لماذا "ثافسوت ن إيمازيغن"؟

لماذا "ثافسوت ن إيمازيغن"؟
أرشيف
الإثنين 14 أبريل 2025 - 09:50

في 13 يناير سنة 2007، أصدرت مجموعة “الاختيار الأمازيغي” أرضية فكرية تضمنت ما يمكن اعتباره خارطة طريق للمستقبل النضالي للحركة الأمازيغية… وكان ذلك إسهامًا مهمًّا في إطار دينامية نضالية أمازيغية بأفق سياسي وثقافي اتخذ الهوية مطلبًا وقضيةً ورافعة. ذلك أن الأرضية المذكورة انتبهت – في تلك المرحلة التي سبقت المقتضى الدستوري لسنة 2011 – إلى ضرورة التمييز في الفعل النضالي بين المطالب الظرفية والمطالب الاستراتيجية… والحال أن الحركة الأمازيغية أخطأت الطريق؛ لأنها لم تنتبه فعليًّا لهذا التمييز، وراهنت على تحقيق مطالب حقوقية وثقافية دون أن تُسائل السياق السياسي والاختيار الإيديولوجي للدولة المغربية. وهكذا بدا أن دستور 2011، الذي أعلن الأمازيغية لغةً رسمية، شكَّل انتصارًا مهمًّا حقًّا، لكنه اتضح بعد ذلك أنه انتصارٌ ظرفي أضعف الفاعل الأمازيغي وأصابه بالصدمة، وشتَّت الفعل النضالي منذ تلك اللحظة – رغم كل المكاسب التي حققتها الأمازيغية في هذا البلد.

وفي الوقت الذي كان يفترض في هذا الفعل النضالي أن يتطور ويتجدَّد ويستوعب الواقع الجديد الذي أفرزه دستور 2011، بدا واضحًا أن مكونات الحركة الأمازيغية لم تتمكن من استثمار لحظة ودلالات الترسيم، وظلَّت في حالة “صدمة الدهشة” التي جعلتها عاجزةً عن التصرُّف واتخاذ القرار. كما أنها لم تُنجح في تجديد خطابها وآليات اشتغالها، ولم تحدد لها أفقًا استراتيجيًّا واضحًا لمواجهة تحديات ما بعد الترسيم. وهو ما تجلَّى في استمرار سلوك النضال المطلبي، في الوقت الذي كانت فيه المرحلة الجديدة تقتضي امتلاك قوة اقتراحية – بل وتقريرية أيضًا – للانتقال إلى مستوى الفعل لا الانفعال. وهكذا تغيَّر حال الأمازيغية نظريًّا، لكنه تراجع عمليًّا. أما خطاب الحركة الأمازيغية، فقد ظلَّ وفِيًّا للنضال المطلبي عبر العرائض والمراسلات والوقفات الاحتجاجية، في مواجهة مظاهر التضييق التي ظلَّت تعترض طريق أجرأة المقتضى الدستوري والقوانين التنظيمية.

لقد شكَّلت أرضية “الاختيار الأمازيغي” لحظةً نقديةً أساسيةً في مسار الفعل النضالي الأمازيغي؛ لأنها نبَّهت الفاعلين والنشطاء في تلك المرحلة إلى ضرورة التأسيس لدينامية جديدة تنبني على صياغة مشروع مجتمعي يتضمَّن موقفًا واضحًا ورؤيةً موحَّدة للحركة الأمازيغية من المسألة الديمقراطية، وإعداد التراب، وقضايا المجتمع الاقتصادية والثقافية والقيمية، بالإضافة إلى مكانة المغرب الدولية. لكن نضالات الحركة لم تلتفتْ إلى هذا المقترح، واستمرت على نفس النهج الذي بدت معه المطالب متعددةً ومشتتةً، وبدون سقفٍ نهائي. وهو ما لم يسمح لها بأن تطرح بوضوح قضية الهوية في علاقتها بالسلطة السياسية… وما زال هذا “الخلل التنظيمي” – الذي تم تشخيصه في تلك الأرضية – قائمًا حتى الآن. لذلك، فإن تصحيح المسار أصبح اليوم مطلبًا ملحًّا أكثر من أي وقت مضى؛ وذلك من أجل تجاوز الأخطاء، وتجديد الخطاب، والقطع مع السلوك المطلبي الانفعالي.

دواعي هذا الكلام تتصل بموعد 20 أبريل، الذي ستعود فيه الدينامية الاحتجاجية إلى الواجهة؛ حيث اختارت مجموعةٌ من الفعاليات الأمازيغية هذا التاريخ – بحمولته الوجدانية الرمزية – موعدًا لتنظيم مسيرة وطنية بمدينة مراكش، في الذكرى الخامسة والأربعين للربيع الأمازيغي، الذي يؤرخ لحراك احتجاجي بطولي من أجل الهوية بتيزي وزو سنة 1980…

واختيار هذه الذكرى لتنظيم المسيرة الاحتجاجية يحمل عددًا من الرسائل المهمة: للذوات الأمازيغية المناضلة، وللرأي العام الوطني والإقليمي، وللدولة والحكومة على السواء…

وهو ما من شأنه أن يشكل بدايةً لمرحلة جديدة في التعاطي مع الجمود الذي يعرفه واقع الأمازيغية.

هذه المبادرة الاحتجاجية من شأنها إذن – وبعدما تم تعويم الفعل الأمازيغي وتشتيتُه خلال السنوات الأخيرة – أن تعيده إلى سكته الصحيحة. فمسيرة 20 أبريل تحمل رسالةً خاصةً للفعاليات الأمازيغية، مفادها أن الوقت قد حان لتوحيد الصفوف ومواجهة تحديات المرحلة المقبلة؛ خصوصًا بعدما تحولت الأمازيغية – عند البعض – في السنوات الأخيرة إلى وسيلة للاسترزاق والتفاوض الشخصي، من خلال التماهي مع مشهدٍ حزبي وسياسي موجه، لا يمتلك الإرادة الطيبة ولا القرار الفعلي في الانتقال بالأمازيغية إلى الوضع الذي تستحقه في هذا البلد… أما رسالة “ثافسوت ن إيمازيغن” للرأي العام الوطني، فتتمثل في كون الحركة الأمازيغية ليست منفصلةً عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية للمغاربة؛ فهي تتأسس على ثوابت مرجعية تجعل الأرضَ – ومن يعيش فوق هذه الأرض – في صلب اهتماماتها. لذلك، ينبغي ألَّا تتخلف عن احتضان واعتناق قضايا المجتمع في كل المجالات… ثم إن اختيار زمان ومكان المسيرة يُذكِّر بأن هذا البلد هو جزءٌ من فضاء جغرافي أوسع على امتداد شمال إفريقيا…

الحكومة معنية بدورها بهذه الرسائل، وهذا لا يرتبط فقط بإجراءاتها فيما يتعلق بتنزيل القانون التنظيمي للأمازيغية، بل يرتبط أيضًا بملفات حقوقية واجتماعية تطرح نفسها بقوة في النقاش العمومي. واختيار مدينة مراكش له رمزيته ودلالته على هذا المستوى؛ حيث تستحضر “ثافسوت ن إيمازيغن” معاناة ضحايا زلزال الحوز، وذلك للتعبير عن رفض التعامل الرسمي مع هذا الملف – فيما يتعلق بوتيرة إعادة إعمار المناطق المنكوبة.

الرسالة الأهم في هذا السياق هي تلك التي ينبغي أن تلتقطها الدولة: فالمصالحة الهوياتية تقتضي أن تنسجم السلطةُ مع الأرض التي يستمد منها الشعبُ هويته. ولأن هذه الأرض أمازيغية، فإن كل من يقطنها أمازيغيٌّ بالضرورة. لذلك، فإن هذا الانسجام يقتضي الإقرارَ بأمازيغية الدولة أيضًا – بمنطق جغرافي وليس إثنيًّا أو عرقيًّا – وهو ما يعني كتابة تاريخ البلد من جديد؛ من أجل إعلاء الموروث الحضاري لهذا الشعب، وجعله مرجعًا قيميًّا للخصوصية المغربية، وإطارًا مشتركًا لتدبير الاختلاف والتعددية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • MC
    السبت 26 أبريل 2025 - 13:14

    أشكر الكاتب على هذا الطرح الصريح الذي يفتح النقاش حول مسار الحركة الأمازيغية بعد دستور 2011. صحيح أن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كان مكسبًا، لكنه لم يكن سوى بداية طريق طويل يحتاج عملًا جماعيًا وإرادة سياسية.
    التركيز على ثنائية “الأمازيغ مقابل العرب” مجرد فخٍّ يُعيق تقدمنا؛ فالمغرب لم يكن بلون واحد، بل هو مزيج من الأمازيغية والعربية والحسانية والأندلسية واليهودية، صهرتهم أرضٌ اسمها المغرب. نحن كالطاجين – كل مكوّن يحتفظ بنكهته، لكن النار تذيب الجميع.
    المشكلة ليست في الأمازيغية كثقافة، بل في تحويلها إلى ورقة سياسية تُخفي عجز الحكومات عن تحقيق العدالة المجالية. فكيف نُفسر استمرار تهميش بعض المناطق رغم الخطب الرنانة؟ لأن الهوية تُستعمل كشعار تجميلي لا كأرضية لتغيير السياسات.
    بعض المطالب الرمزية مثل طبع تيفيناغ على الأوراق النقدية مشروعة، لكنها لا يجب أن تلهينا عن الأولويات: أن تصل هذه الأوراق إلى جيوب سكان المناطق الأمازيغية في الجبال والقرى.
    اليوم، تجد الحركة الأمازيغية نفسها أمام مفترق طرق: إما أن تنغلق في نضال ثقافي ضيق، أو تجعل الأمازيغية مدخلًا لإصلاح شامل.

    ALHOCEIMA

  • KITAB
    الجمعة 9 ماي 2025 - 12:01

    ﻷمر غريب أن يكثر هذا اللغط وتبري هذه اﻷقلام مناصرة ومنادية بفرش الورود في طريق اﻷمازيغية ، والمفارقة أن جلهم إن لم نقل كلهم لا يستطيع قراءة سطر واحد من هذه اللغة ولو في نموذجها التيفيناغي ، فأحرى أن يقرأه في شكل تاريفيت وتاشلحيت ….، سلمات

  • الدارجة والأمازيغية
    الإثنين 28 يوليوز 2025 - 20:14

    من الواضح أن مستعربي المغرب بدأوا باستخدام لغة “فرّق تسد” الاستعمارية. بدأوا يتحدثون عن السوسيس والريفيين وغيرهم لتقسيم الأمازيغ. هذا النهج الاستعماري معروف منذ زمن طويل. المشكلة ليست بين العرب والأمازيغ، بل بين الأمازيغ الناطقين بالدارجة، وهي لغة أقرب في بنيتها وقواعدها إلى الأمازيغية، وبين الناطقين بالأمازيغية. عرب الشرق الاوسط لا يفهمون الدارجة المغربية، رغم احتوائها على كلمات عربية. تسعى الحركة المغربية، المرتبطة ثقافيًا بالشرق، زورًا وتشهيرًا، إلى وصف الناطقين بالدارجة بأنهم مُعرَّبون أو مُستعربون. جميع المغاربة أمازيغ، والدليل على ذلك هو التشابه الجيني بين الناطقين بالدارجة والأمازيغية. يركز معارضو الأمازيغية على تعقيد أبجدية تيفيناغ واستخدام ثلاثة أحرف مختلفة في المغرب، مما يؤثر على استخدامها وفهمها. هذا أمرٌ مثيرٌ للجدل، مع أن الأمازيغية تُكتب بالأبجدية اللاتينية، كما هو الحال في الجزائر وإسبانيا (جزر الكناري) وفي بلدان المهجر. ينبغي مناقشة هذه المسألة في المعهد الأمازيغي، واقتراح حلولٍ لها.

صوت وصورة
أخنوش في لقاء مع ساكنة تزنيت
السبت 19 شتنبر 2026 - 00:08

أخنوش في لقاء مع ساكنة تزنيت

صوت وصورة
لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:48 2

لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:31

أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 22:19

الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله

صوت وصورة
الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 21:29 4

الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج

صوت وصورة
محافظ ثقيلة وأطفال صغار
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 20:29 3

محافظ ثقيلة وأطفال صغار