"فاجعة آسفي" تعرّي هشاشة المنشآت الهيدروليكية أمام التقلبات المناخية

"فاجعة آسفي" تعرّي هشاشة المنشآت الهيدروليكية أمام التقلبات المناخية
صورة: هسبريس
الخميس 18 دجنبر 2025 - 04:00

قال مهندسون وخبراء بيئيون مغاربة إن فاجعة آسفي “تُنبّه إلى عدم قدرة المنشآت الهيدروليكية (من سدود وقنوات تصريف وغيرها) بعدد من المناطق المغربية على الصمود أمام الواقع الجديد الذي تفرضه التقلبات والتغيرات المناخية”، حيث “بتنا أمام ظواهر جوية قصوى، تتجلى في تهاطلات عالية الشدة في أوقات قصيرة”.

وسجّل هؤلاء الفاعلون أن “عددا من المنشآت الهيدروليكية المغربية تعتمد على بيانات ومعطيات قديمة سابقة لعصر التغيرات المناخية، وتستند إلى فترات عودة (للظواهر) غير محدّثة”، مؤكدين “أهمية تشديد دفاتر التحملات في هذا الجانب، من خلال استناد الدراسات إلى توقعات مستقبلية ومراعاتها للتغيرات المناخية، مع تحديث المعايير التقنية”.

وكان المدير الإقليمي للتجهيز والماء بآسفي، عبد الرحيم تناس، قد صرّح لوكالة المغرب العربي للأنباء بأن قناة صرف مياه الأمطار بمشروع تقوية جرف أموني كانت مفتوحة (خلال الفيضانات) وتعرف سريان المياه بشكل طبيعي.

“منشآت عاجزة”

أنس منصوري، مهندس متخصص في الهندسة القروية، قال إن “الفيضانات التي اجتاحت آسفي لا يجب أن يُنظَر إليها كحادثة معزولة، بل هي إنذار واضح بأن البنيات التحتية، أساسا المنشآت الهيدروليكية، لم تعد قادرة على حماية أرواح المغاربة”، مضيفا أنها “تقتضي من الدولة الانتقال من منطق رد الفعل على الكارثة إلى منطق الوقاية والاستباق العلمي”.

وأوضح منصوري، في تصريح لهسبريس، أن “فاجعة آسفي تؤكد وجود إشكالية بنيوية خطيرة تعاني منها مجموعة من المناطق المغربية، تتمثل في عدم تأقلم منشآت التصريف الهيدروليكي مع الارتفاع غير المسبوق في حدة التساقطات المطرية، الناتج عن التقلبات المناخية”.

وأضاف المهتم بمجال المنشآت الهيدروليكية الباحث السابق بالمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) أن “أغلب شبكات الصرف وقنوات تصريف المياه في غالبية المدن المغربية، وضمنها آسفي، تمّ تصميمها اعتمادا على معطيات وبيانات مناخية قديمة تعود إلى خمسينات وستينات القرن الماضي حين لم يكن مشكل التغيرات المناخية مطروحا”.

ويرى منصوري أن “هذه مسألة خطيرة؛ لأن هذه المعطيات كانت تفترض تساقطات منتظمة وضعيفة، في حين إنه في عصر التغيرات المناخية بتنا نتحدث عن تساقطات مطرية ‘عالية الشدة’ تتساقط في وقت قصير؛ إذ قد تتهاطل 100 مليمتر في غضون ثلاث ساعات فقط”، موردا أن “هذا النوع من الأمطار يتجاوز القدرة الاستيعابية للمنشآت الهيدروليكية بالمغرب”.

ولفت إلى أن “هذه المنشآت تم الشروع في إعادة هيكلتها منذ بداية القرن الـ21، لكنها لم تأخذ بعين الاعتبار عنصر التغيرات المناخية”؛ إذ “اعتمدت على فترة عودة La période de retour)) غير محدّثة”. ويقصد بـ”فترة العودة” في هذا المجال، المدة الزمنية المتوسطة إحصائيا التي يحتمل أن يتكرر خلالها حدث ما، مثل فيضان أو أمطار غزيرة، بشدة معينة.

وشدد منصوري على ضرورة أن “يحرص أصحاب المشاريع على إدراج الاعتماد على فترات عودة محدثة ضمن شروط التحملات الخاصة بالمنشآت الهيدروليكية”، مؤكدا “ضرورة تحديث المعايير التقنية للتصريف الهيدروليكي، واعتماد شدة تساقطات مستقبلية وليس حالية فقط، وفرض دراسات هيدرولوجية دقيقة تستحضر التغيرات المناخية قبل مباشرة أي مشروع”.

ولم يفت الباحث في تصريحه الإشارة أيضا إلى مسؤولية “ضعف صيانة الشبكات الحالية وانسدادها، وأيضا التوسع العمراني غير المراقب فوق مجاري المياه الطبيعية” في فواجع الفيضانات.

“استراتيجيات للتحديث”

مصطفى بنرامل، خبير بيئي، قال إن “البيانات الميدانية تشير إلى أن السدود والسدود الصغيرة وشبكات تصريف مياه الأمطار في المدن الكبرى لم تكن دائما قادرة على استيعاب التساقطات المفاجئة والعنيفة”، موضحا أنه “في آسفي-على سبيل المثال-تجاوزت كمية الأمطار التي هطلت خلال ساعات معدودة قدرة القنوات والمجاري المائية على التصريف، مما أدى إلى فيضانات واسعة ألحقت أضرارا بالبيوت والبنية التحتية الحيوية”.

وأضاف بنرامل، في تصريح لهسبريس، أن “هذا الواقع يعكس محدودية تصاميم منشآتنا الحالية في مواجهة ‘الظواهر الجوية القصوى’ التي تتزايد وتيرتها بفعل التغيرات المناخية”، مشيرا إلى أن “النمط المناخي المتقلب وغير المنتظم، الذي يجمع بين موجات جفاف حادة وتساقطات مطرية عنيفة في فترات قصيرة، يضع ضغوطا إضافية على المنشآت الهيدروليكية، التي غالبا ما صممت في القرن العشرين اعتمادا على معدلات سنوية مستقرة للأمطار”.

وشدد الخبير عينه على أنه “ينبغي على المغرب أن يعتمد استراتيجيات تحديث للبنية التحتية الهيدروليكية تشمل زيادة قدرة السدود وقنوات التصريف لاستيعاب كميات أكبر من المياه خلال الفيضانات المفاجئة”، و”استخدام تقنيات مبتكرة كالسدود المرنة، والحواجز المؤقتة، وأنظمة الإنذار المبكر”، و”إدماج مخاطر التغيرات المناخية في التخطيط الحضري لضمان عدم بناء المساكن أو البنى التحتية في مناطق معرضة للفيضانات”، فضلا عن “تعزيز صيانة الشبكات الحالية”.

ومع ذلك، يرى بنرامل أن “إعادة تصميم المنشآت ليست كافية بمفردها، بل يجب أن تترافق مع برامج توعية وحلول مبتكرة لمشاركة المواطنين في حماية ممتلكاتهم والحد من الخسائر”، كما أن “تطوير نظم مراقبة دقيقة للتساقطات والفيضانات وربطها بآليات استجابة سريعة، يمكن أن يقلل بشكل كبير من الأضرار البشرية والمادية”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • 0000
    الخميس 18 دجنبر 2025 - 04:47

    سئمنا من الكلام الذي لا يجدي . هل من مراقبة مستمرة و موسمية للمنشآت و البنيات التحتية .
    حتى لو قدر الله لن تكون المأساة بهذه الحدة . لعبور الطريق علينا الإنتباه و لا نغمض عينينا ،
    حتى إن وقعت حادثة فوق طاقتنا فإننا لا نلام على وقوعها ، و من يدري قد نسمع غداً بإنهيار سد ،
    سببه عدم المراقبة و الصيانة . هاد شي بزاف .

  • يوسف ب
    الخميس 18 دجنبر 2025 - 07:09

    ينبغي ان تكون لنا مكاتب الدراسات جد محنكة تعمل بصدق وصرامة تتكون من مهندسين ومعمريين وطنيين بمعنى الكلمة على الصعيد الوطني كله ، لتجنب حدوث مثل هده الكوارث التي هزت بلادنا خلال الأيام المنصرم فاجعة اسفي وفاس أضف انهيار عمارة المحمدية .
    وفوق كل هدا فالانسان ياخد بالاسباب والكمال لله سبحانه وتعالى

  • متتتتبعة
    الخميس 18 دجنبر 2025 - 08:50

    كارثة اسفي حسب ما يقوله المسفويون وحسب مارأوه أن عند تهيئة الميناء قلصت مساحة مصب الواد الشعبة في البحر بناو خرسنات في مجرى مصب الواد وهذا ماقاله كذلك بعض المهندسون.هذه الكارثة ليست طبيعية فانها كارثة بفعل فاعل. عمل غير متقن وجب محاسبة الشركة المسؤولة عن تهيئة الميناء وكذلك المسؤولين على القطاع والسلطات المحلية التي لم تتابع الاعمال في الورش ولم تنبه المواطنين ولم تقوم بتطهير المجاري.

  • benha
    الخميس 18 دجنبر 2025 - 10:50

    ان الكوارث يصعب التنبؤ بها لان تكون غالبا مفاجءة و في اماكن لن تخطر لاحد على البال ، فمن كان ينتظر ان يقع ما وقع في اسفي ، فلو كان الانسان يعرف ماذا سيقع لاتخذ جميع التدابير لتفاديه ، ولكن هذا لا يعفي من اتخاذ الاحتياطات اللازمة ، و توقع الاسوا داءما ، فقد قيل : لي خاف نجا ، و يقال ان الحذر لا يرد القدر و لكن قد يخفف منه ، علينا ان نتخذ التدابير اللازمة قبل وقوع الحدث ، ولا ننتظر حتى تقع الكارثة اذ ذاك نتبادل التهم ، فكثيرا ما يكون الجميع مسؤولا سواء بالاهمال او اللامبالاة …، فحتى المواطن لا يستثنى من ذلك ، فبعض سلوكات و تصرفات المواطنين غير المسؤولة تساهم في كثير من الحوادث والكوارث ، فعدم احترام قوانين السبر مثلا يساهم في الحوادث ، رمي الازبال و النفايات و المتلاشيات غي اي مكان او التخلي عنها ، خاصة في الو ديان و مجاري المياه قد يؤدي الى ذلك ، اهمال تنظيف المجاري بكل انواعها من شانه ان يتسبب في ذلك ، عدم تنظيف الاوراش من مخلفات العمل يكون سببا كذلك ، كما يجب مراقبة المجاري باستمرار و تنظيفها ، و يجب مراقبة السدود القديمة بالخصوص حتى لا تفاجءنا بما لا تجمد عقباه .

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة