مسارات ومآلات

مسارات ومآلات
السبت 7 يناير 2023 - 14:16

غالبا ما يجد المرء منا نفسه، في لحظات الصفاء الذهني والروحي، يتأمل في مجريات الأحداث التي يشهدها العالم، أو في ما يحدث في حدود جغرافية الوطن الذي نشأ وترعرع في أحضانه، أو في التطورات التي يعرفها حيه، على مستوى البنية التحتية للأزقة والدروب والساحات… والبنية الفوقية للعقول والبنى الذهنية لساكنته، فيكتشف أن البنية الأولى قد طالها الاهتراء وبدت معالم خرابها واضحة تعلن بمرارة بأن الفساد مر من هنا، والبنية الثانية حولتها إهانات المسؤولين، والفساد المستشري، وتدني مستوى التعليم، وثراء الطبقة البورجوازية الفاحش إلى قنابل موقوتة رهن إشارة حاقد يأتي يوما ليفجرها.

الغريب في لحظات التأمل هذه، أنها غالبا ما تسلط الأضواء على مآلات التاريخ السوداء أكثر مما تسلطها على المآلات المضيئة.

عبد الله رجل أعرفه منذ يفاعة شبابه، وعايشت معه أحداثا كثيرة، كان فيها مزهوا بنفسه، ومعتزا بها أيما اعتزاز، ولهذه الصفات انجذبت إليه رقية وتزوجت منه، ورزقهما الله مالا وبنين وبنات، إلى حد أنهما كانا مضرب مثل للعائلة السعيدة والمثالية.

المسار 2..

كبر البنون والبنات، وأصبحوا شبابا يافعين، منهم من تعلم وهو اليوم عاطل، “لا شغل لا مشغلة” كما يحلو لعبد الله أن يعبر بذلك، ومنهم من تشرد، وباتت كل أزقة الشوارع ودروبها تعرفه على حد تعبير الأم رقية، التي ترى أن جيل أبنائها جيل ضائع، تائه، لا فائدة منه ترجى، جيل غبي، جيل يقلد “النصارى” في التفاهات، ولا يقلدهم في التحصيل والتعلم والطموح. أما عبد الله فقد كان يدافع عن هذا الجيل واصفا إياه بالذكي والفطن والطموح والحيوي؛ وهي كلها طاقات تنتظر أياد بيضاء تفجرها لتسهم في نمو وتقدم المجتمع، إنه جيل -يقول عبد الله- تعلم أحسن تعليم، ونال أعلى الشهادات، وتمكن من صقل خبراته بالتعلم والتكوين داخل وخارج الوطن الأم، لكن ماذا كانت النتيجة؟ بماذا كافأه المسؤولون؟ هل منحوه هذا الحق لينتج ويبدع ويوظف كل ما تعلمه لصالح بلده ومجتمعه؟ كل هذا لم يحصل، الذي حصل هو أن هؤلاء المسؤولين خصصوا مكافأة خاصة ومتميزة لهذا الجيل؛ حيث أمعنوا في تعذيبه والتنكيل به بالضرب والشتم والإهانة أمام قبة البرلمان المنتصبة في وسط العاصمة، وتحت أنظار نواب الأمة وممثلي الشعب يا حسرة.

المسار 3…

قال الأب عبد الله مخاطبا ابنه: عليك بالانضمام إلى حزب معين، لا يهم لونه ولا شعاره، وردة كان أو حصانا أو جرارا، حتى تستفيد من منصب يتناسب مع ما تحمله من شهادات، هكذا قال لي أحدهم ممن يعرفون من أين تُؤكل الكتف.

رد الابن ضاحكا: نصيحة غالية الثمن يا أبي، أتدري أن الانضمام، اليوم، إلى حزب يعني الانبطاح، والالتزام الأعمى بكل هلوسات الحزب وحماقات أعضائه في المكتب السياسي، يعني بعبارة أوضح عبدا لا يخالف الأوامر، ولا يحق له أن ينتقد، ولا يبدي الرأي، عليه فقط أن يرى ويسمع ولا يعلق حتى، إنه كالمريد تماما في الزوايا المنتشرة في ربوع الوطن العربي الكبير بهمومه وهزائمه وتخبطه في مرتع الإهانات التي لا تنتهي من الداخل والخارج على حد سواء.

المسار 4…

قالت رقية موجهة كلامها إلى ابنها: أنتم شباب اليوم، لا تعرفون أين توجد مصلحتكم، متهورون، مستهترون، متواكلون، لماذا لا تعمل بنصيحة والدك؟ إنها غالية فعلا، ما الضير في أن تخرج إلى الشارع وتنادي مع المنادين: هلموا جميعا إن المنقذ الوحيد لكم ولأبنائكم من براثن الفقر والحاجة هو حزب الوردة الذي سيزين فضاءاتكم المتسخة، أو إنه حزب الحصان الذي سيحمل أثقالكم إلى ما لا نهاية، أو إنه حزب الجرار الذي سيحرك محاريثكم في الأرض الراقدة، ما الضير في ذلك؟ ماذا تعلمت طيلة مسارك الدراسي؟ ألم يقل لك معلمك يوما أن الغاية تبرر الوسيلة؟ وأن المداهنة والنفاق الاجتماعي وجهان لعملة واحدة هي الوصولية والانتهازية، وهما وسيلتان ناجعتان للوصول إلى أعلى الدرجات؟ ألم أقل إنكم جيل غبي؟!. أجبني ما لي أراك صامتا وقد أصبت بالذهول والدهشة.

رد الابن باكيا: كفى يا أمي، لقد طفح الكيل، ووصل السيل الزبى، ولم يبق أمامي إلا ركوب الأمواج، عسى أن أصل يوما إلى الضفة الأخرى حيث لا وجود لجرار كجرارنا المغشوش صُنعه، ولا لوردة كوردتنا الذابلة، ولا لحصان كحصاننا الهرم الذي بلغ من الكبر عتيا، وأصابه الخرف قبل الأوان.

المسار 5…

ذات صباح باكر، سمع الوالدان عبد الله ورقية، طرقا قويا على الباب، هرع الاثنان بسرعة، وفتحا الباب بدون تردد ولا حيطة ولا حذر، وجدا شابا من سن ابنهما، حاملا بين يديه رسالة، سأل عبد الله الزائر دون سؤاله عن اسمه أو هويته: ماذا حدث، هل هو حي أم ميت؟

رد الزائر: من تقصد يا سيدي؟ أنا لا أعرف شيئا عما يدور في ذهنك الآن، أنا لا أحمل الرسائل إلا إلى الأحياء، وهذه رسالة تجد بداخلها استدعاء لابنك من أجل وظيفة شاغرة مُنحت له، وعليه أن يلتحق بها في أقرب وقت ممكن، لأن الحصول على وظيفة في هذا الزمن الرديء بات من سابع المستحيلات. التقط عبد الله الرسالة وعاد إلى البيت دون أن يقدم الشكر الواجب لحامل الرسالة البشرى.

لم يتمالك عبد الله نفسه، غالبه البكاء وهو ينظر إلى رقية التي اغرورقت عيناها دموعا، وظلا يرقبان عودة ابنهما الذي خرج ولم يقض الليلة معهما كعادته، انتظرا طويلا، والابن لم يعد بعد، استفسرا الأصدقاء والأتراب عن ابنهما الذي خرج ولم يعد، دون جدوى، وفي المساء جاء الخبر الصاعقة: لقد مات الابن في عرض البحر الأبيض المتوسط وهو يحاول الوصول إلى الضفة الأخرى حيث الفردوس كما كان يعتقد ويتوهم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 2

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''