قصر البحر في آسفي .. أيقونة تنتظر مبادرات تثمين الموروث التاريخي

قصر البحر في آسفي .. أيقونة تنتظر مبادرات تثمين الموروث التاريخي
صور: هسبريس
الجمعة 13 دجنبر 2024 - 05:00

يعد قصر البحر في مدينة آسفي من أبرز المعالم التاريخية التي تجسد الحقبة البرتغالية في المغرب وتأثيراتها البحرية، خاصة أن مدينة آسفي تقع على الساحل الأطلسي وكانت منذ القدم محطة استراتيجية مهمة بفضل موقعها الجغرافي المميز، وتعتبر شاهدة على التفاعلات التاريخية بين المغرب والقوى الأوروبية، وعلى رأسها البرتغال التي احتلت المدينة في بداية القرن السادس عشر.

يعود تاريخ بناء قصر البحر إلى سنة 1508 ميلادية، عندما احتل البرتغاليون مدينة آسفي، حيث في تلك الفترة كانت أوروبا تعيش حقبة من التوسع البحري والاستكشافات الجغرافية، وكانت القوى الأوروبية تتنافس للسيطرة على الموانئ الاستراتيجية على طول السواحل الإفريقية.

وحسب الروايات التاريخية، فإن البرتغاليين، الذين كانوا من أوائل رواد الاستكشاف البحري، استهدفوا سواحل المغرب لأسباب عدة، أبرزها تأمين طرق التجارة البحرية مع إفريقيا جنوب الصحراء والبحث عن موارد جديدة.

قام البرتغاليون بتشييد قصر البحر في موقع استراتيجي يطل مباشرة على المحيط الأطلسي، وكان الهدف الرئيسي من بنائه تأمين الحماية للمدينة التي أصبحت ميناء مهما لتجارة البرتغاليين. وفي هذا الصدد، قال عبد الصمد المسفيوي، أحد المهتمين بتاريخ مدينة آسفي، إن الميناء كان يشكل نقطة عبور رئيسية للتبادلات التجارية بين أوروبا وإفريقيا، حيث يتم شحن السلع مثل الذهب، التوابل، العبيد والموارد المحلية المغربية كالمعادن والجلود.

وأضاف المسفيوي، في تصريح لهسبريس، أن البرتغاليين كانوا يسعون من خلال بناء القصر إلى تعزيز نفوذهم العسكري في المنطقة، وذلك عن طريق إنشاء حصن قوي يحميهم من هجمات القوى المنافسة وكذلك من مقاومة السكان المحليين.

تم تصميم القصر ليكون حصنا منيعا، إذ يتميز بجدرانه السميكة وأبراجه الدفاعية التي تطل على البحر، مما جعله قاعدة عسكرية هامة، وفق المسفيوي، الذي أكد أن هذا التصميم مكن البرتغاليين من مراقبة أي تحركات بحرية قد تهدد وجودهم أو مصالحهم في المدينة، مبرزا أن القصر كان يوفر لهم أيضا حماية من أي هجمات محتملة تأتي من البر، وبالتالي كان يشكل جزءا أساسيا من استراتيجية الدفاع البرتغالية في المغرب.

أما بالنسبة لتسمية “قصر البحر”، فقد أجمع عدد من المهتمين بتاريخ هذه المدينة أن هذه التسمية تعود إلى الموقع الاستراتيجي للقصر المطل مباشرة على البحر، حيث كان يبدو وكأنه جزء من البحر، مما جعل السكان المحليين يطلقون عليه هذا الاسم، مؤكدين أن هذا الموقع البحري أضفى على القصر طابعا خاصا، إذ كان يمثل واجهة المدينة البحرية ويعكس أهمية البحر بالنسبة للبرتغاليين الذين اعتمدوا عليه بشكل كبير في توسيع نفوذهم وتجارتهم.

في تعليقه على الموضوع، ذكر بناصر الهاشيمي، أستاذ باحث في تاريخ مدينة آسفي، أن قصر البحر ليس مجرد حصن عسكري فقط، بل هو رمز لتاريخ آسفي وتفاعلها مع القوى الأوروبية في تلك الفترة، مضيفا أن القصر يمثل أحد الشواهد الحية على الحقبة البرتغالية في المغرب، حيث كان جزءا من شبكة الحصون والموانئ التي أنشأها البرتغاليون على طول الساحل الإفريقي، مبرزا أن قصر البحر، رغم كونه منشأة عسكرية في الأصل، إلا أنه أصبح اليوم رمزا ثقافيا وسياحيا يعكس تاريخ المدينة العريق.

وأضاف الأستاذ بناصر الهاشيمي، في تصريح لهسبريس، أن قصر البحر اليوم يمثل جزءا من الهوية الثقافية لمدينة آسفي، إذ يروي قصة تاريخية عن تفاعل المغرب مع القوى الأجنبية، كما أن القصر، الذي صمد لقرون عديدة، يعكس قوة التصميم المعماري البرتغالي، وكذلك التحديات التي واجهتها المدينة خلال تلك الفترة. ورغم أن البرتغاليين غادروا المدينة في نهاية المطاف، إلا أن قصر البحر بقي شاهدا على تلك الحقبة التاريخية.

من جهته، كشف علي كرم، فاعل جمعوي بمدينة آسفي، أنه على الرغم من الأهمية التاريخية الكبيرة لقصر البحر، إلا أنه يواجه اليوم تحديات عديدة تتعلق بالحفاظ عليه وصيانته، مشيرا إلى أن العوامل المناخية، مثل الرطوبة والملوحة، تشكل تهديدا مستمرا لبنية القصر، الذي يحتاج إلى جهود ترميمية ضخمة للحفاظ عليه.

وقال كرم، في تصريح لهسبريس، إنه رغم بعض الجهود المبذولة من قبل السلطات المحلية وجميع الشركاء، إلا أن هناك حاجة ماسة لتضافر الجهود على المستوى الوطني والدولي لحماية هذه المعلمة التاريخية، مشيرا إلى أن الحفاظ على قصر البحر لا يقتصر على الجانب التراثي فقط، بل يمكن أن يسهم في تعزيز السياحة الثقافية في المدينة، مما يساعد في تنميتها الاقتصادية.

ومن أجل إعادة الاعتبار لهذه المعلمة التاريخية، تم توقيع اتفاقية إطار بين مجموعة من المؤسسات العمومية، على رأسها عمالة آسفي ووزارة الثقافة، بغلاف مالي يناهز 139 مليون درهم.

تهدف هذه الاتفاقية إلى تحصين وتدعيم الواجهة البحرية لقصر البحر، وترميمه وتجهيزه، وتحويله إلى مركز للتراث البحري الوطني، وهي الأشغال التي انطلقت وبلغت مراحل متقدمة.

ويتمثل المشروع في ترميم وتجديد القسم الشمالي الشرقي من معلمة قصر البحر بمدينة آسفي، ويشمل إعادة ترميم الواجهة البحرية للقصر، بما في ذلك بناء رصيف وقائي بطول 257 مترا، وتحصين وتدعيم الجرف المحيط بالقصر.

كما يهدف المشروع إلى إعادة بناء الأجزاء المنهارة من الجهة البحرية للقصر، مما سيسهم في الحفاظ على هذا المعلم الهام وإعادة الاعتبار إليه. بالإضافة إلى ذلك، سيتم تحويل قصر البحر إلى مركز للتراث البحري الوطني المغربي، مما يعزز دوره كمركز ثقافي يعكس تاريخ المغرب البحري الغني، ويشكل وجهة سياحية مهمة تعزز من القيمة الثقافية والاقتصادية للمدينة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • مصير اسفي
    الجمعة 13 دجنبر 2024 - 08:51

    الكل يعلم تاريخيا مدينة اسفي مدينة استراتيجية، وميناءها يعتبر ميناء استراتيجي تجاري وميناء حربي…
    لكن اليوم المدينة اصبحت مهمشة من طرف البانضية ، لا ملاعب لا مرافق، لا شئ في مدينة تاريخها عريق.

  • مواطن غيور
    الجمعة 13 دجنبر 2024 - 12:12

    يجب على المسؤولين الغيورين على هاته المدينة أن يطالبون و بشراسة بإحداث مؤسسات للتعليم العالي و لما لا جامعة مستقلة على غرار بني ملال و القنيطرة .. الخيارات جد محدودة لأبناء المدينة بعد الباكلوريا كما هناك شبه انعدام للدراسات العليا ك الماستر و الدكتوراه مما يزيد في عبئ الأسر المسفيوية التي يضطر أبنائها للهجرة لمدن أخرى

  • مطار دولي
    الجمعة 13 دجنبر 2024 - 12:44

    بغينا مطار دولي وبغينا قطار سريع وبغينا مول ، وبغينا ومرينا، وبغينا مستشفى وبغينا ومدارس وملاعب ومرافق.
    بغينا مدينة اسفي تكون فحال باقي المدن المغربية.

  • Abdo
    الجمعة 13 دجنبر 2024 - 14:40

    السلام عليكم
    لكم نأسف للحالة المزرية التي اضحت عليها مدينة آسفي بنية تحية مهملة،توغل باطرونة الصحة عبر بناء أكبر عدد من المصحات الخاصة،غياب مرافق رياضية،……….مآتر تاريخية مهملة.مدينة فنون تملأها الأشباح…….
    لم يتبقى لأبناء أسفي سوى الهامش وكأننا في بادية إسمها آسفي

  • حاضرة المحيط
    الجمعة 13 دجنبر 2024 - 14:46

    حاضرة المحيط فعلا في حاجة للاهتمام بتاريخها المجيد وايضا في حاجة لمؤسسات تعليمية خصوصا جامعات مستقلة ومعاهد كبرى ومحاربة المخدرات وبناء الملاعب بكثرة وحزام غابوب واصلاح الطرقات

  • Absolut
    الإثنين 16 دجنبر 2024 - 20:25

    مدينة آسفي مهمشة جدا ولها مؤهلات سياحية تنافس بها مدينة مراكش موقعها الجغرافي وجوها الصيفي إلى غير ذلك …. يجب على أبناء آسفي الغيورين أن يتحركو

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع