عندما جلب الحجاج وباء "بوڭليب" من مكة المكرمة إلى مدن مغربية

عندما جلب الحجاج وباء "بوڭليب" من مكة المكرمة إلى مدن مغربية
الأربعاء 11 مارس 2020 - 12:00

يستغرب الكثير من المغاربة حاليا قلة عدد حالات كورونا المسجلة بالبلد رغم انتشار الوباء في دول أوروبية متقدمة، مثل إيطاليا وإسبانيا وغيرها؛ إلا أن حالة مشابهة سبق أن حدثت في تاريخ المغرب في القرن 19؛ إذ بقي لفترة طويلة بمنأى عن وباء الكوليرا الذي اشتهر عند الساكنة باسم “بوڭليب”.

وصف القدماء هذا الداء بـأنه “ريح ما سمعوا به، قاتل في حينه، ويسمونه عندنا في المغرب بأسماء الكوليرة والريح الأصفر وبوقليب..إذا أصاب الرجل تغير لونه واسودّ جفن عينه، ويجعل يقيء من أعلا ويسهل من أسفل. ومن الناس من يشتكي مع ذكر وجع رجليه ويموت في الحين”.

وفتك وباء الكوليرا بمواطنين من دول كثيرة في العالم بين سنتي 1817 و1824، من خلال ما سميت الموجة الأولى لداء الكوليرا التي عرفها العالم في القرن التاسع عشر لخمس موجات.

ورغم وصول هذا الداء إلى أوروبا، حيث ساهم الجنود البريطانيون في انتشاره في الهند، ونشره الجيش الفارسي أثناء حربه مع تركيا سنة 1822، كما نقلت الجيوش الروسية الوباء من كورسك وخاركوف نحو بولونيا وغيرها، ووصل البرتغال وإيطاليا بسبب الحروب وتحركات الجنود؛ إلا أن المغرب كان بمأمن منه لفترة فقط. وبدأت الموجة الثانية لهذا المرض الفتاك سنة 1829 في العالم، حيث خلف 5500 قتيل في انجلترا، و100 ألف ضحية بفرنسا إلى حدود 1832. أما الأراضي المغربية فقد كانت مع موعد مع هذا الوباء في فبراير سنة 1834.

حج بيت الله

حسب المصادر التاريخية فإن وباء الكوليرا تفشى بمكة عام 1831، وفتك بــ12000 حاج، وهو نصف عدد الحجاج الطائفين حول الكعبة في ذلك الوقت، وتفشى عن طريق الفارين في سوريا وفلسطين ومصر وتونس حسب ما أورده الأمين البزاز في كتابه “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19″، الذي أكد أن الأخطار بتعرض المغرب للعدوى “تزايدت بحكم علاقاته المنتظمة بالمشرق عن طريق الحجاج”، وزاد: “لقد كانت الطرق التقليدية إلى الحج تشكل نوعا من الحصانة، لأن الحجاج المغاربة يقضون حوالي أربعة أشهر للعودة من الإسكندرية إلى بلادهم”، مردفا: “كان الركب يتخلص من جميع الأفراد الموبوئين، لكن بعد أن أصبحوا يستعملون الطريق البحري تقلصت مدة السفر، إلى أن بات الحج المغربي إلى الديار المقدسة مصدر تهديد مستمر في غياب وضعف الوسائل الوقائية”.

تدابير وقائية

لم يكن التنظيم في ذلك الوقت يسمح باتخاذ تدابير ناجعة، إلا أن وجود هيئة من القناصل في طنجة كان إيجابيا في هذا المجال، فقد كانت هذه الهيئة تمارس بعض الضغط لحماية رعاياها، كما تمت الإشارة إلى ذلك في المقال السابق عن طاعون 1798 و1800، وذلك عندما طالبت السلطان مولاي سليمان ببعض الإجراءَات، والذي ساهم جنوده في نقل المرض نحو أرجاء المغرب من خلال الحْركات والمحلات..

وأورد المصدر السابق أن “القناصل الأجانب بطنجة قاموا بمحاولات دفاعية ضد الوباء، فقد استصدروا بين 1829 و1831 قرارات الطرد والحجر الصحي ضد السفن الموبوءة أو المشكوك في حالتها الصحية لحماية المغرب من الكوليرا التي تفشت في جبل طارق ثم في الجزائر”، مردفا بأنه “عام 1834 اتخذوا تدابير صارمة بعد أن اكتسح الوباء السواحل الإسبانية، وأصدر مولاي عبد الرحمان أوامره إلى كافة عماله بالمراسي التجارية لتنفيذ هذه التدابير”.

ضحايا “بوڭليب”

نقلا عن المصدر التاريخي سابق الذكر فإن الكوليرا بعد وصوله إلى المغرب انطلق من فاس سنة 1834 نحو مكناس، ووزان، والقصر الكبير وطنجة وتطوان والعرائش وسلا والرباط، ثم بعد سنة انتشر في الدار البيضاء وآسفي والصويرة ومراكش والواحات الشرقية.

وعن عدد الضحايا، يورد المصدر نفس، “لم يتجاوز 60 ضحية في اليوم في بعض المدن مثل الرباط ومراكش، و50 ضحية في اليوم في طنجة التي لم تتجاوز حصيلة خسائرها 650 ضحية، أي 8 في المائة من مجموع سكانها، وهي نسبة تقل بكثير عما خلفه طاعون 1818، الذي بلغت نسبة القتلى منه 20 في المائة”. ونقل الكتاب عن تقييد محلي أن عدد ضحايا هذا الوباء في فاس بلغ 8 آلاف شخص، و4 آلاف بمكناس؛ بينما كان عدد الضحايا أقل في قصر المعيز بفڭيڭ، وهو 345 شخصا.

فيما تغيب أرقام دقيقة في بقية المدن لضحايا هذا المرض الذي يصف أحد المؤرخين موت المصابين به بأنه “موت فجأة”، موردا: “..كم من واحد مات فيه بالحيرة والدهشة، حيث يرى أخاه يمشي سليما، فيسقط ميتا، وقل من جاوز في تلك المدة أربعا وعشرين ساعة”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

25
  • منشغل
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 12:31

    بوكليب ديال بصح هو الدي يجثم على صدور المغاربة بفعل غلاء الاسعار والركود الدي يعرفه سوق التشغيل.

  • نيشان
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 12:36

    ما نستغربه هو طريقة التعامل مع الفيروس التي تشبه الطرق المتبعة في القرون الوسطى.
    كورونا أجبر أكبر الدول بإمكانياتها الهائلة جدا على إغلاق الحدود و المدارس و الشركات الكبرى إلخ..
    و المغرب يتعامل مع كورونا و كأنها حب الشباب .
    و يريد إقناع المواطنين أن توزيع الإستمارة السحرية و قياس درجة الحرارة كاف لمواجهة الوباء.
    و وزارة الصححة لبلد فيه 40مليون نسمة تفتخر ب 670 سرير إفتراضي و مختبرين للتحليل .

  • سمير
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 12:36

    في آخر مرة رأيت والدي، في قريتنا البعيدة، رماني بالسؤال المكرور كمن يُلقي حجرا:
    – ماذا ستفعل بعد التخرج ؟
    ارتطمت كلماته بداخلي حتى كاد الصوتُ يُسمع. لُذت بالصمت. تنهدت، ففهم مرادي دون كلام. حاولت الهروب من صمتنا فسردت أمامه بعض المهن المعروفة، لعلي بذلك أمنحه أملا -ولو مغشوشا-. حرك رأسه وقال بنبرة رجل حنكته التجارب:
    – المهم يا ولدي أن تضمن خبزتك لدى المخزن.”
    ― ميمون أم العيد, يوميات أستاذ خصوصي

    الاشارة فقط اليهود الغاربة من يسمون أبناءهم الذكور ب ( ميمون) لذا لا تستغربوا من تسفيهه للمسلمين

  • الثوم الافريقي
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 12:49

    لا تخف ياهذا لم تعد الامراض والڥيروسات والحصارات والاملاءات يأتون من الشرق بل أصبحت مراكزهم ومصادرهم في الغرب .

  • المصطفاوي
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 12:58

    سير الله يعطيك ( بوگليب ) تلك دعوة بريئة كنا نسمعها من أمهاتنا رحمهن الله تعالى رحمة واسعة. تدل على الوباء ظل محفورا في ذاكرة المغاربة. حفظ الله تعالى بلدنا من هذه الأوبئة.

  • تاج
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 13:04

    الطاعون هذا المسمى شعبيا ب "بوكليب" لا يزال اليوم متفشيا (ليس في المعدة والأمعاء ولكن في القلوب) عند البعض الذين يكتبون ويهرطقون في مواضيع ليست لهم دراية جيدة بها وهم لا يدرون بحالهم..أسأل الله بأن يشفي قلوبهم وأن يرزقهم حجة إلى حرمه الطاهر وطوافا مبرورا حول بيته الحرام..

  • مؤمن Moumine
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 13:07

    عندما جلب الحجاج وباء "بوڭليب" من مكة المكرمة إلى مدن مغربية
    اختيارك، يال أم العيد لهذا العنوان بالضبط، غير بريئ.

  • نيشان
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 13:11

    هذه نتائج توزيع الإستمارة و قياس درجة الحراة و ترك الحدود مفتوحة …
    و هذي البداية..مازال مازال

  • ملاحظة
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 13:11

    صرحتا أستغرب لدالك كيف لأروبا بلدان متقدمة جدا كل يوم تسجل حالات جديدة من فيروس كورونا في حين المغرب لا.
    هل المغاربة لهم نظام غدائي يقي من هدا المرض أم النظافة اليومية التي يقومون بها المغاربة طيلة اليوم الوضوء كعادة تقهم من المرض أو أن المرض يكره المغرب.

  • العياشي
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 13:25

    نحن خلقنا لنعبد الله لا شريك له ونموت ونحيى مرة أخرى الموت لا مفر منه أجل أم عاجل اللهم أرحم أجدادنا وأبائنا وجميع المسلمين واختم علينا بلا إله إلا الله محمد رسول

  • فوءاد ش
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 13:41

    الأوبئة التي تنتقل بسهولة عبر الهواء أو اللمس لا تفرق بين غني أو فقير بين مسلم او مسيحي ..
    الذين صدعونا بمقولة ان مكة لا تصاب بالأوبئة طبقا لأحاديث البخاري ، ها هو دليل اخر يتبث العكس.
    الفيروسات لا تعترف بالصلاة و الادعية بل بالوقاية و التعقيم و الاحتياطات اللازمة.

  • سين
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 14:09

    إلى: ملاحظة: من أهم أسباب انتشار الفيروس بالدول الغربية هو موقعهم بمناطق باردة.

  • سمير
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 14:12

    من نهار اوصلات الخرافة ديال قريش شمال افريقيا ضربو بوكليب

  • Redkitsurf
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 14:39

    أتسائل..كمواطن غيور على بلاده..كيف للمصالح وزارة الصحة التي تتخلى عن رعاية المرضى العاديين في حالات خطيرة…و تتركهم يواجهون مصيرهم المحتوم.. بدعوى الإكراهات و الإمكانيات المحدودة..
    أشك ….أن تقوم بالتكفل برعاية حالات كرونا جميعها في حالة تفشي العدوى لا سامح الله .. عافانا الله و إياكم..
    أشك…

  • محمود
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 14:45

    أريد فقط أن أشير الى أن كاتب المقال لم يشر إلى مدينة الناظور التي أصيبت بالوباء في السبعينات من القرن الماضي و قد تمت محاصرته في بداية ظهوره أتذكر جيدا تلك الأيام و بالمناسبة هذا الوباء غير مرعب لأن معالجته سهلة و هي تعويض المريض عن السوائل التي فقدها ثم أن دواءه متوفر و رخيص الثمن لذا لم يعد يشكل مصدر رعب للمغاربة طبعا الذين يعرفون ماهية المرض .

  • نبيل
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 14:53

    انا لله وانا اليه راجعون وما تدري نفس انما تموت غدا

  • مغربي من البيضاء
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 15:00

    سير الله يعطيك (لقرينة ) ..كنا نسمعها ولا زلنا .. تدل على وباء كورونا = لقرينة كان معروفا لدى المغاربة ههه

  • مغربي في كندا
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 16:18

    بالنسبة إلى الناس التي تقول أنا المغرب لا يفعل شيء لمحاربت هذا الداء.

    فيجب أنا يعلم أنا جميع دول لا تحمي حدودها. أنا عائد من سفر من ألمانيا و لم يتم تفتيشي لا في ألمانيا ولا في كندا، فقط يجب على كل واحد منا أخد إحتياطات. ونزيدك المصابين لكينين ف كندا لي الحالة ديلهم عادية، كيبقو ف ديورهم، تيتشفو عد كيخرجو. الحجر الصحي مشي ضروري ف لمستشفى.

    ف بركة من الفهامة الخاوية، قبل ماتبقى تقارن بدول طالع على شنو واقع ف العالم. ما يقتلنا في المغرب ليس الفقر بل الجهل ، كلشي كسحاب ليه كعرف.

    خلاصة الله يحفظ لجميع

  • سندان
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 17:31

    مدهش هو تعليق البعض على إسم الكاتب عوض التعليق على المحتوى. كم من ميمون عرِفت ولا صلت له البت مع اليهودية، وما المشكل في كون الشخص من ديانة أخرى طالما أنه يعبر عن رأي أو يسرد وقائع بطريقة صحيحة و محترمة! وهل ذُكر أن مكة المكرمة محصنة من الأوبئة لكي يأخذ المقال كأنه مؤامرة لتشويه الحج و مكة؟!

  • MAGHREBI NAFSS
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 19:22

    الآن فهمت معنى دعوات أمهاتنا و سائر الناس بمصطلح " بوگليب" الذي ظل غامضا بالنسبة لي لعقود و أعتقد كعدد كبير من قراء هذة الجريدة الرقمية الرائدة.شكرا هسبريس على تسليط الضوء على جانب غامض من تاريخنا،لا سيما في هذه الفترة الموسومة بالقلق و الترقب بفعل هذا الوباء اللعين.اللهم احفظ المغاربة و سائر الأجناس البشرية

  • المغرب بناه المسلمون
    الأربعاء 11 مارس 2020 - 19:39

    لا تفوتون اية فرصة الا واستغليتموها للطعن في ديننا الحنيف, هل داء كورونا الان اتاكم من مكة؟ كلا انه يأتيكم من اسيادكم الغربيين الذين تسبحون بحمدهم وتفتحون لهم حدودكم وانتم صاغرون حتى لو كان في ذلك حتفكم..انشروا ان كنتم ديموقراطيين

  • كمال
    الخميس 12 مارس 2020 - 07:51

    في تلك الحقب كانو يموتون كالذباب كلما حل بالمنطقه مرض معدي وبائي.
    تلك الامراض لم ينفع معها لا الادعيه ولا الابتهالات ولا الكتاب ولا السنه ولم تكون اي ارض مقدسه مكانا آمنا ابدا.

  • أبو زياد
    الخميس 12 مارس 2020 - 18:21

    بالفعل لم يثبت وأن دخل الطاعون مكة عبر التاريخ ،صحيح دخلت مكة أمراض وأوبئة لكن الطاعون لم يدخل قط ولتتاكد أرجع الدراسة التي اجراها الطبيب والمؤرخ BIRABENحول الأوبئة في العالم الاسلامي

  • المهاجرة
    الجمعة 13 مارس 2020 - 05:05

    سبحان الله اول مرة اعرف ماهو اسم (بوگليب) الكوليرا

  • maghribi
    الجمعة 13 مارس 2020 - 19:23

    لمن يتعجب للعدد الضئيل للحالات بالمغرب مقارنة بالبلدان المجاورة
    المغرب قام بتحليل 101 شخص فقط
    البلدان الاخرى تقوم بتحليلات اكثر لذلك لقاو عدد اكبر

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 2

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة

صوت وصورة
فواكه الخريف خارج القدرة الشرائية
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 15:37 4

فواكه الخريف خارج القدرة الشرائية

صوت وصورة
لقجع يقدم مشروع قانون المالية
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 15:15 1

لقجع يقدم مشروع قانون المالية

صوت وصورة
منع الأطفال من السوشل ميديا
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 12:49 1

منع الأطفال من السوشل ميديا

صوت وصورة
منحة الزواج  بين الترحيب والتحفظ
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 10:27 18

منحة الزواج بين الترحيب والتحفظ

صوت وصورة
أساتذة يطالبون بتفعيل الترقية
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 08:41 3

أساتذة يطالبون بتفعيل الترقية