كيف نربح رهان السردية؟

كيف نربح رهان السردية؟
الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 13:56

عندما تستضيف الدول تظاهرات رياضية كبرى، أو تنجز مشاريع تحول اقتصادي وبنيوي، فإن نجاح هذه المبادرات لا يقاس فقط بجودتها التقنية أو بحجم الاستثمارات المرصودة لها، بل بقدرتها على أن تندرج داخل قصة مفهومة لدى الداخل والخارج. لقد أظهرت تجارب متعددة أن التظاهرات العالمية الكبرى، والمبادرات التاريخية الفاصلة، لم تستمد قوتها من حجمها المادي فقط، بل من القصة التي رافقتها وصاغت معناها بوصفها تحولا دالا داخل مسار أوسع.

في عالم يتسارع فيه الخبر إلى درجة تفوق قدرة الناس على الاستيعاب، لم يعد التأثير مرتبطا فقط بحجم ما ينجز، بل بقدرة الفاعل على تفسير ما ينجز، إذ تتكاثر الأحداث اليوم بسرعة، لكنها لا تترسخ في الذاكرة الجماعية إلا إذا وجدت قصة تحتويها، وسياقا يربطها بغيرها، ومعنى يجعلها قابلة للفهم والاستمرار. هنا تبرز السردية، لا باعتبارها حكاية تروى، بل بوصفها إطارا لتحويل الوقائع إلى معنى، أي عملية تنظيم دلالي للأحداث (Narrative Construction) وتوجيه لإدراكها داخل الوعي الجماعي (Perception Framing).

تبرز أهمية السردية بشكل خاص عند التعامل مع التحديات والأحداث الكبرى، التي تشكل لحظات مكثفة من حيث الدلالة الرمزية. هذه اللحظات لا تكتسب معناها من حجمها أو من صداها الإعلامي، بل من موقعها داخل قصة أوسع. السردية هي التي تحدد ما إذا كان الحدث سيتحول إلى محطة دالة ضمن مسار ممتد، أم سيظل مجرد واقعة آنية قابلة للاستهلاك السريع.

في السياق المغربي، تبرز هذه الأهمية بوضوح من خلال تجربة تنظيم كأس إفريقيا لكرة القدم ببلادنا مؤخرا، والتي شكلت محطة تنظيمية ناجحة بكل المقاييس، عكست قدرة عالية على التدبير والاحترافية، لكنها لم تواكب بقوة سردية قادرة على تأطير هذا النجاح وقراءته داخل مسار أوسع، خاصة في سياق إقليمي وإعلامي اتسم بقدر كبير من العدوانية وسوء التأويل. وهو ما يجعل من هذه التجربة فرصة مهمة لاستخلاص الدروس، وتطوير الأداء السردي، استعدادا للمحطة المقبلة حين تنظيم كأس العالم 2030 ببلادنا. هذا الحدث لا يمثل مجرد تظاهرة رياضية، بل لحظة سردية بامتياز، إذ ينبغي أن يدرج ضمن قصة طويلة عن مسار تنموي متدرج، واستثمار في البنية التحتية، وتعزيز للتموقع الإقليمي، وبناء صورة بلد قادر على تنظيم تظاهرات كبرى بثقة واستمرارية، عوض أن يختزل في حدث احتفالي ظرفي ينتهي بانتهاء المنافسات.

إن السردية، في معناها التحليلي الدقيق، لا تتعلق بسرد الوقائع كما هي، بل بكيفية بنائها داخل قصة كبرى تمنحها الاتساق والاتجاه، وهي بذلك تشتغل بوصفها آلية لصناعة المعنى (Meaning-Making) وبنية تفسيرية تسمح بفهم ما يحدث ولماذا يحدث، وكيف ينبغي إدراجه ضمن مسار أوسع. من هذا المنظور، لا تكون السردية مجرد خطاب، بل إطارا معرفيا ينظم العلاقة بين الفعل وتأويله، وبين الحدث وتمثله الرمزي عبر الزمن.

بهذا المعنى، أصبحت السردية مكونا مركزيا في مقاربات القوة الناعمة (Soft Power)، لا بوصفها أداة خطابية مستقلة، ولا كبديل عن الفعل السياسي أو الاقتصادي، بل باعتبارها الإطار الذي يمنح هذا الفعل قابلية للفهم داخل الفضاء العمومي. السردية لا تصنع الوقائع ولا تضخمها، وإنما تنظم معناها وتؤطر إدراكها. من هنا تنبع أهميتها، لا لأنها الأعلى صوتا، بل لأنها الأقدر على البقاء، وعلى توجيه القراءة الجماعية للأحداث عبر الزمن.

