في ذِكرى رحيل الجندي .. "ولد القصور" تأريخ شعبي لنضال البسطاء

في ذِكرى رحيل الجندي .. "ولد القصور" تأريخ شعبي لنضال البسطاء
الأحد 25 مارس 2018 - 04:00

كان من المُفترض أن يخرج هذا المقال في ذكرى ارتحال ابي الحبيب محمد حسن الجندي الأولى يوم الخامس والعشرين من فبراير الماضي، ولكنني لم أجد فِيَ ساعتها لا لُغَةً تُطيعُ، ولاقلما يُطيقُ الكِتابة أو يستطيع إليها سبيلا.

أبْكَمَنِي شعورٌ لا يفهمه إلاَ من انْسَحَقَ حُزنا لا يخبو بِتعاقب الأيام ولا يَهْدَنْ لِفقدان عزيز، وَمَن أعزُ بعد الله على الولد من الوالد؟.

أتجرأ على القلم اليوم في ذكرى الرحيل الأولى لمحمد حسن الجندي لا راثيةً ولا باكية، ولكن راضيةً بأمر الله، مُحْتفية بأبٍ عظيمٍ ورجلٍ صالح وأديبٍ فذ، بالكتابة بدأ وإليها انتهى، وبين النص الأول: مسرحية “عدو المجتمع”، التي ألفها وهو لم يُجاوز العشرين، والنصِ الأخير: رواية السيرة “ولد القصور”، التي انكبَ على إخراجها بحماس وأمانةٍ مُلهِمَين خلال السنوات الخمس الأخيرة من حياتهِ الزَاخرة، بينهُما نصوصٌ ونصوص، كفصول الحياةِ تتعاقبُ تارةً هادئةً وحينًا هَادِرة.

أنصف محمد حسن الجندي جميعَ أعماله بالنقاش والتحليل والتقديم إلا “ولد القصور”، الذي أزعم أنه أعزُ مشاريعه إليه، وأبلغها أثرا في نفسه: “مِسكُ الختام” كما كان يحلو له أن يُردد في شَجَن، لأقاطعهُ أنا كل مرة ممتعضةً من “تَطَيُّرِه”، ومعترضة: “بل تلي الكتاب كُتبٌ إن شاء الله”، في نبرة واثقة تُخفي خلفها توسلا ودعاء، ليأتيني جوابه ابتسامةَ مُواساةٍ من أبٍ لابنته على فراق لا بد آت.

صدر الجزء الأول من “ولد القصور” يوم السبت 18 فبراير. كان والدي يومها في قمة سعادته، ممتنا لفضل الله الذي مد في العمر وبارك في الصحة حتى حمل وثيقته التي نُشرت على شكل مقالات أسبوعية على امتداد سنوات، وقد ضمها كتابٌ ينوي توقيعه ومناقشته في لقاءات بالرباط ومراكش وطنجة في الأسابيع والشهور اللاحقة، لولا أن أمر الله نفذ بعد سبعة أيام بالتمام، ولله الأمر.

في ذكرى رحيل أبي محمد حسن الجندي، لا أجد أبلغ من الحديث عن مِسْكِ ختامه “ولد القصور”، لتكريم قامته الفنية والأدبية العالية، خاصة وقد شرفت بمواكبة هذا الإصدار منذ أن كان فكرة تختمر، وإلى أن رأى النور مقالاتٍ على جريدة الأسبوع الصحفي أولا، ثم نصًا روائيا من أدب السيرة لاحقا. وأعلم يقينا مقدارارتباط الأديب واعتزازه بمُؤَلَفِه الذي أراده نص تأريخ وتوثيق، “فتاريخنا الذي غربلته لنا الأهواء محتاج إلى تدقيق متحرر من كل الأهواء”، كما أشار في خاتمة الفصل الأول.

وثق محمد حسن الجندي في نصه الأدبي الحي “ولد القصور” تفاصيل زمانه ومدينته بفضائيها العام والخاص، وقاطنيهما، بدقة متناهية وحرصٍ كبير قد لا يُدرك مداهما إلا من عايشها و”جايله”، كما جاء في وصف الأستاذ امحمد الخليفة في مقدمة الكتاب.

إن أبرز ما يميز نص “ولد القصور” هو تأريخه الشعبي لنضالات البسطاء من المقاومين، هؤلاء الذين لن تجدوا أسماءهم على يافطات الشوارع أو المدارس: العمالُ والتجارُ وأربابُ الحرفِ ممن كان يحلو له أن يلقبهم بـ”عْزَاوَا” (من العِزوة) مُراكش وفرسانها.

وكما كُلِ النصوصِ الأدبية المهمة، فإن “ولد القصور” يفيضُ بمواقف الضعف الإنساني، يسردها الأديب بشجاعةِ المتصالح مع تاريخه وذاته، وبشاعريةِ المتمكن من ناصية لغةٍ بسيطة غير متكلفة، كما هو دأبه دائما، ومن أدوات الحكي التي تَمَرَسَ في صياغتها وإعادة صياغتها بتفردٍ خلال سنوات عمله الطويلة بالإذاعة، أيامَ كانتِ الإذاعةُ تنتج فنا وخيالا وجمالا.

ولأن النص كُتب متفرقا في سلسلة مقالات أسبوعية بين 2012 و2017، فقد كان ـ النص ـ يتفاعل مع الأحداث المعاصرة التي كثيرا ما تُحرك دفة السرد. فكلما احتدم النقاش حول إشكاليات الهوية أو اللغة أو غيرهما، إلا واختار المؤلف التطرق لمحطة بعينها كالنفحة.

ومن هذا المذهب نَحَتَ عنوان عموده القار بجريدة الأسبوع الصحفي: “نفحات من سيرة الذات”، فنص “ولد القصور” إذن راهني وإن روى عن زمن فات.

من عجائب الاتفاق أن يكون ميلاد “ولد القصور” الكتاب، ورحيل “ولد القصور” الكاتب، في الأسبوع ذاته، لا يفصل بين الاثنين، الميلادُ والموت، إلا مقدارٌ من الزمن يسير.

لا أملك في ذكرى الارتحال إلا أن أدعو الله أن يجود على روح “ولد القصور” بالسلام والرحمة وحسن الثواب، وأن يكتُب لـ”ولد القصور” الخلود.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

18
  • الشبيهي رشيد
    الأحد 25 مارس 2018 - 04:22

    رحم الله عميد المسرح و فارس السينما و اب المسرح المغربي

  • عبد الصمد السباخي
    الأحد 25 مارس 2018 - 04:38

    الله يرحمه كان قمت الاخلاق والابداع،كنت احبه كثيرا كما جميع المغاربة واحب الصوة الذي اعطاه الله ، لله مااعطى ولله مااخذ، اللهم ادخله جنتك فانت العزبز الحكيم

  • الأزلية
    الأحد 25 مارس 2018 - 06:55

    الله يرحمو ويوسع عليه كان رجلا متميزاً عصامي ذو شخصية قوية وخامة صوتية قلّ مثيلها في العالم العربي لذا كان رحمه الله محبوبا لذا المخرجين العرب.

  • التمسماني
    الأحد 25 مارس 2018 - 07:46

    فقدنا هرما مميزا أغنى الساحة الفنية المغربية عبر عقود من الزمن. أمتعنا عبر المذياع و التلفزة و السينما.
    قرأت له كتابه الأخير فسافرت معه عبر أزقة مراكش و ضواحيها.
    أسلوب مميز و تصوير في غاية الإبداع.
    رحمه الله و أسكنه فسيح جنانه.

  • مراكشي من هامبورغ
    الأحد 25 مارس 2018 - 08:07

    الرحمة وجنات النعيم إن شاء الله العليم لعظيم من عظماء الكتابة والمسرح والإذاعة السي محمد حسن الجندي.
    حسن الخَلق والخُلق وعزة النفس تُشَم رائحتها في أعماله ومذاخلاته وفي خَلفه. حقا كما نقول في مراكش ولد الدار الكبيرة وفوق ذلك عزوا. كتاب ولد القصور إستعرته من صديق لي هنا في ألمانيا وأقسم بالله أنني أقرأه ولا أريد إتمامه . لأن الكتاب ممتع وذو قيمة جميلة لا أريد أن تنتهي متعتي وإستمتاعي به. الكتاب أخذني لطفولتي وعائلتي ودروبي والسمارين والعطارين وباب فتوح و…..الكتاب أعاد إلي ذاكرتي ووثقها رغم أنني لم أتجاوز 42 من عمري عشت تقريبا نصفها خارج المغرب.
    الرحمة لعزوا الأدب الجميل والفن الراقي والسلام لخلفه الراقي والدليل أنهم وسرقوا منه الرقي هذا المقال المكتوب بلغة وفيه أفكار في غاية الذوق.
    والسلام

  • العبدى
    الأحد 25 مارس 2018 - 08:07

    اتمنى ان احصل على نسخة من الكتاب لهدا المناظل الوطنى الفد موثق الاحداث رحمه الله و اسكنه فسيح جناته.

  • فنان و كاتب خلوق
    الأحد 25 مارس 2018 - 08:12

    رحم الله الفنان و الكاتب المغربي المبدع الخلوق ولد القصور محمد حسن الجندي و أمواتنا من الوالدين فكما قلت أختي موت الأب أو الأم شعورٌ لا يفهمه إلاَ من انْسَحَقَ حُزنا لا يخبو بِتعاقب الأيام ولا يَهْدَنْ لِفقدان عزيز، وَمَن أعزُ بعد الله على الولد من الوالد؟ جعلنا الله و إياك خلفا لخير سلف و ثقي بي أختي لن ننسى أبا شاركناك فيه و نحن أطفال بسماع صوته القوي الشجي و فصاحة لسانه في الراديو وقت السحور في رمضان.

  • weld merrakech
    الأحد 25 مارس 2018 - 09:32

    salutations à un pillier de la culture marrakchis dans le tissus intellectuel marocain. je suis de la géneration des merrakchis qui étaient fiers de tous les welad merrakch à cette époque dans la scéne marocaine, Famille joundi, Belkass, belwezir…..allah yerhmhom oulah ytewel f3mrhom.
    un merrakchi du pays Gris et longue vie à Marrakech

  • Azozi jalil
    الأحد 25 مارس 2018 - 10:24

    اللهم ارحمه يارب العالمين وأسكنه فسيح الجنة بجوار الشهداء والصالحين والأنبياء والمرسلين.
    سيبقى الراحيل خالدا بقلوبنا رغم رحيله عنا لأنه ظل فارسا على صهوة الفن الهادف بمداد القلم رغم تقلب الزمان حتى أخر فصل من سيرته ولد القصور

  • مغربي قديم
    الأحد 25 مارس 2018 - 13:00

    رغم ضياع أرشيف التلفزة المغربية فإن الذاكرة لم تضع وقد تسترجع المبدع الكبير محمد حسن الجندي في الكثير من الأعمال بين 1966 و 1986 كان دائما حاضرا في هذه المؤسسة الإعلامية الوطنية. شباب اليوم لا يذكره سوى بالعمل الإذاعي الشهير "الأزلية" أو بعض الأفلام مثل "القادسية" أو "الرسالة" أو "بامو" أو بعض المسرحيات الموثقة بالصورة. لكنهم يجهلون أعماله الكثيرة بين الفترة المذكورة. تمثيليات تلفزية، مسرحيات سهرات حوارات تلفزيونية إلى غير ذلك. رحم الله هذا العلم البارز من أعلام الفن والإبداع وغبطتي لك يا ابنة هذا الرجل الجميل لأنك من هذا الأصل الطيب.

  • عابر
    الأحد 25 مارس 2018 - 14:04

    هؤلاء هم مفكرونا ومتقفونا الدين يجب أن يقتدى بهم وبفنهم النضيف والنبيل .اما من يخرج علينا اليوم امتال امي تمردت على الحجاب ونهايةاسطورة والقائمة طويلة فمجرد ابواق ومزامير مدسوسة ومدفوعة الاجر لاتعرف عن التقافة الا الرسم وعن الفن الاالاسم.
    رحم الله محمد حسن الجندي وبارك الله في عبد الله كي يتم المسير والسلام

  • غير دايز
    الأحد 25 مارس 2018 - 14:57

    هاد الراجل كان عزيز
    ماهو من العائلة
    ولا من الحي
    و لا حتى من القبيلة
    كان صوتو وصورتو وكلامو يمثل علامة قف واستمع وتمعن في هرم من اهرام الادب العالمي
    صوتو ف الاذاعة وصورتو فالتلفزة يدلك على انك امام شخص ماشي عادي يدل انك امام العملاق محمد حسن الجندي الفنان الاديب لي تقدر تسمع منه فائدة او تستمتع منه بقصة او تاخذ منه عبرة
    الله يرحمو رحمة واسعة

  • يوسف بودريقه
    الأحد 25 مارس 2018 - 16:17

    كان لي الشرف انني اعرف هذا الفنان الرائد عن قرب بحكم الصداقه التي تجمعني بابنه الحاج حسن كنت يوما بمنزلهم ودار حديت بين الاب والابن عن عرض من ليبيا من اجل تصوير دور في فيلم المده شهر المبلغ اللذي قدم له 140.000 درهم المرحوم محمد حسن الجندي رفض العرض جمله وتفصيله كون ان السيناريو ليس في المستوى اما المال كان اخر شيئ بالنسبه اليه….

  • سعيد
    الأحد 25 مارس 2018 - 21:18

    رحم الله وحش الفلا في مسلسل سيف بن ذي يزن كانت اياما جميلة وصوته رحمه الله يزيد الشوق وانتظار جل أعماله.

  • عبداللطيف المغربي
    الإثنين 26 مارس 2018 - 00:59

    حسن الجندي رحمة الله عليه عملاق من عمالقة المسرح والسينما داخل المغرب وخارجة.كان رحمة الله عليه محبوبا لتواضعه ولانسانيته.من جهة اخرى لا زلت اتذكر انه كان ضيفا على التلفزة المغربية في احد البرامج الثقافية اواخر الثمانينات.وحين فتح خط الهاتف للمشاهدين الذين نوهوا بالراحل اجهش رحمه الله بالبكاء.نعم هذا هو حسن الجندي رحمة الله عليه هرم من اهرامات السينما والمسرح.افتقداك.ولكن روحك لا تزال بيننا.فنعم الرجل الثقي المتدين.يرحمه الله.وتحية مني الى اسرته كبيرا وصغيرا وخاصة نجله انور الجندي اطال الله في عمره وبارك له في اعماله.

  • بن ناصر
    الإثنين 26 مارس 2018 - 08:02

    رجل ماأتى به زمان دنبه أنه كالنخلة لا يطئطئ رأسه نفتقده كثيرا

  • Hamza chahiri
    الإثنين 26 مارس 2018 - 13:43

    لولا الجندي…لما عرفت مراكش
    واحد من أهرام الساحة الفنية المغربية و العربية

  • مغربي قديم
    الخميس 5 أبريل 2018 - 09:12

    يمكنكم الرجوع إلى المسلسل السوري "الخنساء" لتتعرفوا على الأداء الرائع لمحمد حسن الجندي في دور "صخر"

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 3

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان