عُذْرًا رسولَ اللهِ ...عن مرآتِنَا المُهَشَّمَةِ

عُذْرًا رسولَ اللهِ ...عن مرآتِنَا المُهَشَّمَةِ
الأحد 5 يناير 2014 - 17:38

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه

1-

ماذا يمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسبة لنا اليوم؟ سواء نحن المسلمين أو نحن العالمين، كيف يحضر رسول الله في تصوراتنا وفي حياتنا؟ وكيف نجسدنُ، نحن المسلمين، انتماءنا لرسالته ودعوته بين أهل زماننا؟ إلى أي مدى نحن محمديين هنا و الآن؟ كيف نستلهمُ من إسوتنا الحسنة ما به نكون إسوة حسنة للبشرية في زماننا؟ وهل يعكس المسلمون اليوم روح الرحمة العالمية بما هي جوهر البعثة المحمدية؟؟؟؟؟

يحتاج المسلم اليوم إلى طرح مثل هذه الأسئلةِ بقوة و جرأة ، ويحتاجُ إلى إعادة اكتشاف سيرةِ رسوله احتياجا خاصا؛ ذلك أن وضع المسلمين اليوم في العالم، علما وتعليما واقتصادا واجتماعا وسياسة وتنمية…؛ لا يستجيب لمقاصد الدعوة المحمدية ولقيمها، ولا ينبي عن عظمة الهداية وعالمية الرحمة اللتين يمثلهما رمزا وحياة؛ دلالة وممارسة؛ آملا وواقعا؛ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

2-

أين العطب؟ أين الخلل حتى صارَ المسلمُ يضيقُ برأي أخيه االمسلمِ فيبادِرُ إلى تكفيره وإهدارِ دمه؟ أين نحن من قوله تعالى لرسوله الكريم:”ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ” (النحل، الآية 125)؛ وتلك عادة الرسل في الأخذ بالقول اللين مع المشرك، فما بالك بالمسلمِ الموحِّد؛ أين نحن من وصية المصطفى صلى الله عليه وسلم بالكفِّ عمن قال لاإله إلا الله “لا نكفرهُ بذنبٍ ولا نخرجهُ عن الإسلامِ بالعمل” (أخرجهُ أبو داود}؛ أين نحنُ من حرص الهدي النبوي أن لا يؤدي النهي عن المنكر، إن كان كذلك، إلى منكرٍ آخر؟ وأي منكرٍ أفظع من استباحةِ دم مسلمٍ حرمته عند اللهِ أعظم من حرمة الكعبة المشرفة؛ أليست مثلُ هذه الرعوناتِ هي التي حولت، عن زور وبهتانٍ، نبي الرحمةِ إلى عنوانٍ للقتل في المخيال الغربي العام !؟ أليست مثلَ هذه الانحرافاتُ عن روح الهدي المحمدي هي التي صيَّرتْ النبي الرؤوف الرحيم “رمزا” للتعنيف والهمجية في إعلام الآخرين !؟ ألا يكمنُ هنا الخللُ حتى صار من أوحي إليه أن “مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” (المائدة، الآية 32)؛ صار علامةً على سفك الدماء وإرهاب الأبرياء !؟ ماذا جرى للأفهام حتى انقلبت صور “الرحمة المحمدية العالمية” (“وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ” الأنبياء: 107؛ وفي الحديث:”إنما أنا رحمة مهداة”..)؛و صارت إلى “فزاعة عالمية”، وبدل أن تبتهج الإنسانية بهذه الرحمة وتأخذ بقيمها وتنتهج أخلاقها؛ تنزعج من “ممثليها” بهذه الدرجة أو تلك، وتسمهم أو تصمهم بنعوت تخرجهم من دائرة الحضارة إلى غابة الوحشية وهامش الإنسانية !!؟

3-

عذرا رسول الله؛ أنتَ رحمةٌ جئتَ برحمةٍ فبدَّدناها برعوناتٍ لم نستطع بعدُ أن نقَوِّمَها؛ بلَّغتَ الرسالة ففرطنا فيها بفهوماتٍ أطفأت روحَ كونيتِها؛ أديتَ الأمانة فما وفيناها حق الصونِ في شرائط زماننا؛ نصحتَ الأمة فما عملنا بنصحكَ وما قمنا بتنزيل حقوق خيريتها الحضارية ضمن رهاناتِ تاريخنا، (“كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ” (آل عمران، الآية 110))؛علمتنا كيف نؤمن بالغيب ونجتهدُ وفقَ هديك وبنور الحقِّ المودعِ في عقولِنَا، فخلطنا الغيبَ بالخرافة، وخلَّت أهواؤنا بيننا وبين روحِ هديِك، وأظلمتْ منا العقول لما عطلناها، وشاخَت فينا القلوبُ لما نسينا وصيتك بتجديدِ إيماننا.. فكان ما كان من سوء أحوالِنا؛ وصيتنا بالوالدين حُسنا، فبدأ الرهط منا يتخلص منهما بالإعراض أو الزج بهما في دار العجزة؛ بل قد ينسى الترحمَ عليهما وكأنهما لم يربيانه صغيرا….

4-

أصغيتَ إلى لحظتِكَ التاريخيةِ، وأردتَ الكونيةَ بإصلاحِ الخصوصيِّ، والكلّي بالانطلاقِ من الجزئي، والسعيَ إلى العمومِ بالنظر في الخُصوصِ، وذاك سرٌّ من أسرارِ الوحي، فوصيتَ الذكورَ بالنساءِ رفقا وخيرا، لكننا جارينا بعض فقهائها ضربا وعضلا لهن؛ وأصغينا لذكورية مجتمعاتنا فاعتبرناهن أداة متعة أو آلة للإنجاب.. حتى جعل منهن البعضُ منا في الحياة دونا؛ تقوم الواحدة منهُن بخدمة الرجل ولا تقيم إلى جواره ندا ونظيرا وشقيقة كما علمتنا. لقد نهيتنا عن وأدهن صغارا فصرنا نئدهن كبارا جهارا؛ إما بالإهمال والنسيان، أو بالتشييء والتبضيع والاستهلاك المتعي… صرنا نئدهن كل على طريقته.. هذا بإغراقِهِن في السواد واستئصال حقهن في الابتسام، وتحويلهن إلى كائناتٍ شبحية تفصلهن عن الحياة المدنية أفكار ٌمهترئة، وفهوم ذكورية جنت على الكلام الإلهي وجوامعِ كلِمِكَ بفهم سقيم، فحَرمتْ خدود َ “القواريرِ” من أشعةِ الشمس وندى النور، و وجودَهن من الإشعاع علما وعملا؛ وذاك بتعريتهن باسم الحرية، وجعلهن مفاتن لا يُرى فيهن غير معنى الإغراء.. حتى صرن عنوان الاستهلاك ولا شيء غير الاستهلاك.. إثارةٌ في الصورِ واللوحات واللقطات الإشهارية؛ وأدوات للموضة التي ما تفتأ تنسخ نفسها؛ وكائناتٌ من عري الشعاع باسم مستعار من الجمال عار منه؛ باسم منتحَل هو “الفن”.

5-

كلا الفريقين يزيغُ عن إكرامكَ سيدي للمرأةِ، فلا يَدٌ منكَ امتدّتْ لضربها، ولا أبداً تزوجتَ قاصراً كما أشاعَ ذلكَ جهلةُ تاريخِ سيرَتِكَ العطرة،ولا عينٌ منكَ رأتْ في المرأةِ ما يُدني بإنسانيتها، وحاشا لكمالكَ أن يسنِدَ إحدى الرؤيتينِ، فيما الفريقانِ القامعُ والمُعَرّي يرى في المرأة “عورةً”، الأول يريد أن يقمع شهوته إليها فيغلِّفها ويلفُّها في السواد حِدادا على جمالها حتى “لا يُفتَن به” فيُختبَر إيمانُه الضعيفُ وتنهار تقواه الهشة؛ والثاني يحرِّك تلك الشهوةَ بشتى الطرائق حتى ينهبَ من خلالها الجيوب، ويَُسيلَ اللعاب فيتخدر الضحايا لتندى منهم الأيدي، وما هم بأهل جود ولكن الغَوى سحرَ أعينهم، فأنفقوا على لذاتٍ ما تفتأ تتجدد، وطلبوا رُواء لعطش نفوسهم الأمارةِ بماء البحر، كلما شُرب يتجدد به الظمأ، وطلبوا الشبع بطعام ما يفتأ يقوى شهوة النهم… .عذراً رسولَ اللهِ عن هذهِ وغيرهَا مِن غزيرِ هفواتناَ، وإن كنتُ سيدي أعلمُ من هديِكَ أن الخطَّاءَ ملزَمٌ بالتوبَةِ النصوحِ، فمتى نتوبُ، نحنُ المسلمينَ، من إساءتنا لهديِكَ؟ ومتى نُقَوِّمَ مرآتنا المُهَشَّمةَ والتي تخونُ الأمانةَ حينَ لا تَعكِسُ عن وفاءٍ رحمَتَكَ للعالمين؟؟؟؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • تالبورجت يوسف
    الأحد 5 يناير 2014 - 19:33

    ما معنى "عذرا رسول الله"؟ هل رسول الله صار ربا و الاها حيا نعتذر له؟ هذا شرك بالله لا غير – تماما مثلما يقولون "احبك يا رسول الله" : كيف لنا ان نحب انسان مات؟ هذه بدع و محدثات و غلو و انحراف عن الدين السليم و نعتقد اننا متدينين و مسلمين الخ – و هذا غير صحيح- لاني ولدي الصغير الذي اعلمه النحو و المنطق و اللغة و الدلالة صار لا يقبل مثل هذه الكلمات و التعابير –

  • Ahmed
    الأحد 5 يناير 2014 - 22:41

    لما نسال أنفسنا أين نحن من سيد البشرية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم تسليما.
    قبل كل هذا يجب ان يكون رسولنا الكريم أحب إلينا من أولادنا و ًأموالنا و آباءنا. نحن مجتع مسلم سني مالكي ، ما اعجب منه هو عندما يتشدق بعض المحسوبين على الديموقراطية ويخرجون خرجات لا أساس لها اما لاكتساب بعض الأصوات الانتخابية وأما لأغراض اخرى لا يعلمها الا أصحابها .
    ان ألقينا نظرة على علم الرياضيات فسوف يتبين لنا انه لا اجتهاد مع النص فكيف يجتهد سياسيينا ومتقفينا مع وجود دستور كل المسلمين الا وهو القرآن الكريم .
    لدي سؤال لهاؤلاء : ما معنى قوله تعالى(للذكر مثل حض الانثيين) السي المثقف السياسي المناضل لقد عرفنا كم وخبرناكم ايام الحرم الجامعي من يخالفكم فهو تكفيري متشدد.

  • MOHAMMADINE
    الإثنين 6 يناير 2014 - 01:09

    الى صاحب التعليق 2
    ما معنى علمتنا الرياضيات ………هذا هي ثقافة الكسل والجموذ….المسلمات بنص في الرياضيات تكون هم الباحثين المجتهدين الى ان يتم البرهنة عليها LE THEOREME DE FERMA A ETE ANNONCE AU 16 SIECLE ET N A ETE DEMONTRE QU EN FIN DU 20 EME SIECLE . 4 SIECLES DE RECHERCHES
    قاعدة لا اجتهاد مع النص منهج العاجزين .هل عمر الخليفة التاني لم يكن على بينة من هذا حين لم يقتدى بايات حد السرقة او نص المؤلفة قلوبهم وهو الذي نزلت كل الاحكام على رايه حسب ما يقال

  • حمزة الكتاني
    الإثنين 6 يناير 2014 - 03:36

    مقال رائع جزاك الله خيرا…فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم، من صميم الدين، بل لا يتم الدين إلا بها، كما قال عليه السلام: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"، وكلما زاد الإنسان به تعلقا، زاد رفعة ومكانة، ومن أهم مظاهر التعلق الحقيقي، اتباع أوامره واجتناب نواهيه، والتلذذ بمعرفة سيره وحديثه الشريف، وأخباره وهديه المنيف…خاصة في هذه الأيام المباركات، أيام المولد النبوي الشريف…

صوت وصورة
رسوم التسجيل تُهدد المسار الأكاديمي
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 23:00 1

رسوم التسجيل تُهدد المسار الأكاديمي

صوت وصورة
ترحيل "كاريان الرحامنة" بالبيضاء
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 21:22 4

ترحيل "كاريان الرحامنة" بالبيضاء

صوت وصورة
المقاولات وجاذبية الاستثمار
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 18:44

المقاولات وجاذبية الاستثمار

صوت وصورة
فعاليات تطالب بإلغاء عقوبة الإعدام
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 14:13 14

فعاليات تطالب بإلغاء عقوبة الإعدام

صوت وصورة
الأرصفة تتحول إلى مسارات للدراجات
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 11:07 11

الأرصفة تتحول إلى مسارات للدراجات

صوت وصورة
أزمة النقل في أورير وتامراغت
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 23:30 1

أزمة النقل في أورير وتامراغت