لا صيام بلا مقاصد

لا صيام بلا مقاصد
السبت 14 مارس 2026 - 23:54

(لعلكم تتقون)، هذه هي العبارة القرآنية التي تختزل وتكثف كل معاني الصيام وغاياته بالنسبة إلى المؤمنين به والمؤمنات. وكل الأحاديث النبوية التي تدور حول فريضة الصيام وآدابه ليست إلا تنويعًا وتبسيطًا لهذه العبارة القرآنية (لعلكم تتقون)، التي لا تتجاوز الكلمتين، لكنها تستكنه كل مقاصد هذه الشعيرة التعبدية.

ما يعني أن كل ما يفعله المسلمون والمسلمات في هذا الشهر الكريم، وكل ما يقدمون عليه من مناشط وتكاليف، وكل ما يبذلونه من جهود في إعداد الموائد والتفنن في صنوف المآكل والمشارب، بل وحتى عملية الإمساك عن الأكل والشرب طيلة اليوم أيضًا، كل هذا لن يكون له أي معنى في غياب الاهتمام بتحقيق المقاصد والغايات التي أرادها الشارع من الصيام، وعبر عنها بكلمة واحدة (التقوى)، التي تعني ببساطة استحضار رقابة الخالق، وتجديد الشعور بمعيته سبحانه لكل بني البشر.

وهذه لوحدها كافية لتحدث التغيير المطلوب متى تحققت وتأكد إدراكها ومفعولها. فما أكثر ما نتحدث عن الرقابة بمختلف أصنافها، وفي النهاية لا أثر لأية رقابة، أرضية كانت أو سماوية، والواقع أمامنا.

الصيام يأتي مرة في العام بأيامه المعدودات ليجدد معاني هذه الرقابة، وليحيي عمق هذه المعية لدى الأفراد كما الجماعات.

ولنا أن نلاحظ أن الخطاب فيه يرد بصيغة الجمع الذي يعني المجتمع المسلم ومن يتواجد فيه بالتبع: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام… الآية)، وينتظر من هذه الجماعة (المجتمع) أن تبادر إلى مباشرة التغيير المنشود، فيكون رمضان منطلقها المحفز نحو تخليق الحياة الخاصة، تمهيدًا لتخليق الحياة العامة، وذلك بالعودة إلى الذوات والنفوس لمعالجة أمراضها التي تفتك بكل جميل، وتعيق كل أسباب التقدم: أمراض الجشع والأنانيات، وعبادة الذوات والمصالح الشخصية، أمراض الكذب والغش وخيانة الأمانات، والإخلال بالالتزامات على كل المستويات.

العلماء يسمون رمضان بميزان العام، إشارة إلى دوره الكبير والمنتظر في إعادة التوازن إلى المجتمع المسلم، ووضعه على السكة الصحيحة، ومعالجة ما قد يلحقه من عجز وتراجع ونقصان، إن على المستوى الفردي أو المجتمعي. فها هو ذا رمضان الآن قد أشرف على المغادرة، فما الذي يتحقق من هذه العبارة (لعلكم تتقون) وبهذه المعاني الواسعة؟

ماذا بعد كل هذا الجري والتعب والتكاليف؟ ماذا بعد مرابطة النساء في المطابخ لشهر كامل؟ هل يعقل أن نصوم ولا نتعافى؟ هل يعقل أن نمارس شعيرة تعبدية لمدة شهر كامل ولا نتقدم؟ هل يعقل أن ينقضي شهر الصيام، وشوارعنا تعج بالمتسولين والأطفال الضالين، وطرقاتنا تمتلئ بالحفر وبرك مياه الأمطار، ومشاريعنا معطلة، والمنجز منها مغشوش، والمضاربون يحتكرون البضائع ويغالون في الأسعار؟

أية جائزة هذه التي سنأخذها يوم العيد، كما سيحدثنا الفقهاء على المنابر ذلك اليوم؟

لا صيام بلا مقاصد.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • amaghrabi
    الأحد 15 مارس 2026 - 13:00

    اضافة الى ما قلت سيدي ابراهيم المحترم ,جاء عن رسول الله “ص” رب من صائم ليس له من صومه الا الجوع والعطش ورب من قائم ليس له من قيامه الا التعب” واتمنى أني نقلت الحديث جيدا ان لم تخني ذاكرتي,وبالتالي هذا هو واقع جل الصائمين مع الاسف وكثرة الاستهلاك في رمضان يوضح ذلك جيدا لان منطقيا صيامنا يجب أن ينقص من استهلاكنا ولكن مع الاسف في رمضان يكون العكس بحيث يكثر الاستهلاك بشكل مفرط وبعد رمضان نقف على باب دولتنا ونتهمها بغلاء السلع الغذائية من لحم وخضر ودجاج ووو وبعد شهرين ياتي عيد الاضحى ونزيد الكفن للامة بحيث نتسابق على سنة الاضحية وبعد عيد الضحى نحتج على دولتان بغلاء اللحوم والغريب في الامر نتبجح بمناسكنا سواء الصيام او الاضحية في العيد ونحن نطبقها بشكل سلبي ولا أرى اية ايجابية نجنيها من هاتين الشعيرتين مع الاسف

  • Amin
    الإثنين 16 مارس 2026 - 08:48

    عندما تصبح المناسبات الدينية كشهر الصيام الذي هو في الحقيقة ضد ’سيادة المادة, مجرد محرك لأرباح الشركات و الإعلانات, تفقد العبادة مقاصدها الأخلاقية, الصيام الحقيقي هو مقاومة لهذا التيار الجارف من الاستهلاك الرمضاني المفرط. إن لم يهذب الصيام سلوكنا و ينعكس جمالا في واقعنا فإنه يبقى مجرد عادة أفرغتها المادية من روحهاز
    لكن هذا لا يجب أن يحجب عنا الجانب المضيء, فرمضان يضل شهر ’أنزل فيه القرآن’ و مدرسة لتهذيب النفس و فعل الخير. و رغم محاولات الرأسمالية تسليع الشهر, تظل قيم التكافل و الإحسان قائمة إلى يوم القيامة, التحدي الحقيقي هو أن ينتصر فنا ’المقصد التعبدي’ على ’العادة الاستهلاكية

  • Lamya
    الإثنين 16 مارس 2026 - 09:14

    ربما المشكلة تكمن في الخطاب الفقهي السائد, الذي يركز على مبطلات الصيام الحسية و يغفل المبطلات السلوكية كالترمضينة و الغش و قول الزور ووو التي تبطل جوهر الصيام و تفرغه من التقوى. نحتاج للانتقال من فقه الشكليات إلى فقه المقاصد ليكون الصيام فعلا أخلاقيا يصلح الفرد و المجتمع, لا مجرد إمساك عضوي عن شهوتي البطن و الفرج

صوت وصورة
التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 09:42

التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة

صوت وصورة
جائزة الشيخ منصور لتصوير الخيل العربي
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 00:16

جائزة الشيخ منصور لتصوير الخيل العربي

صوت وصورة
"أونسا" يواكب خيول معرض الفرس
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 22:31

"أونسا" يواكب خيول معرض الفرس

صوت وصورة
المغرب يستعد لمونديال البيتزا
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 22:30 5

المغرب يستعد لمونديال البيتزا

صوت وصورة
اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 20:12 3

اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية

صوت وصورة
استكمال هياكل مجلس النواب
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:51

استكمال هياكل مجلس النواب