عن مأساوية مآل السعادة

عن مأساوية مآل السعادة
السبت 11 أبريل 2026 - 09:50

تدَّعي الأغلبية من الناس أنها تستمتع بالحياة السعيدة، ومع ذلك فالكآبة والضغط والاكتئاب والقلق يشكِّلون نهرًا يمتد بشكل مخيف…. رغم الاهتمام المتزايد بإرضاء رغبات الأبناء، نلاحظ تنامي اضطرابات السلوكات وانتشار الأمراض العقلية.. إنه زمن السعادة المفارقة… ” ليبوفتسكي”

خلق عصرنا الحالي متاهات إضافية، فيما يخص الأجوبة التي قدَّمها والاختيارات التي أقدم عليها. إننا أمام عصر المفارقات: فهو عصر التواصل الذي تطورت فيه الآليات وكثرت النظريات، وفي نفس الوقت يشهد فشل وسوء التواصل. إنه عصر تضخُّم الخطابات حول السعادة وتقديم الوصفات الجاهزة لبلوغها، وفي نفس الوقت تبدو فيه السعادة أبعد منالاً. إنه عصر المعرفة، فالإنسان يعرف الآن أكثر عمَّا يجعله بصحة جيدة، ويجعله يعيش في بيئة سليمة، ولكنه يعاني من كثرة الأمراض والاضطرابات والأوبئة والتلوثات.

إن عصرنا الحالي انتصر لمقاربة النزعة المتعيَّة المعمَّمة، التي تراهن على السعادة الفردية والجسدية. يقدم المجتمع المعاصر العديد من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، التي من شأنها أن تخلق راحة الفرد، وتجعله يشعر بلذة الإشباع، ومن ثَمَّ فقد غدت اللذة شيئًا يمكن فصله عن الذات، فكلما ازدادت المتع، إلا وانخفضت حدَّة تذوقها… وتضاعفت حاجاتنا وازداد حجم حرماننا، وبالتالي تضاعف الإحساس بالمعاناة، والابتعاد عن السعادة.

هكذا سيحدث تضخيم في نرجسية الفرد المركَّبة على الاستهلاك الشره والمعمَّم. إننا أمام بوليمية جديدة، لم تعد تتمظهر فقط في الابتلاع الذاتي للفرد من طرف النزعة المتعيَّة، بل ستتمظهر كذلك في تعرُّض هوية الفرد لارتجاج بسبب خضوعه لما يفرضه منطق السوق وكثرة الإشباعات. هكذا انتشرت ثقافة بأكملها تدعو للانتشاء باللحظة والاستمتاع بالسعادة هنا والآن. أصبح الفرد يعتقد أن مهمته الوحيدة هي التركيز على جسده وتطوير ذاته، بمعزل عن الآخرين.

إن تغلغل هذه النرجسية جعلها تتجدَّد وتتطوَّر، حيث أصبح الإنسان المعاصر يرفض الموت ويحلم بالخلود. إنه يخاف الشيخوخة ويخاف الألم، لأن في ذلك تهديدًا للطاقة الاستهلاكية، وما تتضمنه من رغبات وإشباعات. هكذا يعتبر الإنسان المعاصر أن الموت والشيخوخة يحرمانه من السعادة، لذا فهو يعمل كل ما بوسعه، لكي يحافظ على شبابه ويؤجِّل موته… فكل حياتنا اليوم تقوم على إعادة إنتاج الحياة كقيمة فردية، وبالتالي فإلغاء فكرة الموت، هو تعبير عن استيهامنا، الذي نعيشه بشكل جماعي، من خلال النزوع نحو الخلود، ونعيشه بشكل فردي من خلال الحفاظ على البقاء، والحرص على الهناء.

ثمَّة متاهة أخرى ترتَّبت عن النزعة المتعيَّة المعمَّمة، والاستغراق في النرجسية الفردية، وهي توفير الوصفات الجاهزة للسعادة، أو للهناء، إذ على كل فرد أن يختار ما يلائمه: قائمة السعادة حسب الطلب. توهم المجتمعات المعاصرة، أنها مجتمعات تقدم خدمات للزبائن، لكي يكونوا سعداء، وتحديدًا تمنحهم حق “الخدمة الذاتية”، وبالتالي تحقيق السعادة حسب طلباتهم وحاجاتهم (الحمية، التجميل، التعارف…)، وكل ذلك يمر عبر لعبة الإغراء، الذي أصبح عبارة عن سيرورة عامة تتحكم في الاستهلاك. إنها استراتيجية جديدة عوَّضت علاقات الإنتاج بعلاقات الإغراء، الذي يحيل على ما هو متاح لنا من اختيارات ومكاسب وأرباح وهمية، يحققها لنا الاستهلاك، ويحيل كذلك على إشاعة نوع من الإثارة الغرائبية والحساسية السيكولوجية والمرافقة الموسيقية والبصرية والحركية، التي تجعل الفرد النرجسي منتشيًا بتركيب استهلاكه حسب قائمة الطلب، والتي تتجلَّى في علاقة الفرد بالعالم بما هي علاقة نرجسية سيلفية: حب الذات، والعناية بالذات، والاشتغال على الذات. لقد عملت “الخدمة الذاتية” على تسربل الفرد بالنزعة الفردانية أكثر فأكثر، ودفع منطق الاستهلاك إلى أقصاه، فالخدمة الذاتية لم تحقِّق له السعادة الذاتية، بل ضاعفت من حاجاته ورغباته، من إشباعاته وحرمانه. فالفرد المعاصر يعرف الكثير عمَّا يمكن أن يجعله سعيدًا، دون أن يحقق هذا المطلب المنشود، أن يتحدث كثيرًا عن السعادة، أكثر مما يعيشها حقًا.

لكل هذه الاعتبارات، وقع تحول جذري في مقاربة السعادة في عصرنا الحالي، فعوض المقاربة الفلسفية التي تنطلق من السعادة كمفهوم فلسفي مجرد نفسي، روحي، مرتبط بالرضا والطمأنينة، يسعى الإنسان إلى البحث عنها ومحاولة بلوغها، تم الانتقال إلى مقاربة تدَّعي العلمية، ويظهر ذلك من خلال الحديث عن اقتصاد السعادة (كلوديا سينيك)، بل هناك من يصف علم النفس الإيجابي ب “علم السعادة”، كما تم استبدال مفهوم السعادة بمفهوم الهناء وكذا العيش الجيد (le bien-être et le mieux-être).

يتعلق الأمر بمفهوم ملموس يرتبط بالمعيش على مستوى الصحة والمهنة والسكن والشروط المادية للحياة…. وهو مفهوم يريد أن يقيس السعادة على ضوء مؤشرات ملموسة (قياس السعادة حسب تصريحات الأفراد). يتعلق الأمر بمعطيات ذاتية حول ما يجعل “الحياة جيدة”. هكذا عرَّف عالم النفس الأمريكي إدوارد دبني (1984) السعادة بكونها عبارة عن “هناء ذاتي” يشعر به الأشخاص، الذين لديهم أحاسيس إيجابية تتعلق بالإشباعات التي يحققونها في وجودهم. وهذا ما سيعززه مارتان سليغمان في مؤلفه “صناعة السعادة” (la fabrique du «bonheur») 2002، ثم سيؤكد فيما بعد أنه يستحيل قياس السعادة، ولهذا يقترح استبدالها بمفهوم “الهناء الذاتي” القابل للقياس، حيث سيحدد سليغمان مكونات الهناء في خمسة (PERMA):

الأحاسيس الإيجابية

الالتزام ورفع التحدي

العلاقات المهنية والشخصية

إعطاء معنى للحياة

التحقيق.

يقوم هذا الادعاء بعلمية مقاربة السعادة على ما قدَّمته العلوم الجديدة (neurosciences)، وما قدَّمته من توضيحات وتسميات: هرمون اللذة والقدرة على بذل المجهود (الدوبامين)، والأندورفين هرمون السعادة، الذي يحقق الإحساس بالارتخاء والراحة (الرياضة والجنس)، وهرمون الهناء (السيروتونين)، الذي يعمل على ضبط المزاج. وهذا ما يجعل السعادة عبارة عن استعداد فطري، ينضاف إليه التأثير الذي يمارسه وسط العيش، والدور الذي يمكن أن تلعبه الذات. هل يمكن أن ننفلت من قبضة “السعادة المفقودة”؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    السبت 11 أبريل 2026 - 19:39

    “A table, a chair, a bowl of fruit and a violin; what else does a man need to be happy?”
    “طاولة، وكرسي، ووعاء من الفاكهة، وكمان؛ ما الذي يحتاجه المرء أكثر من ذلك ليكون سعيداً؟”
    (Albert Einstein)

    “To be without some of the things you want is an indispensable part of happiness”
    “إن الحرمان من بعض الأشياء التي تريدها هو جزء لا يتجزأ من السعادة”
    (فيلسوف ورياضي، ألف كتاباً شهيراً “غزو السعادة”)
    B Russell

    “السعادة ليست محطة نصل إليها، بل هي تجلية الروح في زمن المادة”
    أستاذي،
    لقد وضعت يدك على جرح العصر بتشخيصك لـ “السعادة المفارقة” التي حولت الإنسان إلى مستهلك تائه يطارد سراب الهرمونات والخدمات الذاتية، وأرى أن مأساتنا الحقيقية تكمن في محاولة قياس ما لا يُقاس، وتأطير الرضا في قوالب بيولوجية ومادية جردت الوجود من دهشته الروحية، فالحرص على تأجيل الموت والتشبث بالشباب الدائم ليس إلا هروباً من مواجهة جوهرنا الإنساني الذي يكتمل بالقبول لا بالاستهلاك، لذا فإن الحل يبدأ بالتحرر من “ديكتاتورية الهناء” المصطنع والعودة إلى التصالح مع الألم والغيرية كجزء أصيل من التجربة البشرية.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15

الدار البيضاء تتضامن مع غزة