لكريني: مجازر إسرائيل في غزة تعيد العالم إلى ما قبل قيام الأمم المتحدة

لكريني: مجازر إسرائيل في غزة تعيد العالم إلى ما قبل قيام الأمم المتحدة
كاريكاتير: عماد السنوني
الخميس 28 غشت 2025 - 06:00

أكد الدكتور إدريس لكريني، مدير مختبر الدراسات الدستورية وتحليل الأزمات بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش، أن إسرائيل تواصل ارتكاب مجازر وانتهاكات جسيمة في غزة، استهدفت المدنيين والبنيات التحتية وفرضت النزوح القسري والتجويع الجماعي، في خرق سافر للمواثيق الدولية.

وشدد لكريني، في مقال معنون بـ”جرائم غزة ومأزق القانون والمؤسسات الدوليين”، توصلت به هسبريس، على أن استمرار هذه الجرائم مرده إلى التواطؤ الأمريكي والدعم الغربي، اللذين حالا دون قرارات أممية ملزمة. كما أسهم صمت المحكمة الجنائية ومحدودية مجلس الأمن في إفراغ القانون الدولي من مضمونه وتكريس منطق القوة.

وأكد الباحث ذاته أن هذه الممارسات تعيد العالم إلى مرحلة ما قبل قيام الأمم المتحدة، حيث كانت القوة العسكرية وسيلة لفرض السياسات وتسوية النزاعات، محذرا من أن التغاضي عنها سيكرس سوابق خطيرة تهدد بانهيار النظام الدولي وتضعف مصداقية القانون والمؤسسات الأممية.

وهذا نص المقال:

ما زالت إسرائيل مستمرة في ارتكاب المجازر والانتهاكات الخطيرة داخل قطاع غزة، من خلال قتل المدنيين من أطفال ونساء ومسعفين وصحافيين وتدمير المنازل والمدارس والمستشفيات والطرق والأراضي الزراعية والبنيات التحتية الخاصة بتوريد الطاقة والمياه، ضمن سلوكات عدوانية ومنافية لكل القوانين والمواثيق الدولية، برغم تزايد حدة الرفض التي قوبلت بها هذه العمليات في أوساط عدد من الدول والمنظمات والهيئات الحقوقية والشخصيات دوليا وإقليميا.

وهكذا، تسببت قوات الاحتلال في عمليات نزوح قسري جماعي هائل لعدد من السكان المدنيين؛ بمن فيهم أطفال ونساء (أكثر من 90 في المائة من الساكنة)، منذ اندلاع العمليات العسكرية في غزة، دون أن يكون لذلك أي مبرر أو أساس قانوني مشروع، مع تعريضهم للتجويع ومنع وصول المساعدات الإنسانية من أغذية وأدوية ومياه ووقود إليهم، وهو ما يندرج ضمن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تفرض تحريك المسؤولية الدولية ومحاسبة الضالعين في هذه الانتهاكات انسجاما مع قواعد القانون الدولي.

ولم يكن بإمكان سلطات الاحتلال أن تقوم بهذه السلوكات اللامشروعة واللاإنسانية واللاأخلاقية لولا التواطؤ الأمريكي الواضح وصمت عدد من الدول التي لا تخفي تفهمها للعمليات الإسرائيلية؛ فالولايات المتحدة وبعض البلدان الغربية هي التي تقدم لها الدعم العسكري والمالي وتسخر إمكانياتها الدبلوماسية لمنع صدور قرارات أممية صارمة تدينها وتوقف العدوان.

ومع توالي هذه الانتهاكات، يطرح السؤال حول جدوى القانون الدولي والمؤسسات المعنية بحفظ السلم والأمن الدوليين؛ فلا مجلس الأمن استطاع أن يتحمل مسؤوليته في سياق صد هذا العدوان وحماية الفلسطينيين من الجرائم الناجمة عنه، بفعل الفيتو الأمريكي الذي يكرس منطق القوة بدل قوة القانون، ولا المحكمة الجنائية الدولية التي برزت في سياق تعزيز العدالة الجنائية الدولية ومنع إفلات المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من الإفلات من العقاب استطاعت بدورها أن تتحرك بشكل صارم لتوقيف الجناة وتعريضهم للمحاكمة.

تتحمل دول العالم مسؤولية جسيمة، بصمتها أو تواطؤها مع ما ترتكبه إسرائيل من جرائم خطيرة وعلنية في حق المدنيين العزل لحسابات سياسية وحزبية داخلية (الاستمرار في السلطة) وبذرائع واهية (ممارسة حق الدفاع الشرعي)؛ فهي مطالبة بفرض عقوبات صارمة على دولة الاحتلال وإدانة التهجير القسري والتجويع الجماعي الذي يتعرض له الفلسطينيون في زمن التشدق بحماية حقوق الإنسان، وبالعمل الجدي لوقف هذه الانتهاكات الجسيمة التي تذكر بممارسات النازية والفاشية ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا والتي ساد الاعتقاد أن العالم قد طوى صفحاتها نهائيا، تجاوبا مع عدد من الضمائر الحية عبر العالم ومع توجهات محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر حول الموضوع بتاريخ 19 يوليوز 2024.

يبدو أن إسرائيل التي لم تباشر أية تحقيقات جدية بصدد الانتهاكات الخطيرة التي ترتكبها قواتها داخل القطاع، مصرة على إعادة العالم إلى مرحلة ما قبل الأمم المتحدة؛ وذلك بتوظيفها للقوة العسكرية خارج أي نطاق قانوني أو أخلاقي وارتكابها لجرائم جسيمة في حق الفلسطينيين.

لقد كان اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية قبل إحداث منظمة الأمم المتحدة في عام 1945، وسيلة مألوفة لتنفيذ سياسات الدول القومية، وللحسم فيما يحدث بينها من خلافات ونزاعات، رغم الجهود الدولية المحدودة التي تمت في سياق اتفاقية “دراكو بورتر” لسنة 1907، وعهد عصبة الأمم وميثاق “بريان كيلوج” لسنة 1928. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية مخلفة آثارا كارثية على المستويات الإنسانية والبيئية والمعمارية والاجتماعية والاقتصادية، تبين القصور الذي كان يعتري كل هذه المبادرات التي لم تحل دون قيام هذه الحرب المدمرة. وقد حاول مؤسسو الأمم المتحدة عشية انتهاء هذه الحرب أن يستخلصوا بعض الدروس والعبر، حيث جعلت الهيئة من تحريم استخدام القوة في العلاقات الدولية ضمن أهم المبادئ التي تقوم عليها (الفقرة الرابعة من المادة الثانية للميثاق الأممي)، والتي تظهر أن الميثاق لم يكتف بتحريم اللجوء إلى القوة فقط، وإنما جرم حتى مجرد التهديد باستعمالها. كما أنه لم يهتم في ذلك بالأسباب المادية لهذا اللجوء إلى القوة بكل أشكالها، أو بوجود سبب “عادل” يبرر استخدامها؛ بل إن هذا التحريم هو منع مطلق، ولا يمكن أن يبرر بأية ذريعة من الذرائع، باستثناء حالتين، أشار إليهما الميثاق صراحة: أولاهما هي حالة الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي (المادة 51)، وثانيتهما هي حالة تدخل الأمم المتحدة لمواجهة تهديد السلم والأمن الدوليين أو الإخلال بهما أو أعمال العدوان (المادتان 41 و42).

إن إسرائيل بارتكابها لهذه الجرائم الوحشية والإصرار على الاستمرار في تنفيذ سياساتها التعسفية، في تنكر تام لكل المواثيق والقوانين الدولية المرعية، تضع المجتمع الدولي في مأزق حقيقي وتؤسس لمرحلة دولية مفتوحة على كل الاحتمالات السيئة؛ ذلك أن التساهل مع هذه الجرائم سيكرس سوابق دولية خطيرة تطبع مع استخدام القوة العسكرية في العلاقات الدولية، وتفرغ القوانين والمؤسسات الدوليين من دورهما، ما سيشجع دولا أخرى على السير قدما لتسوية ما يثور بينها من خلافات بأساليب القوة؛ ما سيؤدي حتما إلى انهيار الأمم المتحدة، بل والقانون الدولي برمته.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

16
  • هشام
    الخميس 28 غشت 2025 - 06:16

    حاجة طبيعية الشعوب ناعسه المغرب المهرجانات في جل المدن باش الناش متفكرش في غزة مكاين غير شطيح اخواننا كيموت بالجوع احنا الرقص والاغاني. لا سماحة غذا امام الله

  • متتبع
    الخميس 28 غشت 2025 - 07:32

    ثبت أن بنايات الأمم المتحدة و المحكمة الدولية و مجلس الأمن تتحكم فيهم إسرائيل

  • Marouan
    الخميس 28 غشت 2025 - 07:45

    السؤال الدي يتجاهلونه اصحاب الكوفية هو من تسبب في هاد المجازر بين قوسين و اتجر ببني جلده لخدمة مصالح الملالي في المنطقة?

  • كمال
    الخميس 28 غشت 2025 - 08:06

    مجازر الصهيونية تعيد البشرية إلى عهد ملوك الخواتم، إلى عهد ماقبل التاريخ،إلى عهد الهمجية، إلى عهد حكم الشر المطلق. ولكن كل هذا سيأتي الخير و الحق فيهزم هذا الباطل لأن الأصل في الحياة هو الخير و العدل و غير هذا فهو زائل.

  • العكزي
    الخميس 28 غشت 2025 - 08:33

    تأكد للعالم ان هيئة الأمم المتحدة هي هيئة شكلية عاجزة عن ممارسة سلطاتها ضد اللوبيات الداعمة لإسرائيل.
    لا حاجة للأمم المتحدة لضمان السلم العالمي

  • SAMIR
    الخميس 28 غشت 2025 - 08:38

    ومع كل هذا هناك اعضاء الجامعة العربيه المذلوله واعضاء المؤتمر الاسلامي المنافق مصرون على البقاء متشبثين بعلاقاتهم مع الجزار نتنياهو ومع الصهاينة الذين يحتلون فلسطين العربيه ككل . م

  • مروان
    الخميس 28 غشت 2025 - 08:58

    لتبرير قتل الأبرياء
    لا أحد له علاقة مع ذلك القاتل المجرم
    البولندي شيطانسكي
    القادم من بولندة ولا علاقة له لا مع يعقوب و لامع إبراهيم
    إنه معتنق الديانة فقط
    ومعتنق الديانة حسب المنطق الإنساني لا يكون مجرم وقاتل ومحتل

    لا أحد له علاقة معه من الدول العربية أو الإسلامية
    فعلا هو يبكي على ” ترامب” لكي يحميه .

  • Karimov
    الخميس 28 غشت 2025 - 09:39

    كل هاذا نعرفه ويعرفه العالم وندينه و يدينه احرار هاذا العالم ،ولكن لا يمكن أن نضحي بمصالح بلادنا وشعبنا وامننا من أجل عيون فلسطيز، مصالح بلادنا وشعبنا وامننا اولا واخيرا وبعدها مدبرها حكيم؟

  • احمد
    الخميس 28 غشت 2025 - 10:10

    لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين اشركوا.

  • ا أيها الجبان
    الخميس 28 غشت 2025 - 11:15

    قليك سنضحي بأمننا ؟ من أجل فلسط ين
    هل أنت في قواك العقلية ؟ .

    عن أي أمن تتحدت ؟
    هل تضن أن دلك المستوطن من أوروبة الشرقية
    قاتل الأطفال سيحمي أمنك
    ههههه
    أضن
    أنت تدافع عن القتلة المغتصبين
    المجوعين الغزاة بطريقتك الخاصة .

    هدوك الأوغاد لا صديق لهم
    هم محتاجين لمن يحميهم
    وليس نحن .

  • Yadane
    الخميس 28 غشت 2025 - 11:22

    ما كين لا امم متحدة لا زمر القوي تيقتل الضعيف حنا ما زالين في قانون الغابة

  • دولة المجرمين
    الخميس 28 غشت 2025 - 11:44

    بدلا من لوم المنظمات الدولية وجب على العكس التشبث بها لأنها تفتقر إلى الإمكانات اللازمة و إلى غباء كثير من دول الجنوب التي عوض أن تدعمها تقوم بلومها .

  • محمد ا.ب.
    الخميس 28 غشت 2025 - 11:58

    لا حاجة للعودة إلى ما قبل قيام المنظمة الدولية . فمجازر وإبادات مروعة جرت أمام أعين هذه المنظمة ، منذ عام 1948 . نتذكر بعثة وحسرة شديدة مجازر إفريقيا (الإثنية والسياسية ).نتذكر مجازر البوسنة والهرسك . نتذكر مجازر افغانستان و العراق . .نتذكر مجازر البارحة في سوريا….وهناك ما لا نتذكره، ويحصيه التاريخ الحديث . منظمة الأمم المتحدة حالت عن المراد منها ، وأصبحت تنشر ظلالها وقتما شاءت القوى المهيمنة للتغطية عن أفعالها؛ وتثنيها عن الدول المستضعفة، لتعريها لمساومة وابتزاز تلك القوى .
    .

  • حسن وجدة
    الخميس 28 غشت 2025 - 12:04

    بل تعيد العالم إلى العصر الحجري عالم تسود فيه الهمجية و عقلية الغاب

  • Sarfati
    الخميس 28 غشت 2025 - 15:13

    في هذا السياق أسر مقولة مغربية شائعة مع تحويرها قليلا جدا: “دها في عينعودة اللي داراك” أما غزة، بعيد عن المغرب!

  • فيصل
    الخميس 28 غشت 2025 - 19:12

    المنظمات الدولية هدفها فقط ادانة المسلمين بالارهاب. أما نتنياهو فمن حقه ان يبيد كل العالم بدون مساءلة

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة