عبيد الخوارزميات

عبيد الخوارزميات
صورة: هسبريس
الثلاثاء 7 فبراير 2023 - 08:58

عادة ما نتيه بسذاجة عندما نتناول الهاتف الذكي لقضاء غرض ما، فتُضيعنا مرايا الإشعارات اللامتناهية في مآرب أخرى ونترك أمرنا الأول. ويبدو واضحا أن النزول على سلم المحتويات في نصف دقيقة فقط بإمكانه أن يبعث على الابتسامة والقلق والتحفيز والكسل والرغبة والفتور في الوقت نفسه. أما هذه المحتويات نفسها، على تنوعها وآثارها، ففيها ما فيها من ثمار تُقطف، وعليها وعلى صُناعها من مساوئ تُترك. فيبقى لب التساؤل، كيف بلغْنا هذا المبلغ بهذه السرعة؟

في منتصف تسعينات القرن الماضي، لم يكن يدرك من كان له منا ولوج لعالم الحاسوب والأنترنت آنذاك أن سيلا هائلا من المعلومات قد اجتمعت شروطه ليتدفق جارفا إيانا إلى محيط التيه. كنا على استعداد لفقدان ما تبقى من البصيرة ومعها البوصلة. بينما كنا نتعلم أساسيات الإمساك بالفأرة لرسم قطٍ ومنزلٍ على عزيزنا برنامج الصباغة (Paint)، نتدرج على العروض العجيبة لبرنامجنا الفقيد “فلاش” (Flash)، كان هناك من هم حُشروا في مكاتب زجاجية وراء البحر والمحيط، مُنهمكين في التأصيل للجيل الثاني لشبكة رقمية ذات عيون أضيق وأشد. هذا الركام من السحب له محاسن لا تُعد. لكن، أضحى أن هناك من كان مستعدا لركوبها ومقايضة خصوصيته والتفاخر بغبائه بدل دولارٍ أخضر، مهما كلف الأمر.

من خلال هذه الطفرة المصنعة الثانية (Web 2.0)، تجاوزنا مرحلة تلقي الإشارات القادمة إلينا سلْبا، كما كان الحال ومازال مع المذياع والتلفاز (اللذين يعيشان موتا سريريا). آنئذ كنا قد دخلنا افتراضيا وبشكل مباشر مرحلة التوجه بأسئلتنا وأجوبتنا وآرائنا إلى من هم وراء الشاشة. لكن يبدو أن هذا الأمر قد حصل على حساب التواصل مع من يحيط بنا واقعيا من ذوينا وأساتذتنا وأصدقائنا وموجهينا. أصبح من الجلي الآن أنه يستعصي على كثير من الأسر أن يجتمع الحاضرون من أفرادها جسديا حول وجبةٍ دون أن يغيب بعضُهم ذهنيا من خلال شاشة شفطت انتباهه إلى العالم المقابل. الأدهى أن مَلَكة الانتباه نفسِها، إلى جانب مهارات التركيز والتحليل والتذكر، ربما قد أصبحت أضعف بكثير داخل الفصول مع مرور السنوات الدراسية تباعا. ما إن أشرقتِ الشاشة بما يُغري طالبي العلم بمقاطعَ مضحكةٍ وملفات مثيرة حتى أفَلَت علاماتُ التحصيل الدراسي بما يُبشرهم وينذِرنا بركودٍ في مُحصِّلة العلم وتدنٍ في السلم الاجتماعي.

