ليس من الحكمة إجبار الإبداع على إبهارنا بالفصحى فقط

ليس من الحكمة إجبار الإبداع على إبهارنا بالفصحى فقط
الثلاثاء 17 يناير 2023 - 14:26

اختتم مهرجان المسرح العربي دورته الثالثة عشرة المنظمة بالدار البيضاء، بعدما عرضت في إطار فعالياته خمس عشرة مسرحية من مختلف أنحاء المنطقة، وبعد نقاش واسع، ومنشورات جديدة هي نجاح آخر للهيئة العربية للمسرح، وللتراكم المعرفي والإبداعي بهذه الجهة من جهات العالم.

لكن، ما أثار حفيظتي في ختام الدورة، توصيةٌ للجنة تحكيم المهرجان دعته في دوراته المقبلة إلى “عدم الاعتماد على اللهجات المحلية” في المسرحيات المتنافسة على الجائزة، لأنها “تقلل من التواصل”، وتوصيتها بالاعتماد مسرحيا على اللغة العربية.

هنا أطرح سؤالين: لماذا لن تكون توصية لجنة تحكيم مهرجان المسرح العربي حول العاميات في صالح مسرح المنطقة؟ وأليس من حق لجنة تحكيم مهرجان للمسرح العربي التوصية بأن تكون العروض باللغة العربية؟

قبل بسط عناصر الجواب، يجب التذكير بأن المسألة هنا لا تتعلق بجميع التجارب المسرحية في العالم العربي، لأن “التقليل من التواصل” قد يعني خاصة المسرح المغاربي، والسوداني، بالنسبة للمشرق العربي ومنطقة الخليج اللذين لهما اطلاع أقل على عاميات هذا الجزء من المنطقة، أما مسرح مثل المسرح المصري، الذي رغم أن عاميته لها نطق خاص، ومعجم خاص أحيانا، فهو يسير الفهم ولو لم يُفْصِح بسبب الانتشار الواسع الذي عرفه مسرحه وسينماه وموسيقاه ونقاشاته في القرن العشرين، وكذلك الأمر بالنسبة لعاميات أخرى بالمنطقة، ولو بدرجة أقل.

أين وجه الإشكال إذن؟ لا أظنُّه العامية في حد ذاتها، بل استعصاء بعض جوانبها عن الإدراك التام بالنسبة لأشقاء من دول أخرى بالمنطقة، وهذا موضوع مختلف ليس جوابه الأمثل هو أن نلوذ حصرا بلغتنا العربية الفصحى.

بدءا، أشدد على ألا اعتراض على جو الألفة الذي تخلقه اللغة العربية بين مختلف أقطار المنطقة، ولنا كمواطنيها قرائن وقرائن في الرواية، والشعر، والصحافة، والكتب، والنقاشات، والمحاضرات، وغيرها. لكن وجه الاعتراض هو فرض استعمال اللغة العربية حصرا للتعبير عن حساسية، وتجربة، ونظام من المعاني، قد يفقد بلاغته وعمق معناه، إذا ما فُصِّحَ.

لنا في عامياتنا تجارب في العيش، واقتباسات، وحمولات، ومعان تفقد بريقها، بل وصدقها، إذا ما أجبرناها على أن تستعمل مصطلحات غير التي قيلت بها في عفويتها الأولى. لغتنا العربية جامعة، لكن دارجةَ مثل دارجة الملحون المغربي فيها من الغنى والمعاني ما يستحق صيانته، والسعي لفهمه، والإنصات لمكنوناته.

ما العمل إذن؟

استمرارٌ في الجهد الفردي والجماعي لنقرّب أكثر غنى المنطقة من بعضه البعض، لا لانصهارٍ، بل لفهم أعمق، لحيواتنا، وفضاءاتنا، والمعاني والاستعارات التي نعيش داخلها، ونعيش بها. وأتذكر في هذا الباب قراءتي رواية للأديب الطيب صالح هي “ضو البيت”، ومتعة تعلم عامية من عاميات السودان عبرها، كما أستحضر، والدارجة المغربية لساني، اكتشاف عمق معانٍ واستعاراتٍ وحمولاتٍ عند قراءة حواش على الملحون أو الزجل قديمِه وحديثِه.

نعيش اليوم لحظة فهم أعمق لبعضنا البعض داخل منطقتنا، بعيدا عن اتهامات الانغلاق القُطري التي تركناها وراء ظهورنا مع أوهام التأحيد، أو التنميط، المتدثّر بلبوس الوحدة؛ هكذا، نعرف اليوم أكثر ثقافات المنطقة، ولغاتها، وخصوصياتها، التي تجعل من لغتنا العربية كنزا أكبر يجمع هذه الفسيفساء المبهرة.

لذا، بدل سلك الطريق الذي قد يبدو أسهل بفرض مستوى لغوي فصيح في التعبير المسرحي، لم لا نترك الكلمة للمسرحية، لتعبيرها، لدراماها، لكتابتها، لممثليها، لمخرجها، حتى تبهرنا بغناها، وبعمق تفرّد تجربتها، وبتميزها الذي يثبت القرب ولا ينفيه؟

ختاما أقول: لا لسلك الطريق الأسهل، لنسلك الطريق الأصوب؛ لنجاهد أنفسنا بالحرص على استيعاب تعدد منطقتنا اللغوي والثقافي الذي لا ينفي وحدتها اللغوية، عبر مزيد من فهم المفردات والسياقات والاستعارات، لنتجنب فخا من الفخاخ التي تجني على التعدد بإجباره على الانصهار في بوتقة واحدة، قد تقودنا إلى مأزق في التعبير ورتابةٍ مفروضة، لن تكون في صالح استمرار تفتّق إبداعات المنطقة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • لغة الأم الحنون
    الأربعاء 18 يناير 2023 - 15:57

    اللغة الأم  هي جوهر  الإنسان وجزء لا يتجزأ من كيانه الاجتماعي والثقافي والوجداني . حتى ولو تعلم المرء لغات أخرى فإن لغة الأم تكون دائما الأقرب إلى نفسه في الأحاديث الودية وسماع الأغاني والأحجيات والنكت وغير ذلك من الأمور التي لا يستلذها الإنسان إلا بلغته؛ ولا يخفى ذلك  الاغتباط الذي يجتاح أيا منا حين يتناهى إلى سمعه الحديث بلغته حينما يكون خارج البلد. لا يتعلق الأمر إذن فقط بمسألة الفهم من عدمه فيما يخص استعمال اللغة بل إنها قضية وجود وإحساس بالانتماء عوض شعور  الإقصاء والإهانة والدونية والاغتراب داخل الوطن حين يمنع المواطن من أن يستعمل لغته أي يكون نفسه

  • KITAB
    الأربعاء 18 يناير 2023 - 22:09

    كثيرا ما تختزل اللغة هوية ثقافية الشخص باللسان العامي أكثر من اللسان الفصيح والذي اعتمدته العديد من الشعوب عبر تاريخها المديد ، كانوا بتواضعون على لسان وسطي أو بالأحرى لغة وسط بين دوارج عديدة ويعتمدونها في تواصلهم العام في الإدارة والعقود… وهناك إشكالية ألمح إليها الأستاذ ، هل بمقدور لغة مقعدة ولتكن العربية الفصحى أن تعبر عن خلجات اللسان العامي ؟ هناك تعابير عامية يحفل بها مجتمعنا لا أعتقد أنه من اليسر ترجمتها إلى اللسان الفصيح ، “كيصور الخبز” ،؛ “خليني من التبعكيك” ، ” سوق النسا سوق مطيار..” ، وبالتالي فالعربية قاصرة على ترجمة عمق الخلجات النفسية والمواقف البشرية ، فحينما نود التعبير عنها بالعربية إنما نتحايل على أنفسنا ، كما أن الفصحى هي الأخرى بها معاني وسياقات ليس في مقدور العامية ترجمتها ، على سبيل المثال الشعر وخصوصا التفعيلي منه أو القصائدي خاصة ، فاللغة عموماً وعاء للإنسان وخلجات نفسه وتختزل ثقافته بمنظور شمولي ،سلمات

  • لغة الإبداع
    الخميس 19 يناير 2023 - 14:49

    إذا قارنت بين اللغات الأوربية والعربية فيما يخص الأصناف الأدبية ستجد أن اللغة في المسرح والشعر والقصة والرواية وحتى في السينما  هي نفسها أما في العربية فستجد أن للمسرح والأغنية والسينما لغة وهي لغة التداول اليومي (الدارجة) وللقصة والرواية والشعر لغة أخرى هي الفصحى والتي لا  تتهيئ لاستعمالها إلا لمن مر من الصفوف الدراسية وهي تعتبر مادة مدرسية من بين المواد الأخرى. لذلك لا يفهم المصري مثلا أو الخليجي مسرحية للطيب الصديقي بينما يقرأ رواية لمبارك ربيع كأنما كتبها أحد مواطنيه  ونفس الشيئ يسري على المغربي إذ لا تشكل قراءة روايات نجيب محفوظ أية مشكلة لديه  بينما يجد صعوبة في فهم المسلسلات المصرية إلا إذا كان مداوما على مشاهدتها.

  • الإبداع والبساطة
    الخميس 19 يناير 2023 - 16:13

    يرجع الفضل في تبسيط اللغة الإنجليزية على مستوى الإبداع والشعري منه خصوصا إلى الشاعر الرومانسي ووردسورث. ففي مقاله الشهير والمؤسس Lyrical ballads عمد إلى تثمين اللغة الإنجليزية المتداولة كلغة لكتابة الشعر حيث صار على نهجه الشعراء الرومنسيون كشيلي وكيتس وآخرين. كما ثمن أيضا الغناء والأهازيج الشعبية وبذلك أصبحت موضوعا للشعر بعدما كانت ينظر إليها بازدراء من طرف الشعراء الكلاسيكيين.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة