مؤسسات الريادة: هل نبني منظومة تربوية أم ندبّر أعطابها؟
مع تعيين الحكومة الجديدة يوم 16 أكتوبر 2026، وإسناد قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي، مضافا إليه التكوين المهني والتأهيل، إلى وزير جديد، يدخل مشروع مؤسسات الريادة مرحلة مفتوحة على المراجعة. فالمشروع شكّل حجر الزاوية في خارطة الطريق 2022–2026 التي تبلغ أفقها هذه السنة. ولا تهمّني هنا الأسماء ولا التوازنات الحكومية، بل الفرصة التي يتيحها هذا الانتقال لطرح سؤال بسيط في صياغته، عسير في جوابه: هل نبني منظومة تربوية أم ندبّر أعطابها؟
لا أقصد التشكيك في جدوى المشروع، فبعض نتائجه الأولى إيجابية بشهادة تقويمات متعددة. أقصد فحص المنطق الذي يؤطره، هل يستهدف الشروط التي تُنتج التعثر، أم يكتفي بتحسين أدوات معالجته؟
المنظومة نسق: العلاقات قبل العناصر
المنظومة التربوية ليست تجميعا لمقررات ومدرسين واختبارات، بل عناصر مترابطة يتحدد أداؤها بطبيعة العلاقات بينها أكثر مما يتحدد بجودة كل عنصر على حدة. ولذلك قد ينجح تدخل جزئي دون أن تتحسن المنظومة، وقد تستقر منظومة عند أداء ضعيف لأن آلياتها التصحيحية تعيدها إليه باستمرار. فالسؤال الحاسم ليس وجود آليات للتصحيح، بل ما الذي تصححه، الأعراض أم الأسباب؟ والمعيار الحاسم هو الاتساق: أن تتجه المناهج والتكوين والتدريس والتقويم نحو الغاية نفسها. وقد بيّن برنامج RISE الدولي للبحث في تحسين الأنظمة التعليمية أن كثيرا من هذه الأنظمة متسقة فعلا، لكن حول غايات غير التعلم، كاجتياز الامتحانات أو الامتثال الإداري.
وهذا ما يقرّه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي نفسه. ففي تقريره السنوي عن حصيلة سنة 2024، يجعل التحول التربوي العميق «مشروطا بإعادة النظر في النموذج البيداغوجي القائم»، في إطار رؤية «تراعي العلاقات التفاعلية بين مختلف عناصر هذا النموذج، وتضمن فعاليته وانسجامه الداخلي والخارجي». ويسجل التقرير أن مكونات المنظومة، من تعليم مدرسي وتكوين مهني وتعليم عالٍ، «تظل تعمل بشكل منفصل ومعزول». وهو تشخيص له دلالته اليوم، وقد ضم التكوين المهني إلى قطاع التربية الوطنية.
ما تقوله التقويمات وما لا تقوله
تقدم الوزارة مؤسسات الريادة بوصفها تدخلاً متعدد الأبعاد، يتمحور حول التلميذ والأستاذ والمؤسسة، ويشمل تكوين المدرسين والتقييم المنتظم والدعم والقيادة المدرسية والتجهيز. ولذلك فمن غير الدقيق اختزاله في تقنيات بيداغوجية، أو وصفه مسبقاً بالترقيع. وقد توسع بسرعة، من 626 مؤسسة ابتدائية سنة 2023–2024 إلى ألفي مؤسسة إضافية في السنة الموالية، قبل أن تنطلق تجربة أولى في الإعدادي. ويقوم النموذج على عُدّة موحدة: التدريس وفق المستوى المناسب (TaRL) للدعم، والتعليم الصريح للتدريس اليومي، مع تأطير أسبوعي وتقويمات دورية. وقد سجلت دراسة الأثر التي أنجزها المختبر المغربي للابتكار والتقييم بشراكة مع مختبر J-PAL أثراً إيجابيا في العربية والفرنسية والرياضيات، وعليها استند قرار التعميم.
هذه نتيجة لا ينبغي التقليل منها. لكنها تجيب عن سؤال واحد، هل تحسنت المكتسبات الأساسية على المدى القصير؟ وتبقى أسئلة أخرى بلا جواب، هل تستمر المكتسبات بعد انتهاء التدخل المكثف؟ هل تنتقل إلى مجالات لم تُقَس؟ وما الذي يحدث لاستقلالية المدرس في قراره الديداكتيكي؟ ثم إن المنظومة التي تريد أن تتعلم تحتاج إلى تقويم مستقل عن الجهة المنفذة، وهو ما ينص عليه القانون الإطار 51.17 حين يُسند التقويم الخارجي إلى المجلس الأعلى. والمجلس يُنجز بالفعل تقويماً خاصاً يولي، بحسب تقريره السنوي، «اهتمامًا خاصا بدرجة الانسجام بين توجهات المشروع ومقتضيات القانون الإطار رقم 51.17 والرؤية الاستراتيجية». فالحلقة التصحيحية التي يتحكم فيها المنفذ وحده تميل إلى تأكيد ما يريد رؤيته.
الدعم: من إجراء استثنائي إلى دعامة دائمة
ليس الدعم علامة فشل، فالتفاوت بين المتعلمين حقيقة تربوية، والتدخل المبكر شرط من شروط الإنصاف. وقد أثبتت مقاربة TaRL، المستوحاة من تجربة منظمة «براثام» الهندية، فعاليتها حين طُبقت على نطاق واسع، كما بيّنت أبحاث بانيرجي ودوفلو وزملائهما (2017). غير أن هذه المقاربة تُنفَّذ في الغالب في حصص مخصصة لسد فجوة قائمة، وهي بذلك علاج لما تأخر، لا بديل عن تدريس يلائم مستوى التلاميذ منذ البداية. لكن المفارقة تبدأ حين يتحول الاستدراك إلى مركز ثقل دائم في الإصلاح. فإذا تكرر التعثر في المفاهيم نفسها وعلى نطاق واسع، فقد لا يكون الخلل في المتعلم وحده، بل في تسلسل المنهاج أو إيقاع التدريس أو ظروف القسم…
يشبه الأمر الجهاز المناعي، التدخل العلاجي ضروري عند الاختلال، لكنه لا يغني عن فهم أسبابه والوقاية منها. والسؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه بيانات الدعم ليس فقط «من تعثّر؟» بل أيضاً «ما الذي في المنظومة يُنتج هذا التعثر؟».
التعليم الصريح: أداة فعالة لا وصفة شاملة
للتعليم الصريح سند تجريبي قوي، خصوصا في تعلم المهارات الأساسية لدى المبتدئين، وقد بيّن كيرشنر وسويلر وكلارك (2006) محدودية التعلم بالحد الأدنى من التوجيه. غير أن أبحاث الحمل المعرفي نفسها تكشف ما يُعرف بـ«أثر انعكاس الخبرة»: فالتوجيه المفصّل الذي ينفع المبتدئ قد يصبح عبئا على المتعلم المتقدم.
الإشكال إذن ليس في التعليم الصريح، بل في تحويله من أداة إلى معيار حصري للجودة يُعمم على كل المواد والمستويات والأهداف. فتعلم القراءة الأولية لا يطرح المتطلبات نفسها التي يطرحها تفسير ظاهرة بيولوجية أو مناقشة فرضية. والتأطير الكثيف لعدّة موحدة قد يُضعف، على المدى البعيد، القدرة التي يحتاجها كل إصلاح، قدرة المدرس على اتخاذ قرار ديداكتيكي ملائم لطبيعة المعرفة ولتلاميذه.
العلوم تحتاج إلى التقصي
يكتسي هذا السؤال راهنية خاصة مع توسيع النموذج إلى السلك الإعدادي، حيث تُدرَّس علوم الحياة والأرض. فتعلم العلوم لا يكتمل دون بناء المشكلة، وصياغة الفرضيات، والتجريب، والنمذجة، والنقاش العلمي. وهذه ممارسات لا تُكتسب بالإصغاء وحده. فأن يحفظ التلميذ تعريف التنفس الخلوي أمر، وأن يصمم تجربة تميّز بين فرضيتين، أو يقرأ مقطعاً جيولوجياً ليعيد بناء تاريخ منطقة، أمر آخر تماماً.
والأدبيات هنا تتجاوز الثنائية الزائفة بين «التلقين» و«الاكتشاف الحر». فقد خلص التحليل البعدي الذي أنجزه فورتاك وزملاؤه (2012) إلى أن التدريس بالاستقصاء يحسّن التعلم، وأن أثره أقوى حين يوجّهه المدرس. وأكدت مراجعة لازوندر وهارمسن (2016) أن التوجيه هو ما يجعل الاستقصاء فعالا. فالمطلوب تدرج مدروس، من التوجيه الصريح، إلى الاستقصاء الموجه، فالاستقلالية.
مدرسة في زمن الذكاء الاصطناعي
لم تعد المعلومة نادرة. فالتلميذ يصل اليوم، في ثوان، إلى أجوبة جاهزة تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي. وهذا يغيّر وظيفة المدرسة، من نقل المعارف إلى تعليم المتعلم كيف يسائلها، ويتحقق منها، ويوظفها في حل مشكلات جديدة. وهي كفايات مركبة لا تُبنى بتمارين قصيرة متكررة وحدها، بل بوضعيات تتطلب الاستدلال والنقد والإبداع. ويقتضي ذلك أيضاً تربية على الاستعمال النقدي لهذه الأدوات، متى نثق في جوابها؟ وكيف نتحقق منه؟ وما الذي لا تستطيع فعله بدلاً منا؟ وتدريس العلوم بالتقصي من أفضل المداخل إلى ذلك، لأنه يعوّد التلميذ على مطالبة كل ادعاء بالدليل. والنموذج الذي يركز على المكتسبات الأساسية ضروري، لكنه يحتاج إلى امتداد يُعِدّ التلميذ لعالم لم تعد فيه المعرفة المحفوظة ميزة.
التقويم: نقيس ما يتعلمه التلميذ أم ما يسهل قياسه؟
يُنسب إلى عالم الاجتماع دونالد كامبل قانون مفاده أنه كلما استُعمل مؤشر كمّي في اتخاذ القرار، زادت الضغوط التي تشوهه وتشوه العملية التي وُضع لرصدها. فحين تُقاس الجودة أساسا بالمكتسبات القابلة للقياس السريع، ينجذب التدريس نحوها، وتتراجع أبعاد أبطأ تشكلا: الاستدلال العلمي، ونقل التعلم، والاستقلالية الفكرية.
وهي الأبعاد نفسها التي يدعو إليها المجلس الأعلى في تقريره، حين يطالب بمناهج «تهتم بجودة التعلمات، لا بكمّها»، وتعزز «الفهم العميق للمعارف بدل الاكتفاء بالحفظ». فإذا غابت هذه الأبعاد عن أدوات القياس، غابت تدريجيا عن الأقسام.
نحو منظومة تتعلم
المطلوب ليس الدفاع المطلق عن المشروع ولا رفضه المطلق، بل تحسين مستمر يقوم على خمسة شروط:
1. تشخيص الأسباب البنيوية للتعثر انطلاقا مما تكشفه بيانات التقويم عن المنهاج والوسائط، لا عن التلاميذ وحدهم.
2. تكوين عميق للمدرسين في الديداكتيك وتحليل الممارسات، يجعل الالتزام بالعدّة نقطة انطلاق نحو القرار المهني المستقل.
3. تعدد مدروس للمقاربات بحسب المواد والمستويات وطبيعة المعرفة.
4. تقويم مستقل ومزدوج الوظيفة يجمع المكتسبات الأساسية إلى الكفايات المركبة.
5. إعادة الاعتبار للبحث الديداكتيكي بوصفه مصدرا لقرارات الإصلاح، لا مجرد أداة لتبريرها.
وقد أبرز التقرير العالمي لرصد التعليم 2024/2025 الصادر عن اليونسكو أهمية القيادة المدرسية التي تركز على التعلم والتعاون وتنمية الفاعلين، وهي عناصر يصعب تعويضها بإجراء تقني مهما بلغت فعاليته.
ليست المسألة أن نختار بين دعم المتعثرين وإصلاح المنظومة، فالإنصاف يفرض الأول، والاستدامة تقتضي الثاني. لكن ترتيب الأولويات حاسم، كلما صارت المدرسة أقدر على بناء التعلم منذ البداية، قلّت الحاجة إلى استدراك واسع ومتكرر. ومعيار الريادة الحقيقي ليس سرعة معالجة التعثر، بل القدرة على تقليص شروط إنتاجه، وبناء عقل علمي قادر على التفكير والنقد. فإذا نجح الإصلاح في الانتقال من إدارة الأعطاب إلى بناء منظومة تتعلم من أخطائها، يكون قد ربح ما هو أبعد من نقطة إضافية في اختبار.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.