عن الحلم بالسعادة..

عن الحلم بالسعادة..
الثلاثاء 30 شتنبر 2025 - 04:12

“لأقسمن كل يوم على أن أكون سعيدًا” آلان

سيكون المجتمع في أفضل حالاته، لو أن كل فرد أدى دوره في الحفاظ على المجتمع وضمان العيش المشترك، وبالتالي فإن السعادة الحقيقية هي السعادة الجماعية. من هنا ندرك العلاقة الوطيدة التي أسسها الفلاسفة بين السعادة والمدينة (أرسطو). يسعى الفرد إلى السعادة، لكنه يعيش داخل المجتمع، مع الآخرين. وهذا ما يجعل سعادته ليست فردية بحتة، بل سعادة يتقاسمها مع غيره، إذ لا يمكنه الاكتفاء بنفسه لإشباع رغبته في السعادة، بل المرجو هو ألا يسعى الفرد فقط لتحقيق سعادته، بل أن يميل أيضًا نحو إسعاد الآخرين، أو جعل سعادته غير منفصلة عن سعادتهم، فالمجتمع الفاضل يفترض الإنسان الفاضل.

إن السعادة قرار شخصي، يتحمل الفرد مسؤولية تنفيذه. السعادة مثل الحقيقة ومثل الحرية، لا يمكن أن نجدها جاهزة، ولا يمكن للآخرين أن يجدوها نيابة عنا، بل هي قرار شخصي، نعزم على خوض غماره، حتى لو لم نبلغه. فقيمة السعادة تكمن في السعي المستمر نحوها لا في بلوغها، وقيمة الحقيقة في البحث الدائم عنها لا في الوصول إلى محطتها النهائية، وقيمة الحرية في الدفاع الحذر عنها والخوف من ضياعها، وليس الانغماس في نعيمها.

وبالتالي، أن يردد كل منا، كل يوم، القسم على أن يكون سعيدًا، يعني أن يتشبث بحقه في السعادة، دون أن ينسى أن سعادته غير منفصلة عن سعادة الجماعة.

ألم يخسر الإنسان أكثر عندما راهن على خلاصه الفردي؟ ألم تتسع الهوة السحيقة بينه وبين السعادة؟ ألم يتحول البحث عن السعادة الفردية إلى خطر يهدد المدينة والعيش المشترك؟

لطالما كان مفهوم السعادة مفهوماً ملتبساً في الفلسفة، فجميع العناصر التي تشكل مفهوم السعادة مستمدة في مجموعها من عالم التجربة المعاشة. (كانط)

لطالما ربط الإنسان غاية الحياة بالسعادة، باعتبارها ما يضفي معنى على وجوده. إن اختلاف التصورات حول السعادة يجعل تعريفها كمفهوم تعريفاً إشكالياً، فهي تتأرجح بين إمكانية البحث عنها والوصول إليها، بين إمكانية بلوغها واستحالته، بين الاعتراف بوجودها واعتبارها مجرد وهم ابتكره الإنسان لإضفاء معنى على وجوده. لذلك قد تختلف طرق بحثنا عن السعادة، وقد يختلف تعريفنا لها، دون أن تختلف الغاية منها.

إن اكتمال إنسانيتنا هو ما يضفي معنى على سعادتنا، فالسعادة المجردة هي ذلك المسعى الذي يتوجه إليه الناس جميعاً، كما يتوجه الفرد لكي يكون إنساناً، أما السعادة الملموسة، فهي مثل تشخصن الفرد، إنها ذلك التجلي الذي يستشعره كل منا باعتباره شخصاً متميزاً عن الآخرين.

فمن الصعب تقديم تعريف واحد للسعادة، وذلك لاختلاف تصورات الناس عنها، حيث يربطها كل شخص بتجربته المعاشة.

قد نختلف في طريق بلوغ السعادة، لكن يمكننا أن نتفق على ما تعنيه السعادة، فالسعادة هي حالة من الكمال والرضا التام، تتعارض مع ما هو نسبي، إنها حالة استقرار دائمة، مصدرها داخلي. أما الشعور باللذة أو الفرح، فهو تجربة مرتبطة بالإحساس، وبإشباع جسدي أو نفسي، وهو مقترن دائماً بفعل ما، ومتعارض بالضرورة مع الألم، ونحصل عليه من الخارج. هكذا تكون السعادة عبارة عن حالة ذهنية، نكون عليها، تعكس نمط عيشنا، وليست مجرد لحظة عابرة، فيمكنني أن أكون سعيداً حتى وإن اجتاحتني لحظات حزن أو ضيق أو ألم، لأن السعادة ترتبط بمساري الوجودي وسيرورتي الحياتية. أليس البحث عن سعادة مطلقة خالية مما يعكر الصفو هو إدخال النفس في متاهة الشقاء؟ كيف يمكن نقل السعادة من اللحظي والعابر إلى الثابت والدائم؟

تضعنا متاهات السعادة في صميم الشرط الإنساني (فرويد)، الذي يجعل السعادة صعبة المنال بسبب المعاناة الناتجة عن الضعف الوجودي والإكراه الاجتماعي والتوتر العلائقي. إن الموت هو القلق الوجودي الأول الذي يصطدم بهاجس تحقيق السعادة، لذلك ظل الإنسان دائمًا يتطلع نحو الخلود، ما دام الموت يتعارض مع الأبدية. يتعلق الأمر هنا بضرورة التمييز بين الخلود والأبدية، إذ يعرف لاروس الفلسفي الخلود على أنه خاصية ما يكون خارج الزمن، أما الأبدية، فهي تعني الدوام اللامحدود فيما وراء الموت (السعادة الأخروية). إن الإحساس بالخلود هو ذاك الذي ننشده في بعض اللحظات الخاصة، مثل الحب والسعادة، وهي اللحظات التي يريد الإنسان أن يعيش فيها كلياً في الحاضر (السعادة الدنيوية)، متناسياً الماضي ومتحرراً من المستقبل.

رغم أن السعادة مطلب إنساني، فإنها تواجه الشرط الإنساني الذي يتضمن في الأصل ما يعرقل تحقيق هذا المطلب، وأصل هذا الشرط الإنساني هو قلق الفناء، فالحياة مرهونة بالموت، وحبل الحياة لا ينبغي أن نستنفده في المعاناة، ونضيع فرصة العيش بسعادة. فنحن لا نحتاج إلى زمن طويل، لكي نكون سعداء، فالحياة تتيح العيش بسعادة، بالنسبة لمن يحسن استخدامها.

ثمة عائق آخر يعترض تحقيق السعادة ومطلب الخلود، ونقصد هنا البؤس الطبيعي للشرط الإنساني، المعرض للضجر (باسكال)، وبالتالي لا يكفي تحقيق الإشباعات لكي نكون سعداء، فكلما كان الإنسان محروماً من التسلية ومعرضاً للضجر، إلا وازداد إحساسه بالهم وبالتالي إلا وكان شقياً.

كل رغبة تنبع من نقص، من حالة عدم رضا، وبالتالي فهي في الأصل معاناة، وكل إشباع هو انطلاق لرغبة جديدة ولمعاناة أخرى وهكذا دواليك، ذلك أن أي إشباع تام، يعني إزالة الحافز نحو الرغبة، والوقوع في فراغ مرعب: الضجر.

وكأن الإنسان خُلق ليبحث عن السعادة لا ليكون سعيداً. فالسعادة قد تتعرض للإفلاس، بسبب الضجر، فبلوغ الذروة القصوى لا يمكن أن يكون مستقراً، فقد نبلغ ما نريده لكن يتعذر علينا الحفاظ عليه:

“لذا فالأحسن هو عدو الجيد.” (جانكليفيتش)

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • MC
    الثلاثاء 30 شتنبر 2025 - 23:20

    “.For every minute you are angry you lose sixty seconds of happiness”

    “لكل دقيقة تغضب فيها، تخسر ستين ثانية من سعادتك.”

    Waldo Emerson
    (1803-1882)
    (فيلسوف وكاتب وشاعر أمريكي)

    “السعادة لا تُوهب لنا كاملة، بل نقتنص منها لحظات تضيء مسارنا كما يضيء البرق عتمة الطريق.”

    أستاذ عزيز ،

    إن ما ورد في مقالك العميق يفتح أبواباً للتأمل في جوهر السعادة، ويعيدنا إلى سؤال قديم قدم الفلسفة: هل السعادة غاية نبلغها، أم مسار نسلكه ونتكيف معه؟ لا شك أن ربطك بين السعادة والجماعة يعيد الاعتبار إلى البعد الإنساني الذي يتجاوز الفردية الضيقة؛ فالفرد في عزلته لا يكتمل، وسعادته الخاصة تصبح ناقصة إذا لم تتعانق مع سعادة الآخرين. إن المدينة الفاضلة التي تحدث عنها الفلاسفة ليست سوى تجلٍ لرغبة مشتركة في جعل السعادة قيمة جماعية متقاسمة، وليست استهلاكاً فردياً عابراً.
    السعادة ليست أن نملك العالم، بل أن نملك القدرة على رؤية جمال الحياة في بساطتها، حتى وسط أقسى الأيام.

    “إن أعظم أشكال السعادة هي أن نعيش بوعي أننا زائلون، فنحب أكثر، ونعطي أكثر، ونترك في الحياة صدى لا يفنى وإن فَنينا.”

    ALHOCEIMA

  • عبدالرحمان سين
    الخميس 2 أكتوبر 2025 - 09:59

    تحية عطرة للاستاذ المفكر عزيز الازرق الذي يعمق النظر في مفاهيم و اشكالات من منظور فلسفي يقظ و دينامي و يتعلق باشكالات راهنة غير مفتعلة.

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق إسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49

السيول تجتاح طرق إسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 5

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا