محمود درويش... ما زلتَ حيّاً في مكَانٍ مَا!

محمود درويش... ما زلتَ حيّاً في مكَانٍ مَا!
الخميس 11 غشت 2016 - 03:26

ثماني سنواتٍ على رحيلِ لاعبِ النّردِ، والشعرُ لمْ يستفقْ بعدُ من صَدمة فراقِهِ. شِعْرُهُ وابتسامَتُهُ خالِدتَان. عَشِقَ طريقَ الشِّعْرِ وخَاضَ أهوالَ السّفرِ في ليْلِ القصيدةِ. تعلَّقَ بالحُريةِ فأصبحَتْ مُنتَسِبةً إليهِ. وتأمّلَ المُمَارسَة الشِّعريةَ فامْتَزَجتْ أشْعارُهُ بتنظِيراتِه. كلٌّ منّا يشعُرُ بوجُودِه غائباً حاضراً. وهُوَ الشاعِرُ الذي لا يُحِبُّ البنفسَجَ الذي يذيعَ رائحةَ المَوتِ.

امتدتْ تجربة محمود درويش الشعريةُ لأربعين سنةً. وهي تجربةٌ راهنتْ على الاستمراريةِ والتّعدُّدِ كشرْطَينِ مُؤسِّسَين لكلّ فِعْلٍ كتابيٍّ، لم يكفَّ فيهِ الشاعِرُ عنْ خوضِ الأسئلةِ الأكثرِ عُمْقاً. ذلك دَأبُهُ. فقد كانتْ رحلتُه الأولى إلى المَعنَى؛ معنى الشِّعر، والشاعرِ. وعبْر كتاباتِه الشعريةِ والنثرية، أرْسى درويش تصوُّراً جديداً لمفاهِيمِ الشِّعر والنّثرِ وبنى مفهوماً مغايراً للمقاومَة؛ مجابهةِ المُحتَلِّ، وذلك المعنى الأولُ الذي أصبحتْ معَهُ فلسطين أسطورةً، ثم مقاومة أخذت أبعاداً مُتَعَدِّدةً لها الذاتُ والآخرُ والذاكرةُ والكتابَة وإعادة الكتابةِ. ولعلّ أبرزَ مقاومةٍ يخوضُها درويش، الآنَ بعد وفاتهِ، هي تلكَ التي يواجِهُ فيها النّسيانَ.

انطلَقَتِ المُمارسَةُ النصيَّةُ لمحمود درويش مِنَ الحَدسِ إلى المَعرِفةِ الشّعرية، من دونِ أنْ تُحْدِثَ بينهُما قطيعةٌ. فقَدْ جعلَ الشاعِرُ منْ أعمالِهِ مختبراً لتصَوُّراتِهِ النظريةِ عن المَسألةِ الشّعريةِ، والتي تفتَحُ صِلاتٍ ووشائجَ مع حِواراتِه وكتابَاتهِ الصِّحافيةِ. وقد رفضتْ قصيدةُ درويش السياسيّ والديني، وراهنَتْ على أنْ تجْعلَ للمُغامَرةِ الشِّعريَةِ بُعْداً كوْنياً. وهو بعدٌ لمْ يتبدَّ إلا مَعَ ورد أقل الذي فرَضَ فيهِ درويش على قارئِهِ علاقةً جديدةً، قائمةً على الفُجأة، والتمرّد وتعدُّدِ المعنى، واختبارِ عناصِرَ نصيةٍ جديدةٍ، بالرغم منْ تشَبُّتِها بالغِنائِيِّ والملْحَميِّ وبلُغة الحياةِ اليومِيةِ.

يَسْتدْعِي وفاؤُنا للشِّعر، وحُبُّنا لدَرويش، قراءةً عاشقةً لأعمالهِ تبحثُ في الفَنِّي والجَمالِي فيهَا، وتكفُّ عن كلِّ تأويلٍ “مُفرطٍ” يرى إلى النّص الشِّعريِّ وثيقةً نضاليةً أو سياسيةً أو وطنيةً، تحجُبُ دلالاتِ البرتقالِ والأمِّ والحبيبةِ… وتمْنَعُها من أن تكونَ مدلولاتٍ في ذاتِها. وكثيراً ما رفضَ درويشُ هذا النوعَ من القراءات، وكثيراً ما سيَّجَهُ النقادُ في هذا الخندق.

سنواتٌ ثمانيةٌ على رحيلكَ. والشاعرُ والإنسانُ فيكَ، لا يكادُ يَغيبُ عنّا، و”كأنكَ ما زلتَ حيّاً في مكانٍ ما” بينَنَا. واسمُكَ، الذي وهَبْتَهُ “لأصدقائِكَ أيْنمَا كانُوا”، خالدٌ. وصوتُكَ، إلى قراءاتِنَا وإلى أشْعارِنَا وإلى حبِّنا وإلى وطنِنَا وإلى ذاتِنا يتَسلَّلُ. يدعُونا، بكلِّ لُطفٍ إلى أنْ نتأمّلَ أعمالَك، ونقرَأها، ونُعيدَ قرَاءَتَها، بما يليقُ بكَ وبشَغَفِنا بكَ.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • S-S
    الخميس 11 غشت 2016 - 18:20

    الناس صنفان ، موتى في حياتهم .. وآخرون ببطن الأرض أحياء ( أحمد شوقي ) .. ثمة بشر يرحلون فارغين .. وثمة بشر يرحلون ويحملوننا معهم .. رحمك الله يافارس الكلمة يابطلا هنا وهناك ..

  • youbou
    الإثنين 15 غشت 2016 - 20:58

    درويش شاعر كبير يستحق القراءة تحية للكاتب

  • karim sebri
    الثلاثاء 16 غشت 2016 - 10:00

    تحية شاعرية للباحث سفيان الماجدي لقد جعلتنا نتذكر محمود درويش أيام مسرح محمد الخامس وسميح القاسم ومارىسيل خليفة وأيام الشعر الألماني أيام بنيس في بيت الشعر
    ايام لن تعود

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء

صوت وصورة
دورة استثنائية للأحرار
السبت 3 أكتوبر 2026 - 12:44 3

دورة استثنائية للأحرار

صوت وصورة
غلاء الخضر مع بداية الخريف
السبت 3 أكتوبر 2026 - 11:54 1

غلاء الخضر مع بداية الخريف

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 14

غلاء المحروقات يركن السيارات

صوت وصورة
احتجاج طلبة الجديدة
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 18:06

احتجاج طلبة الجديدة

صوت وصورة
تفكيك سرديات نشأة المرابطين
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 15:17

تفكيك سرديات نشأة المرابطين