غرام موسم القيظ

غرام موسم القيظ
الإثنين 31 مارس 2025 - 00:32

تعيدُني ذكرى أغربِ علاقةٍ غراميةٍ صادفتُها بين رجلٍ وامرأةٍ، إلى سنواتِ الدراسةِ الجامعيةِ بدايةَ فترةِ التسعينات، حينما كنتُ أذهبُ رفقةَ زمرةٍ من الأصدقاءِ يوميًا وجهةَ أحدِ الأحياءِ العصريةِ الراقيةِ، البعيدةِ نسبيًا عن أحيائنا العتيقةِ بين دروبِ مراكشَ العتيقةِ، بحثًا عن أجواءِ الهدوءِ والتركيزِ ورونقِ الأزقةِ الأوروبيةِ الشاعريةِ، قصدَ إنعاشِ الذاكرةِ، وبثِّ الروحِ في شرايينِ القلوبِ الكليلةِ؛ لكن أساسًا التحضيرِ لامتحاناتِ نهايةِ الموسمِ الجامعي.

بدأَ التقليدُ محتشِمًا، أرساهُ طلبةٌ آخرونَ قبلَ فترةِ جماعتِنا بأعوامٍ، وأعطتِ التجربةُ أُكُلَها ثم انسابَ صداها داخلَ الوسطِ الجامعيِ حتى صارَ عُرفًا معتادًا، بحيثُ تصيرُ الزوايا والأركانُ المجاورةُ لفيلاتِ بعضِ أثرياءِ المدينةِ، قِبلةً موسميةً لطلبةٍ فقراءَ من أعماقِ المدينةِ القابعةِ داخلَ السورِ التاريخيِ، حينَ يقتربُ موعدُ الاختباراتِ وهم يراهنونَ بكلِّ جوارحِهم على اجتيازِ المرحلةِ بسلامٍ، قصدَ إنجازِ الانتقالِ المأمولِ في مسارِ حياتِهم، بهدفِ تحقيقِ الارتقاءِ الطبقيِّ المأمولِ؛ ولو في حدوده الدنيا بعدَ سنواتٍ من الكدِّ والصبرِ والانتظارِ.

في غضونِ تلك اللقاءاتِ، تجري مناقشاتٌ فكريةٌ متنوعةٌ تشكلُ أحيانًا امتدادًا ضمنيًا للحلقاتِ النقابيةِ الفصائليةِ الملتئمةِ أوصالُها يوميًا وسطَ الحرمِ الجامعيِ، كي تناقشَ بجرأةٍ المحظوراتِ السلطويةِ الكليانيةِ السياسيةِ والدينيةِ، وتصدحَ بشعاراتٍ جذريةٍ تُجابهها غالبًا تدخلاتٌ أمنيةٌ قويةٌ، تخلِّفُ في غضونِ ضرباتٍ سريعةٍ ضحايا وأحيانًا قتلى، ثم تعودُ تكتيكيًا الأصواتُ إلى مكامنِ جحورِها، كي تستعيدَ سبيلَها ثانيةً بكيفيةٍ أو بأخرى، حسبَ مقتضياتِ ودواعي مكانٍ عموميٍ ينتمي لفضاءٍ آخرَ غيرِ أسوارِ الكليةِ.

حينها، تتحققُ صداقاتٌ جديدةٌ، كما تنعقدُ أولى بواكيرِ غرامياتٍ انتهى بعضُها بالزواجِ فعلًا، بعدَ نهايةِ حقبةِ التحصيلِ الجامعيِ، وأحيانًا قبلَ تأمينِ الدخلِ المادي المأمولِ؛ عبرَ الانتماءِ غالبًا إلى أسلاكِ الوظيفةِ العموميةِ.

هكذا، ارتبطَ إبراهيمُ وعائشةُ بعلاقةٍ غراميةٍ مفارقةٍ في حقيقةِ مقوماتِها، متباعدةٍ بين طرفي الثنائيِ شكلًا ومضمونًا، سواءٌ من ناحيةِ المزاجِ والطبيعةِ أو نوعيةِ الاهتماماتِ، بحيثُ انطبقَ على حكايتِهما -كما استخلصَ تقييمُ الأصدقاءِ- المثلُ المغربيُ الدارجُ: “إذا رأيتَ اثنينِ متآلفينَ تمامًا، فاعلمْ أنَّ ميزانَ الضغطِ يقعُ على كاهلِ أحدهما دونَ الثاني”، أو حسبَ قواعدِ اللغةِ العربيةِ: “إذا التَقى ساكنانِ يُحذفُ أحدهما”.

لم تكنْ علاقةً متوازنةً، وتجلَّى بوضوحٍ أنَّ إبراهيمَ قد أمسكَ زمامَ الأمورِ إمساكًا، ووجدَ ضالَّتَه أخيرًا بعدَ انتظارٍ طويلٍ، بحيثُ صارتْ عائشةُ هاجسَ هواجسِ يومياتِه، لا يفارقُ ظلَّها أو ينسابُ حديثٌ ثانٍ على لسانِه غيرَ حديثِه عنها: قصصُ عائشةَ داخلَ البيتِ والكليةِ، واستثنائيةُ شخصيتِها، رغمَ ملاحظةِ العيانِ دحضَ سلوكاتِ الفتاةِ من خلالِ تصرفاتِها العدوانيةِ جراءَ أدنى مناوشةٍ، مما يهذي به إبراهيمُ العاشقُ المتيَّمُ.

أطلقتْ شلةُ الأصدقاءِ على الثنائيِ نعتَ “حبٌّ في صَقَر”، أو باللهجةِ المحليةِ “حبٌّ في تِقِّيقت”. تشيرُ كلمةُ “تِقِّيقت” لدى ساكنةِ مراكشَ إلى أوجِ قيظِ يومياتِ فصلِ الصيفِ خلالَ وقتِ الظهيرةِ أساسًا، بحيثُ توشكُ المدينةُ على الاحتراقِ نارًا فتكادُ تغدو مرتعًا فقط لأشباحٍ هلاميةٍ بين الثانيةِ عشرةَ ظهرًا والخامسةِ مساءً. لا أحدَ بوسعِه التحركُ خارجًا واحتمالُ الذوبانِ تحتَ خيوطِ أشعةِ شمسٍ في أوجِ ضراوتِها، سوى من اضطُرَّ إلى ذلك اضطرارًا؛ لداعٍ أشبهَ بوضعِ السيفِ على الرقبةِ.

غيرَ أنَّه، ضدًا على مجرى التيارِ وممكناتِ تحملِ الطبيعةِ، لا تحلو لقاءاتُ إبراهيمَ وعائشةَ إلا أثناءَ تلك الفترةِ بالضبطِ، ضمنَ تحدٍّ بطوليٍّ لهيبِ الشمسِ الحارقِ، ويستمرُّ تجوالُهما الطويلُ متشابكيَ اليدينِ لكن صامتينَ تمامًا كما أدلتْ مختلفُ الاعترافاتِ. يسيرانِ ثم يسيرانِ، خلالَ فترةٍ زمنيةٍ غيرِ ملائمةٍ بتاتًا لإمكانيةِ تحديدِ مواعيدَ لقاءاتٍ سواءٌ غراميةٍ أو غيرِها، بل هي أقربُ إلى صيغةِ انتحارٍ مقصودٍ، لا سيما وأنهما ينتميانِ لأهلِ المدينةِ الأصليينِ ويعرفانِ أجواءَها جيدًا، وليسا بسائحينَ مضطرينَ لاكتشافِ خبايا فضائِها على وجهِ السرعةِ تحتَ ضغطِ زمنِ الرحيلِ.

كنا نشعرُ باستغرابٍ شديدٍ حيالَ هذا التسكعِ السورياليِّ الصامتِ، في وقتٍ يكادُ يشبهُ الانغماسَ عمدًا وسطَ جهنمَ، لذلك أضافَ الأصدقاءُ أوصافًا ساخرةً أخرى على هامشِ العنوانِ الرئيسيِّ “حبٌّ في تِقِّيقت”، مثل: “جاهليةُ القرنِ العشرينِ” (إحالةً على مناخِ الجزيرةِ العربيةِ مع شعراءِ الفترةِ الجاهليةِ الذين اشتهروا بغرامياتٍ من هذا القبيلِ)، “عاشقانِ من نار”، “قلبانِ لن يحترقا”، “لا يفلُّ الحرارةَ غيرُ حرارةٍ أشدَّ منها”، “غرامُ الفيافي”… معانٍ من هذا القبيلِ استفزتْ ضحكَنا بجنونٍ دونَ جعلِهما يشعرانِ بتداعياتِ هذا الاغتيابِ المتنامي بين أعضاءِ الجماعةِ، وقد أجمعوا على عدمِ معرفتِهم سلفًا بتجربةٍ غراميةٍ مشائيةٍ شبيهةٍ.

قال أحدُهم:

  • “حتى عنترةُ بنُ شدادٍ بشحمِه ولحمِه وفحولتِه، لن يتحملَ وقعَ المشيِ طويلًا خلالَ قيظِ صيفِ مراكشَ، ذروةَ الزوالِ، ماسكًا بيدِ حبيبتهِ عبلةَ، والأفظعُ عدمُ تبادلِ أطرافِ الحديثِ”.

تستطردُ أخرى وقد تقطَّبَ حاجباها الكثانِ، مع شعراتٍ زائدةٍ رسمتْ شاربًا ذكوريًا على محياها، يكادُ يجهزُ على ما تبقى من أنوثتِها جراءَ الإهمالِ والهمِّ والجفافِ العاطفيِّ:

  • “لا أعرفُ ما الذي جعلَه مخبولًا بأختِنا حدَّ افتقادِه كلَّ إحساسٍ بحرارةِ الطبيعةِ، ربما لأنَّ حضورَها باردٌ وفاترٌ دونَ حرارةٍ تذكرُ، جعلَ المسألةَ ممكنةً” (قهقهاتٌ).

أحسَّ الثنائيُ المغرمُ بأنَّ قصتَهما أضحتْ موضوعًا خصبًا لملاحظاتِ الآخرينَ والتطنزِ. يبالغُ أحيانًا بعضُهم أو بعضُهنَّ في الغمزِ واللمزِ حتى تجاوزَ المسموحِ به، وإسقاطِ المشاعرِ السيئةِ على أحكامٍ افتقدتْ لحدودِ اللياقةِ المطلوبةِ.

لم يبديا أيَّ موقفٍ علنيٍّ نحوَ استهتارِ الأصدقاءِ، بل انسحبا بصمتٍ دونَ تعقيبٍ يذكرُ، ثم توقفا كليًا عن المجيءِ إلى عينِ المكانِ، مركزِ اللقاءِ، وفضَّلا منذئذٍ وجهةَ مكانٍ ثانٍ لتهيئةِ الامتحاناتِ.

بعدَ فترةٍ عن تلك الأيامِ الخوالي، وتعقبِ الصدفةِ آثارَ بعضِنا البعضِ التي صارتْ ماضيًا بعيدًا، أكدتِ الأخبارُ زواجَ إبراهيمَ وعائشةَ، لكنْ لا يزالُ دأبُهما وفيًا لأخذِ حماماتِ الشمسِ مشيًا خلالَ التوقيتِ نفسِه، ملتزمينِ قاعدةَ الصمتِ وفقَ ذاتِ المنوالِ السابقِ.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • علوان
    الإثنين 7 أبريل 2025 - 11:10

    سقروما ادراك ما سقر لا طيرا يطير ولا وحشا يسير في قر لا يمكن أن يتحمله كاءن ومع دلك كان المكان يمتليء بالطلبة صباحا ومساء ا من طلاب الجامعة والحي الجامعي
    كان ابناء مراكش يستعدون للامتحانات أما في عرضة مولاي عبد السلام أو قرب ابن عباد وكان الكل يناقش في كل شيء ولا شيء مراكش تغيرت بتغير مكوناتها وأصبحت مدينة تجمع بين الفوضى والافوضى وأنت عزيزي سعيد تعرف لا رياض العروس بقي على حاله ولا عرصة على وصالح ظل كما كان شكرا على مقالك الدي أعاد داكرتنا إلى ماضي قاسي ولكن واقع صعب

  • المصطفى الصغوسي
    الخميس 10 أبريل 2025 - 17:32

    عدت بنا إلى زمن جميل أيها الأجمل.. تحياتي والتقدير

صوت وصورة
ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 15:21

ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي

صوت وصورة
الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:37 1

الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي

صوت وصورة
فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:00 2

فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"

صوت وصورة
مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 12:50 2

مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال

صوت وصورة
استقالات وتعيينات بمجلس النواب
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 10:51 1

استقالات وتعيينات بمجلس النواب

صوت وصورة
التوقيت الميسر بين الاختيار والإجبار
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 09:05 2

التوقيت الميسر بين الاختيار والإجبار