محمد ﷺ في زمن الإنترنت

محمد ﷺ في زمن الإنترنت
الإثنين 24 نونبر 2025 - 14:26

في كتابها “محمد في العصر الرقمي” (Muhammad in the Digital Age) تقتحم الباحثة الأميركية رقية ياسمين خان منطقة شائكة حيث يتحول النبي محمد ﷺ إلى موضوع لنقاش بلا حدود، تتقاطع فيه الأسئلة التاريخية مع رهانات الحاضر الرقمي. فالوسائط الجديدة، من الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي إلى الصورة والفيلم والتعليق الجماهيري، أعادت تشكيل صورة النبي في المخيالين الإسلامي والغربي، وجعلتها ساحة مفتوحة للصراع والتأويل والتوظيف السياسي.

يكشف الكتاب، الذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والأكاديمية الغربية، أن تمثيل النبي محمد في الإعلام المعاصر لا يقتصر على النقل السطحي، إنما يتصادى مع نتاج تفاعل معقد بين سلطة الصورة وسرعة التداول والحمولات الأيديولوجية، حيث باتت المنصات الرقمية فضاء يعبر فيه المسلمون وغير المسلمين عن مواقفهم دفاعاً أو نقداً أو إعادة قراءة، وتتقاطع في قلبه قضايا الهوية والتمثيل والعنصرية والإسلاموفوبيا، خاصة بعد منعطف 11 سبتمبر وما تلاه من حروب وسرديات أمنية.

رقية ياسمين خان تطرح في كتابها مشكلات التوتر الدائم بين حرية التعبير وحرمة الرموز الدينية، متى يصبح النقد ازدراءً، ومتى يتحول الدفاع عن “الحق في الإساءة” إلى أداة استفزاز لجماعات بعينها، وكيف تكرس وسائل الإعلام العالمية صورة “المسلم الآخر” ضمن نمطية بصرية لا فكاك منها. وفي سياق متواز تتناول الباحثة الأمريكية دور النساء في إعادة تقديم زوجات النبي، خصوصاً عائشة، كأيقونات للتأويلات المتباينة بين النسوية الإسلامية والتشدد المحافظ، بما يكشف قدرة الصورة الرقمية على أن تكون في آن أداة تمكين ومجال تضليل.

ولا يكتفي العمل بتحليل الخطاب الإعلامي، بل يتوغل في تاريخية المعرفة، فيسائل كيف غيرت الأدوات الرقمية طرائق دراسة أصول الإسلام، من المخطوطات إلى التأريخ المبكر والدراسات القرآنية، لتصبح المعرفة نفسها جزءاً من شبكة خوارزمية تتحكم في إنتاج الحقيقة الدينية.

تبلغ مقاربة الكتاب ذروتها في الفصل الذي كتبه تانر إدس، إذ يتقصى خطاب “الملحدين الجدد” أمثال ريتشارد دوكينز وسام هاريس وكريستوفر هيتشنز الذين جعلوا الإسلام، وبالأخص شخصية النبي محمد، خصماً نموذجياً لإبراز تفوق العقل العلمي على الإيمان الديني. يشرح إدس كيف حول هؤلاء اسم النبي إلى رمز كلي يختزل فيه الإسلام كله، بحيث يصبح نقد محمد نقداً للدين برمته وللمسلمين أجمعين، معتمدين على آليات متكررة مثل التجسيد الشخصي بتقديم النبي كشخصية تاريخية يمكن الطعن في أخلاقيتها بالتركيز على الحروب وتعدد الزوجات وزواج عائشة، والانتقائية النصية عبر اقتطاع آيات أو أحاديث من سياقها وإغفال التراث التأويلي والفقهي الطويل، إضافة إلى الربط السياسي الذي يزاوج الإسلام بالعنف المعاصر كداعش و11 سبتمبر لتبرير فكرة “الخطر الحضاري”. هنا يتقاطع ما يسميه ميشيل فوكو “نظام الخطاب” الذي يمارس سلطة معرفية تقصي الخطابات الدينية بزعم العقلانية، مع ما حذر منه هابرماس حول “العقل الأداتي” الذي يتحول من أفق تواصلي إلى أداة هيمنة ثقافية.

ويتساءل إدس إن كان نقد النبوة مشروعاً فلسفياً بمعزل عن التسييس، أم أنه يتحول في سياق ما بعد 11 سبتمبر وحروب أفغانستان والعراق إلى أداة داخل ماكينة صراع حضاري. اللافت أن الخطاب الإلحادي الجديد يندر أن يفسح المجال لصوت المفكرين المسلمين الذين يقدمون قراءات عقلانية نقدية من الداخل، مما يكرس تعميماً يهمل التنوع الهائل في تاريخ الإسلام وفكره، من المعتزلة إلى الفلاسفة المسلمين الذين أسسوا لعقل حواري كان يمكن أن يثري النقاش لو أتيح له الحضور.

ويبرز هنا بعد سوسيولوجي مهم، حيث إن التكنولوجيا الرقمية حولت الجدل الديني إلى فرجة جماهيرية، إذ ينتشر مقطع مجتزأ أسرع من أي رد علمي أو تأويلي، فيتقدم “الفيديو الفيروسي” على الفكرة التي يفترض أن يشرحها، لتتجلى مشكلة السلطة الخوارزمية التي تعيد تشكيل الحقيقة وتوجه الرأي العام.

أمام هذا المشهد يدعو النص إلى بناء خطاب إسلامي رقمي جديد لا يكتفي بردود الأفعال ولا يقع في فخ الاستقطاب، بل يستعيد تقاليد عقلانية إسلامية ويستثمر المنصات نفسها لإنتاج معرفة تاريخية نقدية تكسر الاحتكار الإلحادي لصورة النبي وتعيدها إلى ساحة الحوار الفلسفي. وهكذا يكشف الفصل أن العداء للإسلام في خطاب الملحدين الجدد ليس مجرد موقف فكري ضد الدين، بل هو إنتاج سياسي وثقافي مدعوم بالتكنولوجيا، ما يفرض أسئلة ملحة: كيف نوازن بين حرية نقد الأديان وحق المؤمنين في عدم التعرض للتنميط؟ وكيف نضمن ألا يتحول النقد إلى أداة استعمار معرفي أو قمع متبادل؟.

إن صورة النبي محمد ﷺ لا تقتصر في الفضاء الرقمي على السردية التاريخية، بل تمتد إلى حقل صراع رمزي عالمي تتقاطع فيه السياسة بالدين والعقل بالخوارزم والحرية بالهيمنة، وفي هذا التماس الشائك يكمن التحدي الفلسفي الأكبر: إعادة امتلاك القدرة على إنتاج معنى يتجاوز الاستقطاب ويؤسس لحوار كوني لا يقصي أحداً.

في نهاية هذا الاستكشاف الرقمي، يظل سؤال الخلود الرمزي للنبي ﷺ وحضوره في فضاءات الإنترنت معلقاً في الهواء، منفتحين على أسئلة قلقة ومتوترة، من بينها:
هل يمكن للرقمنة أن تعيد تشكيل المقدس دون أن تشوهه؟ وهل النقد والفرجة الرقمية قادران على العيش جنباً إلى جنب مع الاحترام والتأمل العميق؟ أم أن كل صورة، وكل مقطع، وكل تعليق، يظل محكوماً بسلسلة من التحويلات التي تجعل الحقيقة دائمة الزوال، والرموز مفتوحة على الاستيلاء والتجزئة؟.

أما السؤال الأعمق والأكثر تفلسفاً وراهنية فهو: كيف يمكن للعقل أن يلامس الإيمان، والحرية أن تسائل السلطة، والرمز أن يبقى حياً في زمن تتراقص فيه الحقائق على شاشات الضوء؟.

ربما تكون الإجابة عن كنه ذلك، في القدرة على الاستمرار في طرح الأسئلة، وعلى أن يكون النقاش الرقمي نفسه مساحة للتأمل، ومسلكاً نحو فهم يتجاوز الاستقطاب، ويعيد للرمز حضوره الحي في وجدان البشرية، بلا قيد، بلا استيلاء، وبلا اختزال.

*كتاب “محمد في العصر الرقمي” (بالإنجليزية: Muhammad in the Digital Age)

المؤلف: رقية ياسمين خان (Ruqayya Yasmine Khan)

الناشر: دار جامعة تكساس للنشر (University of Texas Press)

تاريخ النشر: 15 نوفمبر 2015

عدد الصفحات: 256 صفحة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • amaghrabi
    الإثنين 24 نونبر 2025 - 17:30

    صراحة أنا أخالف من يريد أن يسقط الحالة الاجتماعية والسياسية والثقافية والعلمية وو التي كانت سائدة في ايام النبي محمد “ص” على اوضاعنا واحوالنا العلمية والسياسية …. وكذلك ضد من ينتقد الاحوال الاجتماعية والسياسية وووو أثناء حياة محمد “ص” انطلاقا من واقعنا ومن حياتنا ومن ثقافتنا ومن مجتمعنا ووو الذي نعيشه اليوم او من الحالة التي وصلت اليه البشرية من تطورات ومستجدات واوضاع ووو لم يصل اليها المجتمع المكي والمدني في حياة نبينا الكريم لاننا في جميع الاحوال نظلم نبينا الذي عاش عصره وترك عقيدة روحية ابدية لا تقبل التغيير والتجديد لان الصلاة هي الصلاة والصيام هو الصيام ووو لا علاقة لهم بالمستجدات

  • MC
    الإثنين 24 نونبر 2025 - 20:26

    “C’est l’ère de la simulation. Il n’y a plus de sacré; il n’y a plus de vérité; il n’y a plus de réel”

    “هذا هو عصر المحاكاة. لم يعد هناك مقدس؛ لم تعد هناك حقيقة؛ لم يعد هناك واقع.”
    J Baudrillard

    “The difference between a god and a mortal is that a mortal can die. But a god can be forgotten”

    “الفرق بين الإله والبشري هو أن البشري يمكن أن يموت. أما الإله فيمكن أن يُنسى.”
    Neil G

    في زمن الرقمنة، أصبحت صورة نبينا محمد “ص” عرضة للتحريف والتشويه على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتداخل الآراء والتأويلات في ساحة عامة تخلو أحيانًا من الاحترام اللازم للرموز الدينية. أؤمن أن حرمة النبي “ص” يجب أن تبقى فوق كل اعتبار، وأن النقد لا يجب أن يتحول إلى ازدراء أو استفزاز يؤدي إلى تعميق الصراعات بين الثقافات والأديان.
    في الوقت نفسه، لا يمكننا إنكار أهمية حرية التعبير، لكنها محكومة بالمسؤولية واحترام معتقدات الآخرين، وهذا هو التوازن الذي يجب أن نحرص عليه في كل نقاش يُجرى على الإنترنت.
    أصمودنا في هذا الفضاء يتطلب منا تعزيز الوعي واستخدام الأدوات الرقمية بذكاء لنتحدث عن القيم الحقة للدين.

    ALHOCEIMA

  • Lamya
    الثلاثاء 25 نونبر 2025 - 10:29

    المسؤولية عن النظرة السلبية للرسول محمد ﷺ تقع في هذا العصر أيضا على عاتق الجماعات الاسلامية المتطرفة التي تشوه الصورة ليس بالعنف و الارهاب فقط, بل أيضا على المستوى الاجتماعي و الحقوقي, حيث تتشبث بحرفية النصوص وتطبيقات تاريخية, مما يصور الاسلام بشكل جامد و مناهض للعدل في العصر الحديث
    هذا التشويه تتناظر فيه أفعال المتطرفين مع اسقاطات الملحدين الجدد, فأفعال المتطرفين يتم اسقاطها على النبي محمد ﷺ يعني على الاسلام ككل و تصوير أنها نابعة من النصوص, و لكن بعد بترها من سياقها
    لذا فإن واجبنا ليس فقط نبد التطرف, بل تقديم ترجمة عملية للرحمة و العدل, لنسحب البساط من تحت هذا الإسقاط المغرض

  • مربط الفرس
    الثلاثاء 25 نونبر 2025 - 11:13

    نحن المسلمين الذين علينا أن نعطي صورة حسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأفعالنا لتجسيد الرحمة المهداة للعالمين و عدم الدخول في جدال عقيم حوله مع المسيئين و المغرضين

  • Lamya
    الثلاثاء 25 نونبر 2025 - 12:48

    يقول الله تعالى وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) النساء
    الله تعالى يأمرنا بعدم الجلوس مع المسيئين و المستهزئين, كاستراتجية للاعتزال الإيجابي و كذلك الحديث الشريف الذي يحث على ضبط النفس و عدم الرد على الإساءة بالمثل (كواقعة أبي بكر الصديق)
    هنا تظهر عظمة الإسلام و حلمه و رحمته و رقيه
    بينما نجد المتطرفين يقتلون المسيئين للنبيﷺ, كما في واقعة قتل الرسام صاحب الكاريكاتير.
    هذا يظهر جليا أن المتطرفين لا يتبعون تعاليم الاسلام السمحة, بل يخالفونها بشكل صارخ و يقدمون بذلك اكبر خدمة لمن يريد تشويه صورة النبي ﷺ
    أفعالهم خيانة للرسالة و ليس دفاعا عنها

  • متتبع
    الثلاثاء 25 نونبر 2025 - 15:17

    من جوامع كلمه صلى الله علبه وسلم تبعا للوحي انه يخاطب الثابت من الانسان لا المتغير عبر الازمنة والامكنة والاجناس.مثال
    “فاصدع بما تامر” ان كان حقا
    “وامر بالمعروف واصبر على ما اصابك” لان المعروف كثير قاءله قليل فاعله “ولكن اكثر الناس للحق كارهون” ” ولكن اكثر الناس لا يعلمون”فعليك بالصبر ولا تكن امعا.
    “قل خيرا او اصمت” وكم من حاجة قضاؤها في تركها
    “الساكت عن الحق شيطان اخرس”.حتى لا يبقى الباطل هو الساري في المجتمع وبالتالي هو المرجعية في الاخلاق زهذا هو حالنا اليوم.

  • مهاجر من ألمانيا
    الخميس 27 نونبر 2025 - 12:53

    يجب أن نركز جهدنا على الإنتاج الإيجابي المؤثر, بعيدا عن الانفعال و
    إذا كان الكلام عن سيدنا محمدﷺ في الانترنيت نقدا فكريا (حتى لو كان خاطئا) فالرد يكون بالحجة القوية و عقلانية
    أما إذا كان مجرد استهزاء و إساءة هدفها الإثارة فقط, فالأفضل هو التجاهل التام, لأن التجاهل هو أقوى سلاح ضد من يبحث عن البوز, فهو يحرمهم من الشهرة و يحافظ على طاقتنا لإنتاج محتوى جميل و إيجابي عن نبي الرحمةﷺ
    هكذا يجب الأخذ بالأسباب أما الهداية فمن الله, يعني استخدام العقل و الذكاء في الرد, ببدل مجهود في تبيان الحقيق,ة ثم نكل أمر الهداية و تغيير القلوب إلى الله سبحانه و تعالى

  • مهاجر من ألمانيا
    الخميس 27 نونبر 2025 - 14:27

    الاستهزاء و السخرية من الرسل و المؤمنين هي من سمات الكفار و ظاهرة قديمة جدا و الرد عليها مضيعة للوقت
    يقول الله تعالى:
    يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) يس
    إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) المؤمنون

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32

صقور السعودية في سماء مراكش