المنغلقة، أن نستمع مرة أخرى إلى صوت العابر في داخلنا، ذاك الصوت الذي يهمس لنا بأن الطريق وطنٌ أيضاً، وأن الوصول ليس ضرورياً دائماً، وأن أجمل ما في الرحلة أنها لا تنتهي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 3

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39 1

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34 2

مراسيم تسليم السلط