فاس

فاس
السبت 22 غشت 2026 - 21:15

عندما تعنون الفاكهة المكان

تتخفى في أعماق فاس العتيقة جغرافية أنيقة صاغتها الطبيعة قبل أن يخطها الحجر؛ جغرافية احتفظت بأريج البساتين وعراقة الجنان التي كانت تطوق الأسوار وتتخلل الدور. فقديماً، وقبل اعتماد أرقام العناوين والتخطيط الحديث، كان سكان فاس يستدلون على أحيائهم بظلال شجرة معمرة، أو عرصة ناضجة الثمار، لتتحول الفواكه من مجرد محاصيل زراعية إلى عناوين دائمة للمكان والذاكرة.

أبواب تفتح على خضرة الجنان

تتجلى هذه الهوية النباتية مبكراً على أطراف المدينة العتيقة؛ فـ«باب الزيتون» بشرق فاس يقف شاهداً على بساتين الزيتون الدهرية التي كانت تحيط بعدوة الأندلس، بينما يرتفع «باب الخوخة» بالعدوة الشرقية مستمداً اسمه من حقول الخوخ الفواحة التي كانت تتمدد خارجه، لتكون هذه الأبواب الحجرية ثغوراً يمتزج فيها هواء الجنان بنسيم الدروب العتيقة.

دروب وأزقة تزهر بالثمار

حين يتغلغل العابر في أحشاء فاس، يجد الدروب والأزقة قد تسربت إليها أسماء الثمار؛ فـ«درب مشماشة» ارتبط بشجرة مشمش معمرة كانت تظلل عطفته، و«درب التوتة» يحكي قصة الجنان التي غذت أوراقها دودة القز لتغزل حرير فاس الشهير. وفي «زقاق الرمان»، تتراءى صور العراص التي تزينت برؤوس الرمان الياقوتية متدلية فوق الأسوار، بينما يمتد «درب اللوزة» مذكراً بأشجار اللوز التي كانت تتوسط الحارات، ويظلم «درب العنب» بتكاعيب ودوالي العنب المعروشة بين السطوح والدور.

ولعل أبين الأمثلة على هذا التمازج العمراني واللغوي المبكر هو حي «أݣزام برقوقة» بالعدوة العليا؛ إذ تعني كلمة «أݣزام» بالأمازيغية «البستان»، لتخلد التسمية عرصة البرقوق القديمة التي تحولت مع الامتداد العمراني إلى حومة سكنية عريقة تنطق بحصافة التراث الفاسي.

رحاب وسويقات واعدة بخيرات الشجر

ولم تقف الفاكهة عند حدود الأبواب والدروب، بل امتدت إلى قلب المنظومة الاقتصادية للمدينة؛ إذ تشهد «رحبة الزبيب» على ذلك الاتساع التجاري المتخصص قديماً في تجميع المواد الجافة من زبيب وتين ومكسرات مجلوبة من بساتين أحواز فاس وسايس والريف. وعلى مقربة من حركة الأسواق، تتألق «سويقة الكرمة» كموضع تجاري مصغر كان يختص ببيع التين الطازج والمجفف القادم من الجنان المجاورة، لتشكل هذه الأسواق نسيجاً غذائياً وثقافياً ارتبط بأعرق الأطباق الفاسية كالمروزية والكسكس المعسل.

فواكه فاس في وثائق الرحالة

لم تنحصر فرادة فواكه فاس ومياهها في التراث المحلي، بل خُلدت في وثائق وتقارير الزوار والشخصيات الأجنبية؛ حيث تُحضرنا شهادة تاريخية مدونة للرحالة والجاسوس الإسباني الشاب دومينغو بَادِيا يِ لِيبْلِيخْ (Domingo Badía y Leblich)، الذي دخل فاس بداية القرن التاسع عشر (1803-1805م) متنكراً في صفة أمير عثماني باسم «علي باي العباسي» وحظي باستقبال رسمي من البلاط السلطاني.

وقد دَوّن «علي باي» في تقاريره ومذكراته انبهاراً كبيراً بمياه فاس وبساتينها المترامية الأطراف التي تطوق الأسوار، وكتب يصف جودة ثمارها ومياهها الاستثنائية قائلًا ما معناه:

​« La rivière qui traverse la ville se divise en plusieurs bras, qui fournissent de l’eau à toutes les maisons et aux jardins… La ville de Fez est entourée d’une grande quantité de jardins qui produisent des fruits d’une excellente qualité et en grande abondance, tels que des figues, des grenades, des pêches, des raisins, des melons et des olives. La bonté des eaux et la fertilité du sol y rendent la végétation très-vigoureuse. »

“تتمتع فاس بمياه جارية لا تنقطع، وتخترق جداولها الدور والجنان. أما بساتينها الممتدة خارج الأسوار فتنبت أجود أنواع الفواكه التي لم أذق مثلها حلاوةً ووفرة، ولا سيما التين، والرمان، والخوخ، والعنب، والزيتون، حيث تعطي الأرض ثماراً غزيرة بفضل عذوبة المياه وخصوبة التربة.”

شاعرية المكان في عيون الأدباء والشعراء

كما كانت هذه الأسماء ملهمة لكبار الشعراء؛ فقد أشاد لسان الدين بن الخطيب بجنان فاس وثمارها قائلاً:

” بَلَدٌ حَباها اللهُ كُلَّ فَضيلَةٍ … فَبِها الجِنانُ زَكِيَّةُ الأَثَمارِ

وَالماءُ يَطْرُدُ في خِلالِ رِياضِها … وَالزَّهْرُ يَبْسُمُ عَنْ نَضِيرِ بَهارِ”.

وخلّد الشاعر ابن الأَبّار الأندلسي منظر البساتين المتاخمة لأسوار فاس:

“فاسٌ الّتي كَسَتِ البَسَاتِينُ سُورَها … زَهْراً يَضُوعُ وَأَغْصَاناً دَوانِيَا”.

وعلى هذا النهج، خصّ الشاعر الفاسي المعاصر محمد السرغيني هذه التسميات بفرادة خاصة؛ حين قطف بأسلوبه الحداثي الرمزي «فواكه فاس السبع» (زقاق الرمان، رحبة الزبيب، درب مشماشة، درب التوتة، باب الخوخة، باب الزيتونة، وأجزام برقوقة)، محولاً أزقة المدينة العتيقة من مجرد حجارة وأزقة إلى رمزيّة ثقافية ووجدانية ناطقة بذاكرة التاريخ.

إن دروب فاس العتيقة ورحابها المسماة بأسماء الفواكه ليست مجرد حارة أو زقاق، بل هي وثيقة حيّة تؤكد كيف طوع الفاسيون طبيعة أرضهم وجنانهم، لتظل الفاكهة – حتى بعد اندثار الأشجار – عنواناً يُهتدى به على أصل المكان وجماله.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • الشيخ المغيلي
    الأحد 23 غشت 2026 - 16:16

    يا فاس حيّا الله أرضك من ثرى
    و سقاكِ من صوب الغمام المسبل

  • الأطلس الحائر
    الإثنين 24 غشت 2026 - 10:55

    مقال رائع وجميل حينما تغدو الثمار والأزهار عناوين لفاس

  • الكل في فاس
    الإثنين 24 غشت 2026 - 11:44

    نعم هذه فاس ديال زمان لتغناو بها الشعراء والأدباء، سير قلب عليها دابا، مشات ومشا معها معالم الجمال ديالها، غرناطة ليداروها توأمة مع فاس، مزال شاعلنا نقيا، لكن فاس ديال دابا ولات كتخلع.

  • MC
    الإثنين 24 غشت 2026 - 11:55

    “Except on the south side the city is surrounded by hills, interspersed with groves of orange, pomegranate and other fruit trees, and large olive gardens”
    “عدا الجهة الجنوبية، تحيط بالمدينة تلال تتخللها بساتين البرتقال والرمان وأشجار الفاكهة الأخرى، وحدائق زيتون واسعة”
    Encyclopedia Britannica (طبعة 1911م)

    “A pure oriental dream city, a labyrinth of white alleys and hidden gardens”
    “مدينة حلم شرقية خالصة، متاهة من الأزقة البيضاء والحدائق الخفية”
    Edith Wharton
    (1862-1937)

    عزيزي عبد اللطيف،
    وهكذا فعلت حين نبشتَ في دروب فاس عناوينَها الفوّاحة، فأعدتَّ للزمن رائحة المشمش في درب مشماشة، ووهج الرمان في زقاقه، وحلاوة التوتة التي غزلت حرير المجد.
    ما أجمل أن تظل المدن الألفية، كفاس والقيروان وقرطبة، شاهداتٍ على أن الإنسان حين يسمّي مكانه باسم ثمرة، فإنه يعترف بأن الأرض أمٌّ والجنان حضن، وأن العمران الحقيقي لا يبنى بالحجر فقط، بل بجذور تمتد في التربة وثمار تعلو في السماء.
    لك الشكر على هذه الجولة العطرة في فاس التي لا تزال، رغم العصرنة، تحتفظ بعبقها الأزلي كأولى جنّات الأرض.

    ALHOCEIMA

  • MC
    الإثنين 24 غشت 2026 - 11:56

    “شذراتٌ من وصف فاس”

    “I feel in love with Fez. Peace. Dignity. Humility. I have just left the balcony where I stood listening to the evening prayer rising over the white city”
    “لقد وقعتُ في حب فاس. سلام. كرامة. تواضع. لقد غادرتُ للتوّ الشُرفة التي كنتُ أقف عليها أُصغي إلى أذان المغرب يعلو فوق المدينة البيضاء”
    Anais Nin(1903-1977)
    French-born American diarist,novelist

    “I am also called the Granadan, the Fassi, the Zayyati”
    “On m’appelle aussi le Grenadin, le Fassi, le Zayyati”
    “يُدعونني أيضاً الغرناطي، الفاسي، الزياتي”
    Amin Maalouf
    (Léon l’Africain)
    (Dans les lignes d’ouverture (prononcées par son protagoniste Hasan al-Wazzan, élevé à Fès))

    “This was Fez, unalterable, indestructible Fez”
    “هذه هي فاس، فاس التي لا تتغيّر ولا تُهزَم”
    Titus Burckhardt
    (Ibrahim Azzedine after converting to Islam)
    Swiss Islamic scholar

    “A place shrouded in golden light, smelling of antiquity and mystery”
    “مكان يكتنفه نور ذهبي، يفوح منه عبق القدم والغموض”
    Pierre Loti (1889)
    (1850-1923)

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
تصوير الخيول في معرض الفرس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:24

تصوير الخيول في معرض الفرس

صوت وصورة
هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:31 1

هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:00 1

أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة

صوت وصورة
التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 18:22 8

التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب

صوت وصورة
النواب يشرعون في انتخاب الرئيس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 15:51 1

النواب يشرعون في انتخاب الرئيس

صوت وصورة
الرقمنة في خدمة مربي الخيول
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 13:42

الرقمنة في خدمة مربي الخيول