في بعدها السياسي والثقافي، تفهم السردية باعتبارها بنية تفسيرية (Interpretive Framework) تسمح للجمهور بفهم ما يحدث ولماذا يحدث، وكيف ينبغي إدراجه ضمن مسار أوسع. فهي لا تقدم وقائع معزولة، بل تبني منطق ربط بينها، وتحدد ما يبدو منسجما أو شاذا، متوقعا أو استثنائيا. ولهذا تختلف السردية جذريا عن التواصل (Communication) الذي يهدف إلى نقل رسالة محددة، وعن الصورة (Image) التي تنتج انطباعا لحظيا وسريعا. السردية تشتغل على مستوى أعمق، وتسعى إلى بناء إدراك طويل المدى يقوم على التراكم والاستمرارية لا على الأثر الفوري.

ضمن هذا المنطق، تؤدي السردية دور الوسيط بين الفعل وتمثله الرمزي، فالفعل مهما بلغت جودته، لا يكتسب معناه تلقائيا، بل يقرأ داخل قصص وسياقات وإطارات تفسيرية. هنا تتجلى وظيفة السردية في خلق الاتساق بين ما ينجز وما يفهم، وفي ربط اللحظي بالبنيوي، والجزئي بالكلي.

غير أن السردية، إذا تركت دون هندسة واعية، تصبح هشة وقابلة للاختراق. أول مظاهر هذا الضعف يتمثل في الارتهان للحظة، أي إنتاج سرديات ظرفية دون امتداد زمني، ما يمنع تشكل تراكم سردي (Narrative Accumulation). وثانيها الخلط بين السرد والترويج، حيث يتحول تنظيم المعنى إلى عملية تلميع، فتفقد السردية عنصر المصداقية. وثالثها الانغلاق الثقافي واللغوي، حين تنتج السردية داخل أفق واحد، وتفترض قابليتها للفهم خارجيا دون تكييف أو إعادة بناء.

في هذا السياق، يطرح دور المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي إشكالا دقيقا داخل رهان بناء السردية. فالمؤثرون يشتغلون أساسا ضمن منطق اقتصاد الانتباه (Attention Economy)، حيث تكمن قوتهم في توسيع دائرة الوصول، وتسريع تداول المحتوى (Virality)، وخلق لحظات تفاعل عالية الكثافة. وبهذا المعنى، يساهمون في نقل السرد أكثر مما يشاركون في بنائه، إذ يضخمون رسالة قائمة دون أن يصوغوا إطارها التفسيري (Interpretive Frame). ورغم فائدتهم من حيث الانتشار، يظل أثرهم محدودا بسبب قصر العمر الزمني للمحتوى، وهشاشة المصداقية المرتبطة أحيانا بالشهرة أو الإشهار، إضافة إلى الارتهان للخوارزميات التي تجعل النجاح ظرفيا وغير قابل لبناء إدراك طويل المدى.

ولا يصبح دور المؤثرين إيجابيا إلا عندما يندمج ضمن هندسة سردية أوسع (Narrative Architecture)، حيث لا يطلب منهم المدح أو الترويج، بل سرد التجربة، والعمل داخل منظومة متناسقة، واستعمالهم كوسائط لتكبير السرد (Narrative Amplifiers) لا كمنتجين للمعنى.

وفي حالات نادرة، قد يتحول بعضهم إلى رواة (Narrators) إذا امتلكوا عمقا معرفيا، واستقلالية في الموقف، وقدرة على الاستمرارية، غير أن ذلك يظل استثناء لا قاعدة.

في المقابل، يمكن للمؤثرين أن يتحولوا إلى عامل إضعاف حقيقي للسردية حين يشتغلون خارج أي إطار تفسيري منظم، لأن السعي إلى الضجيج الرقمي” البوز” ، أو إلى السخرية، أو إلى تضخيم الوقائع الهامشية بحثا عن الإثارة، يؤدي إلى اختزال قضايا معقدة في صور سطحية قابلة للاستهلاك السريع. في هذه الحالة، لا تتعرض السردية للتشويه من الخارج فقط، بل للتآكل من الداخل، حيث يستبدل تنظيم المعنى بمنطق التهكم، ويكسر الاتساق التفسيري (Narrative Coherence) الضروري لبناء إدراك متماسك. كما يسهم بعض المؤثرين، أحيانا دون وعي، في ترويج سرديات عدائية أو فرض قراءاتهم الخاصة بدافع التميز والاعتراف الرقمي، مما يخلق تشويشا في الإطار المرجعي العام ويضعف التراكم السردي.

إن تطوير الأداء السردي يقتضي الانتقال من الارتجال إلى المنهج، وبناء أطر تفسيرية مسبقة، والعمل بمنطق التراكم لا القطيعة، كما يتطلب قدرة مستمرة على التكييف دون التفريط في الاتساق العام، لأن السردية الجامدة تفقد قدرتها على التفاعل مع الواقع، بينما السردية المتقلبة تفقد هويتها.

في المحصلة، لا تشكل السردية بديلا عن الفعل، لكنها الشرط الذي يمنح الفعل معناه وقابليته للاستمرار. في زمن تتكاثر فيه الأحداث وتتسارع، يصبح تنظيم المعنى مسألة استراتيجية. فالسردية القوية لا تقوم على الضجيج ولا على المبالغة، بل على الوضوح، والتراكم، والقدرة على تفسير الذات بهدوء. ومن ينجح في بناء هذا النوع من السرد، لا يفرض روايته على الآخرين، بل يجعلها الإطار الطبيعي الذي يقرأ الواقع من خلاله.

ولا يقتصر رهان السردية على مواكبة التظاهرات أو إبراز الإنجازات، بل يمتد إلى مستوى التموقع الجيوسياسي ضمن منطق القوة الناعمة. فالدول لا تقاس فقط بما تنجزه، بل أيضا بالقصص التي تؤطر حضورها وتحدد موقعها الرمزي في العالم. وفي هذا المستوى، تصبح السردية أداة استراتيجية لترسيخ النفوذ وبناء الثقة على المدى الطويل.

-أستاذ علم السياسة بجامعة القاضي عياض
مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • amaghrabi
    الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 17:46

    سيدي محمد المحترم يقول المثل المغربي “كل من سار على الدرب وصل” والحمد لله دولتنا منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي والاسباني اختارت ان تسير في الدرب وفي الطريق الصحيح وان كان باتأن لان في التأن السلامة والراحة وان تصل متأخر خير من ان لا تصل ابدا والحمد لله حققنا الكثير وحققنا الوحدة الوطنية الشعبية وهي الخطوة الاساسية والقوية التي تجعل الخطوات الاحقة كلها سهلة ان شاء الله لانه رغم تخلف اداراتنا وتخلف عقلية من يسير شؤوننا الادارية في جميع الميادين الا ان دولتنا وشعبنا يفرض نفسه شيئا فشيئا ودولتان تسير من حسن الى احسن وبالتالي فرغم ان طريقنا كان طويلا نتمنى ان شاء الله بعد غلق مشكل وحدتنا الترابية ستكون خطوات مسرعة تصب ان شاء الله في رفاهبية شعبنا الذي تحمل المعاناة والمظالم وان شاء الله الفرج قريب جدا ومبشرات التي توحي بمستقبل جميل ورائع لامتنا المغربية موجودة تجعلنا نتفاءل من اجل مستقبلنا ومستقبل ابناءنا واحفادنا

  • Lamya
    الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 18:15

    كان على المغرب في الكان التسويق لسردية أنه قاطرة لتطوير الكرة الإفريقية و لرفع معايير القارة بأكملها وأن نجاح المغرب هو نجاح لكل إفريقيا و هذا يقطع الطريق على أي محاولات “تسييس الرياضة” أو اتهام المغرب بالكولسة
    في مونديال ٢٠٣٠ ماهي السردية التي نريد؟

  • مصطفى هنادي
    الأربعاء 4 فبراير 2026 - 04:43

    في رأيي المتواضع، أرى أن هذه النهضة التي يسير عليها المغرب في مجموعة من القطاعات وان كانت حصرية، الا أنها تفتقد الشرط الأساسي لنقل هذه النهضة إلى عقول الناس وبالأخص خارج اطارنا الجغرافي. وهذا الشرط هو الجانب الاعلامي، أنه العامل اللوجيستيكي لتصدير كل ما يريده اي قطاع لمنتوجه بما فيه الاعلام عندما يريد أن يسوق لنفسه. القطاع الإعلامي المغربي يعيش في سبات عميق، كارثة بما في الكلمة من معنى، غاءب تماما. وهذا يجعلنا نعيش في عزلة تامة. والسؤال الذي يحيرني هل هذا الغياب متعمد أو أنه نتاج طبيعي لقطاع لم يولد بعد ام ولد ميتا.تحياتي

  • مهاجر من ألمانيا
    الأربعاء 4 فبراير 2026 - 08:50

    في مونديال 2030 يجب التسويق لسردية أن المغرب ممثل الأفارقة و العرب و بوابة إفريقيا و الشرق الأوسط و مناسبة لإظهار حضارة المغرب العريقة و تطور بنيته التحتية و التسويق للمغرب كوجهة سياحية ممتازة تجمع بين الأصالة و المعاصرة و جذب الاستثمارات, و لكن هناك جهات معادية تعمل على إفساد السردية المغربية يجب التصدي لها عبر الاستثمار في الإعلام الرقمي

  • مهاجر من ألمانيا
    الأربعاء 4 فبراير 2026 - 09:12

    في مونديال ٢٠٣٠ هناك سردية جيوسياسية كبرى للمملكة, عندما نضع المغرب كحلقة وصل بين الشمال (أوروبا) و الجنوب (أفريقيا), حيث أن المغرب هي الدولة التي تمنح الشمال بوابة آمنة نحو إفريقيا و تمنح الجنوب منصة عالمية نحو أوروبا

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32 2

صقور السعودية في سماء مراكش

صوت وصورة
لشكر وحكومة المنصوري
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:57 12

لشكر وحكومة المنصوري

صوت وصورة
جزارون يشتكون غلاء اللحوم الحمراء
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:37 9

جزارون يشتكون غلاء اللحوم الحمراء

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 3

ليلة رعب في أولاد عياد