مؤشر الابتكار العالمي

مؤشر الابتكار العالمي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 20:16

“المغرب ومؤشر الابتكار العالمي 2026: من السعي إلى التموقع نحو سيادة تكنولوجية حقيقية”

تقديم:

لم يعد الابتكار اليوم مجرد ترف تقني أو نشاط هامشي في اقتصادات الدول، بل أصبح المحرك الأساسي للنمو المستدام، وأحد أهم مقاييس التنافسية والقدرة على الصمود الاقتصادي في عالم تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي. وفي هذا السياق، يكتسي مؤشر الابتكار العالمي (GII) الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) أهمية بالغة، حيث يقدم صورة شاملة عن أداء 139 اقتصادًا حول العالم في منظومة الابتكار. وقد أسفرت نتائج تصنيف عام 2026 عن موقع متقدم للمملكة المغربية، جعلها تحتل الرتبة 54 عالميًا، وهو ترتيب يعكس دينامية إيجابية، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا التقدم ورهاناته المستقبلية.

أولاً: قراءة في النتائج وموقع المغرب إقليميا

وفقًا لمعطيات المؤشر، جاء ترتيب المغرب في المرتبة 54 عالميًا، متقدماً على دول عربية عريقة في مجال البحث العلمي مثل مصر (83) ولبنان (86)، ومتأخراً عن دول الخليج التي استثمرت بكثافة في البنية التحتية التكنولوجية والاقتصاد المعرفي، مثل الإمارات (25)، والسعودية (42)، وقطر (47). هذا الترتيب الإقليمي يضع المغرب في موقع “الملاحق السريع” أو بالأحرى “الاقتصاد الصاعد بثبات”، فهو ليس في مقدمة الدول العربية الرائدة، ولكنه يتفوق على دول أخرى لديها إمكانيات بشرية هائلة، مما يشير إلى أن المنظومة المغربية تعمل بوتيرة متسارعة، ولكنها لا تزال بحاجة إلى قفزات نوعية لتضييق الفجوة مع الدول المتقدمة.

ثانياً: الأسباب الكامنة وراء التطور الإيجابي

يعزى هذا الانتقال النوعي الذي حققه المغرب في مؤشر الابتكار العالمي إلى مجموعة من العوامل المتشابكة:

الاستثمار في الرأسمال البشري: حيث عملت المملكة المغربية على تطوير منظومتها التعليمية والجامعية، خاصة في مجالات العلوم والهندسة والتكنولوجيا، مما وفر يداً عاملة مؤهلة قادرة على استيعاب التكنولوجيا الحديثة؛

تطوير البنية التحتية التكنولوجية: عبر إنشاء أقطاب تكنولوجية ومدن ذكية وحاضنات أعمال، ساهمت في خلق بيئة مواتية لريادة الأعمال والمشاريع المبتكرة؛

الانفتاح الاقتصادي وحماية الملكية الفكرية: حيث أصبح النظام القانوني المغربي أكثر استجابة لحماية العلامات التجارية وبراءات الاختراع، مما شجع على خلق قيمة اقتصادية من الأصول غير الملموسة.

ثالثا: الرهانات الاستراتيجية للمغرب

لا يقتصر طموح المغرب من خلال تحسين ترتيبه في هذا المؤشر على تحسين صورته الاقتصادية فحسب، بل يتعلق الأمر برهانات استراتيجية كبرى، أبرزها:

توطين التكنولوجيا وإنتاجها: وهو الرهان الأصعب، حيث يسعى المغرب إلى تجاوز مرحلة “المستهلك” للتكنولوجيا (التوطين) إلى مرحلة “المنتج” والمطور لها (التمكن)؛

بناء اقتصاد المعرفة: من خلال تشجيع البحث والتطوير (R&D) داخل المختبرات البحثية المغربية، وتحويل نتائج البحث العلمي إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة عالية، وهو ما يسمى بربط المجال الأكاديمي بالمجال الصناعي؛

تعزيز التنافسية الدولية: لجعل المغرب قطبا جاذبا للاستثمارات التكنولوجية في منطقة شمال إفريقيا والمتوسط.

رابعا: إشكالية توطين التكنولوجيا بين الاستثمار الأجنبي المباشر وعقود نقل التكنولوجيا

يُبنى مؤشر الابتكار العالمي في جانبه المتعلق بتوطين التكنولوجيا على ركيزتين أساسيتين: الاستثمار الأجنبي المباشر (IDE)، والبحث والتطوير داخل المختبرات الوطنية، وهنا يبرز جوهر التحدي الذي يواجه المغرب.

فمن الناحية النظرية، يُنظر إلى الاستثمار الأجنبي المباشر على أنه قاطرة لنقل التكنولوجيا، غير أن الواقع العملي يثبت أن هذه التقنية، في كثير من الأحيان، تؤدي إلى احتكار المستثمر الأجنبي للتكنولوجيا، مما يقلل من احتمالات وصول الدول المضيفة إلى مرحلة التحكم التكنولوجي أو كما نحبذ أن نسميها بمرحلة التمكن التكنولوجي (أي السيطرة والتحكم في التكنولوجيا)، لأن الشروط التي تحيط عملية توطين التكنولوجيا عن طريق الاستثمارات، تجعل رهان المغرب الصناعي، بطيء بعض الشيء، لصالح الطرف الأجنبي، بدلاً من أن تكون وسيلة للتنمية التكنولوجية المحلية.

إذن فالشروط التقييدية التعسفية في عقود الاستثمار الأجنبي المباشر بفعل اختلال في التوازن التعاقدي لصالح الطرف الأجنبي، مما يمنحه انفراداً في صياغة مضامين العقود، ويحرم الطرف الوطني الضعيف من أي تأثير على مضمونها. وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى عقود نقل التكنولوجيا كبديل استراتيجي أكثر فعالية.

الاستثمار الأجنبي المباشر يقتصر على توطين التكنولوجيا فحسب، لأنه لا ينقل المعرفة الفنية الجوهرية، ويُبقي التكنولوجيا محتكرة، ويمنع الطرف الوطني من فهمها أو تطويرها. بينما عقود نقل التكنولوجيا تُمكّن المقاولة المستفيدة من التحكم في التكنولوجيا والسيطرة عليها وتطويرها، لأنها تنقل المعرفة الفنية بشكل صريح، وتتيح الاطلاع على أسرار التقنية، وتمنح حق التعديل والتطوير، وتُنشئ علاقة تعاقدية متوازنة.

خلاصة

في ضوء ما سبق، وعلى الرغم من التقدم المحرز في مؤشر الابتكار العالمي، فإن الطريق نحو السيادة التكنولوجية الحقيقية لا يزال محفوفًا بالتحديات. وإننا نرى، كما سبق أن أشرنا في كتابنا المعنون “عقد نقل التكنولوجيا والممارسات المقيدة للمنافسة” (الطبعة الأولى، مطبعة جزيرة التكنولوجيا، سنة 2020، ص 24)، أن الاعتماد على تقنية الاستثمار الأجنبي المباشر قد يكون بطيئًا في تحقيق مرحلة التمكن التكنولوجي.

وبالتالي، يجب على المغرب أن يعيد توجيه بوصلته الاستراتيجية نحو التركيز الأساسي على تقنية عقود نقل التكنولوجيا، بدلًا من الاقتصار على الاستثمار الأجنبي المباشر. فهذه العقود هي التي تُسرّع من رهان أن يصبح المغرب مالكا للتكنولوجيا، وقادرا على تطويرها واستيعابها محليا، مما يضمن له تنافسية مستدامة في الاقتصاد العالمي القائم على المعرفة. إن الانتقال من مجرد “استقبال” التكنولوجيا إلى “امتلاك” مفاتيحها هو الضمانة الحقيقية لمستقبل ابتكاري مزدهر.

-باحث في تقنيات نقل التكنولوجيا وتوطينها في المغرب – أستاذ زائر بكليات الحقوق

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 22:33 3

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 20:32 5

التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي

صوت وصورة
عرشان يدعم "حكومة المنصوري"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:42 5

عرشان يدعم "حكومة المنصوري"

صوت وصورة
الاتحاد الدستوري في مقر "البام"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 12:43 2

الاتحاد الدستوري في مقر "البام"

صوت وصورة
شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 11:55 1

شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس

صوت وصورة
عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 10:49

عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع