معنى التوقيع على الاتفاقيات الدولية

معنى التوقيع على الاتفاقيات الدولية
الأربعاء 25 شتنبر 2019 - 03:36

بداية لا بد من التمييز بين أخطار الطبيعة والكوارث الناجمة عنها. فالأخطار موجودة على مر التاريخ وستبقى إلى نهايته. فلا راد لها، إنها فوق طاقة البشر، فيضانات كانت أو زلازل أو براكين، أعاصير، انهيارات أرضية، زوابع، حرائق الغابات الهائلة، تصحر، انتشار الجراد والجنادب، أو أمواج تسونامي وغيرها، لكن الكوارث الناجمة عنها هي مدار مسؤولية العنصر البشري، وهي مدار الاتفاقيات الدولية والجهوية والإقليمية، بما أنه يصعب على كل دولة مواجهتها بمفردها. من هنا كان تخصيصها بيوم عالمي يصادف 13 أكتوبر من كل عام، يكون مناسبة للبحث في سبل تطوير منظومة الوقاية منها، وكذا تقييم عمل الدول الموقعة على الحد من الآثار الكارثية المترتبة عنها في الأرواح أولا ثم الخسائر المادية ثانيا.

فهل التوقيع على هذه الاتفاقيات ترف ليس إلا، أم هو مسؤولية تتحمل الدول الموقعة تبعاتها وتلتزم ببنودها، ومن تمة تحاسب عن أي تقصير أو إخلال ببعض مقتضياتها، وإلا فلا أحد يضرب على يدي أية دولة ويرغمها على الانخراط ضمن الدول الأعضاء بدون تحفظ على أي بند من بنودها.

فالتوقيع على اتفاقية الحد من المخاطر مسؤولية والتزام، كأي توقيع على الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان أو حقوق المرأة أو حقوق الطفل أو ذوي الاحتياجات الخاصة أو حرية التعبير أو غيرها من الحقوق الكونية. وبناء على الالتزام بمقتضياتها يتم التعامل مع الدول الموقعة بالدعم والمساندة عند وقوع الكوارث، وكذا الاستفادة من الاستراتيجيات الأممية للحد من مخاطرها.

فالحكومات معنية بالتزاماتها. علما فتقديم الدعم للدول المتضررة ليس لسواد عيونها. فالكوارث عند وقوعها لا تقتصر آثارها على البلاد التي تجتاحها، بقدر ما تمتد أخطارها إلى البلاد المجاورة لها أولا ثم إلى كل بلاد المعمور ثانيا. فالحريق الكبير الذي شب بالأمازون التي تعتبر أكبر غابة على وجه الأرض تنتج 10 % من الأكسجين على كوكب الأرض، وتستهلك ما بين 90 و140 متريا من غازات الكربون، هل آثارها يقتصر على الدول التسع التي تمتد على أراضيها، أم سيكون مدمرا على مستقبل الكوكب برمته ينعكس سلبا على مجاله الطبيعي والمناخي. من هنا كان التضامن عالميا لإخماده، ومن هنا يكون السعي أمميا لرسم الاستراتيجيات للحد منها بكل أنواعها، وتشجيع كل المبادرات عبر العالم بما فيها تخصيص “جائزة المخاطر”، إيمانا منها بأن هذه الكوارث ليست شأنا خاصا بالدول المكتوية بنيرانها لوحدها.

بالرجوع إلى استراتيجية الأمم المتحدة نجد أنها ليست مبنية على منع المخاطر الطبيعية، بقدر ما تقوم أساسا على تقوية القدرة على مجابهتها والتخفيف من آثارها، وذلك بالتركيز على العناصر التالية:

الوقاية – التخفيف من الأضرار – الاستعداد لها – التعاون وإعادة الإعمار.

أتصور لو تم الالتزام بهذه الإجراءات، هل يمكن أن تقع مثل مأساة ملعب الموت وغيرها من المآسي؟ فلو اشتغلنا على المبدأ الأول فقط المتعلق بالوقاية لكفى البسطاء قسطا كبيرا مما يلاقونه جراء هذه الكوارث. فالوعي بمخاطرها جزء كبير من الوقاية. والوعي لا يتطلب أكثر من أن يتحمل الإعلام العمومي مسؤوليته، بما أن شبكته تمتد لتعم كل مناطق البلاد ولا يزال له حضوره بين الأهالي بهذه المناطق. فلو أن الإعلام بما يتوفر عليه من إمكانيات ووسائل التأثير قام بدوره في توعية الناس بعواقب إقامة مرافق عمومية بمجاري المياه أو اتخاذها مساكن لهم، وتذكيرهم الدائم بتبعاتها المأساوية ونقل المشاهد الكارثية للمستهترين بالقوانين الموضوعة لهذا الشأن، هل يمكن تصور اللعب بالنار والمغامرة بالاقتراب منها، وإقامة ملعب بكل مرافقه بما فيه مدرجات ويسوي المتفرجون مقاعدهم عليه وتنظيم دوريات لكرة القدم. أعتقد لوكان الوعي لما وطئ أحد أرضية ملعب الموت هذا حتى لو نزل من السماء كما نزلت مائدة بني إسرائيل؟

فالاستراتيجية الدولية تعتبر وسائل الإعلام دعامة أساسية للحد من آثارها المدمرة. فعلى عاتقها يتم خلق الوعي بمدى خطورتها وتثبيت ثقافة إيلاء النشرات الإنذارية أهميتها.

للأسف فجل الحكومات لا تزال لم تأخذ هذه المخاطر على محمل الجد، وتكتفي فقط بالتعامل معها بطريقة رد الفعل. فالإعلام من شأنه أن يغير ثقافة وتغيير تفكير الناس من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الوقاية التي تلتزم بها الدول المتقدمة لمنعها من أن تتحول إلى كوارث. هذا دون إغفال الشق القانوني الذي تؤكد الاستراتيجية الدولية عليه بتحميل المسؤولية للدول المتساهلة في إنفاذ القوانين المتعلقة بالبناء بالقرب من أخطار الطبيعة. إذ كيف تم السماح بإقامة ملعب بكل مرافقه على جرف هار يمكن في أية لحظة أن ينهد على رؤوس من فيه، اللهم إلا إذا تصورنا بأنه شيد بليل تحت جنح الظلام على غفلة من الجهات المسؤولة كما يحدث عادة بخصوص البناء العشوائي؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Maria
    الأربعاء 25 شتنبر 2019 - 19:11

    متفقة معك استاذ, بان الاتفاقيات تلزم اصحابها بها, لكن القوانين شيء و التطبيق شيء و هناك دول ليس فيها قوانين اصلا في هذا لمجال اي مجال البيئة و الوقاية من الكوارث, توعية المواطنين وحدها لا تكفي, مثلا بناء ملعب او مجمع سكني في مكان معرض للكوارث, يجب ان يكون ممنوعا تقنيا, المهندس عندما يريد التخطيط لبناء شيء, فلا يبنيه على حافة او جرف هار او مجرى المياه فتجرفه هههه منطقيا.. اما الاتفاقيات لدولية بصفة عامة, فيجب التساؤل اولا هل هي مفروضة على المجتمع و بالتالي يصعب تطبيقها او هناك اكراهات سياسية او مادية او ثقافية…لان المجتمع لا يمكن تغييره بالقوانين بين ليلة و ضحاها, او في مجالات اخرى هناك لوبيات تمنع ذلك, مثلا هناك من يتحدث عن لوبي الاسلحة في امريكا و لوبي التبغ..الى اخره

صوت وصورة
تقرير النزاهة والوقاية من الرشوة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 13:05 2

تقرير النزاهة والوقاية من الرشوة

صوت وصورة
فنون خليجية بمعرض الجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 09:24

فنون خليجية بمعرض الجديدة

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10 3

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة