في هذا المكتوب، الذي ينشر على حلقات طيلة شهر رمضان، دعوة صادقة إلى الإقبال على الحياة. إنه يقول، من خلال سرد أحداث واقعية من حياة إعلامي مغربي قهر المستحيل بقدم واحدة، إن الحياة جهد وعرق وتضحية.. وإنها – قبل ذلك وبعده – جميلة حقا، وتستحق أن تعاش.
وقد عاودنا الكرة مرات. وكنا نؤدي أدوارنا في ساحة المدرسة أحيانا، وفي فصول الدرس الفارغة أحيانا أخرى. وأحدس أن كل ذلك لم يكن سوى لهوا ولعبا، وانتهى السؤال.
لكن محاولتي الجادة الأولى كانت بعد ذلك بأعوام. فقد شاركنا في ملتقى مسرحي بمدينة أخرى. وكنا فتيانا لم نجاوز السادسة عشرة. لكن الملتقى ألغي ولم تكن في جيوبنا، مجتمعين، سوى دراهم معدودات.
كان ديكور المسرحية مكوّما في حقيبة كبيرة يتناوب الأصدقاء على حملها. كل الديكور عافاكم! وقد أرهقنا ذلك الحمل الثقيل من أمرنا عسرا. ثم رقّ لنا سائق حافلة وقبِل منّا الدريهمات، وعدنا نجر أذيال الخيبة إلى البلدة الصغيرة.
وفشلت مرة أخرى!
في لحظات الصفاء المتفلتة من عقال الزمن، أسال نفسي: ألم يكن عشقي للمسرح مطيّة أقود عليها معارك الانتصار على نفسي؟ أكتب بجسدي على الخشبة مثلما أكتب بقلمي على الورق، كأنني أصرخ ملء فمي أن الإعاقة – كيفما كانت – تؤشر على الاختلاف البشري، وأن قيمة المرء ما ينتج. ثم لا كلام.
والحقيقة أنني لا أحب أن أفلسف حياتي، ولا حاجة عندي إلى البحث عن الدوافع العميقة والنوازع النفسية، فقد عشت متحررا من كل التمثلات الاجتماعية الخاطئة، مؤمنا بأن قدر الإنسان – كل إنسان – أن يسعد، لا أن يشقى.
وفي هذه اللحظة، تعرض شاشة مخيلتي صورا متعاقبة: على الأرض أوراق مبعثرة وأقلام، وأنا أكتب مسرحية أعدها لاجتياز امتحان الالتحاق بمعهد المسرح. قضيت صيف ذلك العام أكتب، وحفظت مشاهد من مسرحية عالمية يغيب عني اسمها الآن. كنت أقضي مساءاتي في الكتابة، ليس معي شيء سوى أوراقي وأقلامي وإبريق قهوة.. وأحلام كثيرة كثيرة !
لكن عبارة واحدة أجهضت كل تلك الأحلام. كان من شروط الالتحاق بالمعهد شهادة طبية تثبت “القدرة على المجهود البدني”. وأعلم، اليوم، كم كنت قادرا؛ لكن حساسيتي المفرطة، في ذلك الوقت، منعتني من مجرد المحاولة.
وفشلت مرة أخرى!
ومزقت مكتوبي شرّ ممزق. وكدت أغرق في دوامة اكتئاب حادة لولا أنني كنت أحتال على نفسي؛ فأحدثها بحديث العقل حينا، وبحديث العاطفة حينا آخر، حتى هدأتْ ونسيتُ.. أو كدت أنسى.
وقد ذكرتني هذه الواقعة بأخرى حدثت منذ ثلاثة أعوام. كنت قد اخترت متابعة دراستي بالثانوية الفلاحية. ويا لعجبي! ويا للطاقة التي تكمن في هذا الفتى الخجول! يختار تخصص الهندسة الفلاحية مع ما في ذلك من مشقة جسدية. يعلم ذلك ويرفع التحدي. وترحب به الإدارة والأساتذة، بعد الدهشة الأولى، ويعيش أياما في الداخلية مع زملائه، كأسعد ما يعيش المرء بين أقرانه.
والحق أنني كنت أقرأ في عيون المدرسين والإداريين تعاطفا حقيقيا وصادقا. ولعل الفضول دفع بعضهم إلى السؤال عن معدلاتي الدراسية، وقد كانت جيدة، ولم أشعر – حقا – سوى بالاحتضان..
لكنني قررت أن أغادر هذه المؤسسة، بعد الحصة التطبيقية الأولى..
عمل جيد ومفيد….. فيه اللغة الجميلة والطموح والإصرار والأمل….. ونتعلم من قراءته ونضيف إلى حياتنا أشياء كثيرة… ننتظر المزيد
شدتني الصورة المعبرة، فجوة في السور، وبعد ذلك لا شيء، سوى خضرة تكسو الجبال، وفضاء واسع.. وحماس منقطع النظير للطيران الى البعييييد… نص جميل وممتع وزاخر بالطموحات.
إن مشتاق إلى الوجهة القادمة،فمن الفلاحة إلى أين ستأخذنا هذه المرة أخي سمير.