من الصعب الاتفاق على أن لومَ موجةِ التفاهة وجب أن يقع على المبرمجين أو على الخوارزميات نفسها. عالم التفاهة الافتراضي بلا شك ليس إلا مرآةً للتجمعات المُسطحة في الواقع. ما حصل فقط هو أن هذه المنصات فتحت نوافذ للجميع، منابر شفافة بدون “واسطات” تُرشَى أو زبائنَ تُشرى (إلى أمد قريب، قبل أن يُفتتح سوقٌ لبيع وشراء الإعجابات). يعيش على مستنقعات التفاهة أشباهُ ناسٍ تصدح بِعُواءٍ يثير الغثيان. وكما يبدو من خلال إلقاء نظرة سريعة على من يتربع على كرسي نسبة المشاهدات الوهمي، مسألة انحطاط المحتوى الرقمي لم تخص بلدا دون غيره، الأمر سيان في أغلب البسيطة: هذه تبيع ما لا يباع من مطبخها، وتلك تبيع ما لا يُسمن الآخرين بل يغنيها هي من جوع؛ هذا يُسأل عن تاريخ اليوم فيجيب بجغرافيا الأمس، وآخر يُرَكمِج على جديد الأحداث بسماعات في أذُنَيْه يُبغبغ من خلالها ما قال سَلفُه دون وعي؛ ذاك راقٍ يُرْقي على الهواء فيرقى في هوة الانحطاط إلى ما لا تحمد عقباه، وهلم جرا في أرخبيل العبط الكبير هذا. كل هؤلاء يلهثون وراء المشاهدات والشهرة، ومستعدون لبذلِ الرخيص قبل النفيس مقابل دريهماتِ العم سام، لكن على حساب من وماذا؟ من يؤمن بأن عُلو أرقام المشاهدات والإعجابات يعكس القيمة الفعلية لنفسه ولمحتواه فهو واهم أشد الوهم.

لحسن الحظ، الجانب الآخر مشرقٌ جدا ولو بِنَزْرٍ قليلٍ من الصُناع الجدد. يطلون علينا من خلال هذه النوافذ بما ينفع ويُرفه. بعضهم يأبى إلا أن يعكس الخير الذي يسري في روحه من خلال صنع أو مشاركة محتويات خلاّقة مُمَكِّنة. منهم من تفرغ لبسيط العلوم (أو “تبصيلها” كما يدعون فاكهين!)، وآخرون يشرحون المواد الدراسية بخفة ظل، ومنهم من يبدع فنا راقيا، أو يُلَقن دروسا دينية أو أخلاقية تأخذ بعين الاعتبار تفرُدَ المنحدرين من الجيل الرقمي. زُمرةٌ أخرى ذهبوا يُحَفِزون على الاستثمار في الذات والمال والأعمال، والبعض الآخر يَعرِض ترفيها يزاوج بين ذكاء لامعٍ ورسالةٍ رفيعة، ذلك مع رسم ابتسامة رقيقة أنيقة (ليست كحموضة من يلقبون أنفسهم بأسماء رياضياتيين عِظام وليس لهم نصيب من طَائِهم غير طاء الطبل والطر وما أكلا يوم العيد!). مرات قليلة يسقط الصناع الرائعون في فخ الإجبار على البقاء في مقدمة الصبيب؛ فيوما يلِجون صالات الرياضة بعزيمة، لكن أياما يولمون أمام ما يكفي عشاءَ قبيلةٍ ونَيِف؛ ومرة يخوضون في أمور خاصة لا شيء يدعو لـ”تشييرها”، ومرات يُطلون برسالة صباح الخير وكفى! هذا دون أن نخوض في وقع ظاهرة “السيلفي” واحتمال الوقوع في حب النفس حبا نرجسيا بُدِّلَتْ في سبيله صفحة ماء “نرسيسيوس” بزجاجة شاشة “المؤثر”. لكن نعود ونُنْصف، القيمة المضافة لمحتوى هذا الجمع القليل جدا تشفع لهم عند جمهورهم، وهم مشكورون عليها كل الشكر.

عودة إلى مسألتَيْ صناعة الانتباه والأثر النفسي لمحتويات مختلطة، يعود الأول، وببساطة، لشركات الوسائط الاجتماعية التي اختصت في إعادة تشكيل، أو بالأحرى تشتيت، الانتباه. أولئك المبرمجون يعرفون بالضبط تفاصيل كل ثانية تقضيها على منصاتهم وأي رابط تنقر ومن أين. لا يصب أبدا في مصلحتهم مخالفة وسيطهم إلى منصةٍ منافسة ولو كلف الأمر جرك إلى أحمق صورة أو أسخف شريط. (شاهد الشريط الوثائقي “الخيار الاجتماعي”The Social Dilemma لتكتشف أخطر من ذلك). ثانيا، التعرضُ لقصصٍ قصيرة (stories) تُحيلك على مشهد فكاهي يُضحكك بشراهة ثم يتلوه بثوان مصابٌ جَلل يعصِرُك ألما ربما يُشبه كثيرا مَنْ جَعلَ من جنازة مُقربٍ له مجلسا للبسط والتنكيت. الأثر الوجداني للتعرض لملفات تثير أحاسيس متعاكسة في وقت ضيق جدا من المنطقي أن يبعث على تبعات وخيمة لا محالة. أي أن جر المحتويات وراء بعضها بجرة إبهامٍ لا بد أن يَجُر على نفسيتنا أعراضا عقلية جديدة لم تُدون قَطُ في مجلدات طب النفس ولا عيادات علاج المخ. أما علاقة الشباب بمظهرهم كانعكاس لأثر “نجوم” العالم الافتراضي، فذاك باب إن فتحناه لزمتنا معه فقرات لا متناهية!

بعض الحل يَكمُن في إعادة إعداد إشعارات أجهزتك. وجب توقيفُ أو تقليل عدد الإشعارات التي تناديك لِتُضَيِّع أو تُشتِّتَ انتباهك عن شغلٍ مهم يحتاج وقتا وتركيزا. عدا الاتصالاتِ و”الإيميلات” المستعجلة، جُلُّ الأمور الأخرى يُمكن أن تنتظر. بدل أن نكون عبيدا لإشعارات السيد أبو هاتف نُلبي نداءه كلما احتاجنا لأمر تافه، لزم أن نستعيد سيادتنا عليه فيصير هو من يرضخ لطلباتنا. إن عكسنا الأمر ضاع الانتباه وحدث ما نكره عاجلا قبل آجلٍ، سواء وراء شاشة المكتب أو مقود السيارة أو في حضرة أحباب ينتظرون ابتسامتنا في جلسة ربما لا تعود! أما قضية تنوع المحتوى، فمن الضروري التحايل على المبرمجين بالتعرض أكثر، وعُنوة، لِكل ما هو إيجابي وبناء، مع تَلافي غير ذلك. التردد على ملفات من نفس البنية العاطفية والقيمية لا يزيدها إلا عددا كلما وقفتَ على حائطكَ الافتراضي.

ختاما، هناك منا من لا يدرك أننا نسبح في بحر الجيل الثالث للنت (Web 3.0) منذ سنوات. من أدرك الركب في وقتِه رأى الفرصة في لا مركزية المعاملات المالية وجدوى نقل بعض المهمات والأصول إلى العالم فوق الكوني. البعض يعيش واقعيا على القليل ويتاجر رقميا بالملايين، لم يحتج لتحصيلها سوى لوحة إلكترونية وكأس قهوة صباحي. أضف إلى ذلك أن أغلب معاملات الكسب بالطريقة الحالية ستصبح من الماضي البعيد في المستقبل القريب، والكثير منا سيفقد مهنته بسذاجة لصالح آلة ذكية إن لم يُبادر بتحيين مهاراته فورا! كل هذا في واد، والهواجس والوساوس التي أتى بها مولود جديد اسمه “Chat GPT” في واد ثان مغاير تماما. إن لم يتفطن الأساتذة وأولياء الأمور لِمنافِعه قبل مخاطره، سيفقد تقييم التعلم والابتكار كل معنى اكتسباه لآلاف السنين. ولحديثنا في شأن هذا الرضيع المُثير بقية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • zoubir
    الثلاثاء 7 فبراير 2023 - 09:23

    تحليل منطقي رائع يصعب على الكثير منا مجاراته ، سواء بلغته أو عمق تحليله . فهنيئا لنا بأمثال هذا الكاتب الفذ .

  • Stof
    الثلاثاء 7 فبراير 2023 - 09:28

    تحليل رائع لما وصلنا من خضوع للوسطاء الرقميين والذين أصبحوا يتحكمون في توجيهنا إلى سلعهم الرخيصة رغما عنا ،والآتي أفضع ،وكل مانخشاه على هذا الجيل والأجيال اللاحقة هو انجرارهم إلى المتاجرة في القيم والاخلاق ، نشكر صاحب المقال على تنبيهنا لهذا التشتت الذي أصبح ينخر عقول أبنائنا ويذمر مستقبلهم.

  • رأي
    الثلاثاء 7 فبراير 2023 - 10:06

    إن كثرة الإلهاءات و المحتوى المتنوع على الإنترنت يمكن أن تؤدي إلى مشتت على الإنتباه و التعب. عندما يكون المستخدم قادرا على الوصول إلى الكثير من المعلومات في نفس الوقت، يمكن أن يشعر بالإجبار على التحدث إلى جميع المصادر، و هذا يمكن أن يؤدي إلى تعب عصبي و التعب المتكرر.

    كما أن تصفح الإنترنت بشكل غير منظم يمكن أن يؤدي إلى تداخل في الإنتباه و تأثير سلبي على الذاكرة و التركيز. لذلك، من المهم أن يتم الحد من الوقت المخصص لتصفح الإنترنت و الحفاظ على روتين صحي من النشاطات الإلكترونية.

  • Lamya
    الثلاثاء 7 فبراير 2023 - 13:18

    كل شيئ او اختراع, له ايجابياته وسلبياته و ليس الهاتف الذكي و الشبكة العنكبوتية فقط
    مثلا السيارات و المعامل تتسبب في تلوث البيئة و الاحتباس الحراري و ما لذلك من عواقب وخيمة على البشرية و هذا اهم بكثير
    و حتى التلفزيون كانت تشتكي منه الاجيال الاولى و اعتبرته ملهاة و مضيعة للوقت و تتسبب في التلفة…
    الانترنيت عموما تعكس فقط مستوى البعض و قلة التربية و حب المال و الشهرة, التي اصبحت منتشرة في المجتمع
    البرامج التربوية هي بدورها عليها ان تتغير في الواقع, بشكل يتلاءم و عقلية الجيل الجديد, اما مواقع التواصل الاجتماعي فلا يمكن اغلاقها, و انما يمكن اختراقها او غزوها بمحتوى مفيد و جيد

  • omar
    الثلاثاء 7 فبراير 2023 - 20:08

    في حفل عائلي كان الصمت يسود قاعة الضيوف فكل الحاضرين منشغلون بهواتفهم. هذا الصمت قطعه شيخ ذكرهم بأننا اجتمعنا لنتبادل الكلام و الأخبار فيما بيننا و ليس لأكل اللحم ثم الانصراف. فخرج الشيخ غاضبا رغم توسلات الحاضرين

  • الرقشي
    الأربعاء 8 فبراير 2023 - 06:03

    جميل هذا الكلام وفي الأخير كلشي تسمك
    بالتيك توک وفيديوهات فارغة وتافهة لا علم لا ثقافة سوى خزعبلات أرجعوها فن
    هزلت

  • مواطن2
    الأربعاء 8 فبراير 2023 - 11:24

    لا اعلق على الموضوع..باعتباري دون المستوى العلمي والمعرفي.واترك ذلك للعارفين. فقط رايي الشخصي اقوله ربما لمن هم في سني الذي يناهز ال80…. شخصيا رغم انني اشتغلت لمدة 40 سنة موظفا …و نفذت عدة مهام طلبت مني – ادراية طبعا – بكل مهارة واتقان والحمد لله…الا انني حاليا اعجز عن تشغيل الهاتف الذكي ..لا لانني عاجز عن ذلك …بل لان حاجتي اليه غير ملحة..واستغرب للفئة التي تستعمله في اغراض تافهة..لأن اختراعه كان من اجل البحث عن المعلومة واكتساب المهارات والعلوم الحديثة..ومع هذا كله – واتحدث عن نفسي – كم تمنيت الرجوع الى الستينات والسبعينات وما قبلهما…كانت الحياة بسيطة جدا. وكل الضروريات متوفرة والبشر تقريبا متساوون في معيشتهم رغم ثراء البعض. وبالمناسبة كان بالمدينة اثرياء يحسيون على رؤوس الاصابع…ومن كثرة تواضعهم – الطبيعي – كان البعض منهم يتسوق ولا يبحث عن المواد المرتفعة الثمن بل كان يشتري “” الكرجة “” كما يسمونها لرخص ثمنها…وكان ذلك امرا طبيعيا. وبالرجوع الى الهاتف الذكي والحاسوب اقول بان فئة عريضة لا تستفيد منهما على الوجه الصحيح….ملايير الدراهم تصرف في مكالمات تافهة.

  • Rachid
    الجمعة 10 فبراير 2023 - 14:35

    نقال جميل كما عودنا الكاتب.تحليل رائع و وجهة نظر صائبة.تحياتي.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة