مفهوم وزارات السيادة في المغرب

مفهوم وزارات السيادة في المغرب
الأربعاء 24 أكتوبر 2007 - 20:17

مفهوم “وزارات السيادة” نتاج الصراع بين الشرعية الشعبية والشرعية التاريخية الدينية


في الثقافة السياسية المغربية ظلت، حسب ميزان قوى الصراع بين الشرعية الشعبية والشرعية التاريخية الدينية، مجموعة من الوزارات، قد يتصاعد عددها أو يتقلص باختلاف الظروف، وتنعت بـ “وزارات السيادة” غالبا ما يهم الأمر وزارات الداخلية، الخارجية، الأوقاف، العدل، الأمانة العامة للحكومة وإدارة الدفاع الوطني، هذا مع العلم أنه لا وجود لوزارة الدفاع بالمغرب منذ الانقلاب العسكري لسنة 1972، وطبعا ظلت هذه الوزارات خارج دائرة نفوذ التناوب السياسي.


إنها في واقع الأمر وزارات لا يشرف عليها الوزير الأول؛ ومن أبرزها هذه الوزارات، وزارة الداخلية، علما أن الملك محمد السادس عمل في اتجاه الحد من تغول أجهزة الأمن المرتبطة بها، وذلك باعتبار الداخلية أهم “وزارات السيادة” في الثقافة السياسية المغربية، حيث يعتبر فقهاء القانون الدستوري والمحللون السياسيون أن مفهوم “وزارات السيادة” لا وجود له خارج مفهوم “حكومة السيادة“، إذ أن كل الوزارات هي وزارات سيادة، علاوة على أن الدساتير المغربية لم يسبق لها أن نصت على هذا المفهوم لا من بعيد ولا من قريب، حيث أجمع هؤلاء أنه مفهوم غير دستوري.


فالدستور المغربي ينص على أن السيادة للأمة التي تمارسها مباشرة عن طريق الاستفتاء أو بطريقة غير مباشرة عبر المؤسسات الدستورية، وما دامت الحكومة هي مؤسسة دستورية، فكل وزاراتها هي وزارات سيادة.


إلا أن مفهوم “وزارات السيادة” ظل مبدأ حاضرا بقوة في مجال التطبيق واحتل موقعا جوهريا في الخطابات الملكية لاسيما منذ الثمانينيات.


ومن المعلوم أن مفهوم “وزارت السيادة” ليس مفهوما تجزيئيا وإنما وجب ربطه بإشكالية السيادة في شموليتها، حتى في نطاق تكريسها على الصعيد المحلي، لاسيما بخصوص رمزية شخصية الوالي أو العامل التي تتمركز حول اختصاصات وصلاحيات واسعة.


لقد سبق لعبد الهادي بوطالب، مستشار الملك الراحل الحسن الثاني أن أكد بصريح العبارة، أن وزارات السيادة غير دستورية وإنما أضحت كذلك بالعرف فقط، دون الاستناد إلى أي نص قانوني.


ويرى الدكتور احمد مالكي، أستاذ العلوم السياسية، أنه في المغرب بدأنا مع حكومة 2002 ننتقل من الفهم القديم لوزارات السيادة إلى وضع أكثر تجديدا نسبيا، إذ أسندت وزارة العدل إلى الاتحاديين، علما أنه سبق لعبد الرحمان أمالو (حزب الاتحاد الدستوري) أن اضطلع بتدبير شؤون هذه الوزارة.


والأكيد هو أن مفهوم “وزارات السيادة” برز بوضوح في خضم صراع الشرعية التاريخية الدينية التي يدافع عنها القصر، والشرعية الشعبية المؤسسة على الديمقراطية التي تدافع عنها القوى المطالبة بالتغيير. ومما يرتكز عليه النظام في إبراز سمو الشرعية التاريخية الدينية عن الشرعية الشعبية، ثورة الملك والشعب، المتوجة للكفاح الوطني بقيادة الملك معية الحركة الوطنية انطلاقا من صدور الظهير البربري في 16 مايو 1930، إذ يعتبر من ثوابت هذه “الثورة” تكوين الدولة الوطنية والشرعية الوطنية تحت سمو الشرعية التاريخية الدينية.


وهناك من فقهاء القانون من يقرون أن مفهوم “وزارات السيادة” بدعة خلقها الملك الراحل الحسن الثاني ورسخها بقوة على صعيد التطبيق دون أن يكون لها أساس أو خلفية دستوريين، وقد تأكد هذا الأمر بجلاء إبان فشل المفاوضات بين الكتلة الديمقراطية والقصر بخصوص الاقتراح المقدم من طرف الملك الراحل الحسن الثاني حول حكومة التناوب، وقد يعزى ذلك الفشل إلى تشبث أقطاب الكتلة بشرط استبعاد إدريس البصري آنذاك، وهو الأمر الذي رفضه الملك كما نص على ذلك بلاغ صدر في هذا الصدد.


وحتى مع تعيين عبد الرحمان اليوسفي، وزيرا أول في ظل التناوب التوافقي، بقيت “وزارات السيادة” في يد وزراء غير حزبيين، كالداخلية والخارجية والأوقاف والشؤون الإسلامية وإدارة الدفاع والأمانة العامة للحكومة، ما عدا وزارة العدل التي تم التنازل عليها لفائدة الاتحاديين، وكذلك الأمر بعد خلع إدريس البصري، إذ ظلت وزارة الداخلية ضمن “وزارات السيادة” بامتياز، ومع بروز الإسلاميين وتقوية عودهم، بدأت فعاليات سياسية تدافع على ضرورة أن تظل بعض الوزارات تحت إشراف الملك وأن لا توضع بيد الأحزاب السياسية.


ومهما يكن من أمر، سيظل مفهوم “وزارات السيادة” قائما على الصعيد التطبيقي رغم عدم دستوريته، وذلك بفعل استمرار الصراع بين الشرعيتين.


واعتبارا لحيوية تلك الوزارات، سيكون من المغامرة حاليا، حسب تصور المخزن، إسنادها للأحزاب نفسها.. وهناك من يرى في وجود واستمرارية “وزارات السيادة” أمرا عاديا في ظل الظروف التي يعيشها المغرب، علما أن الملك ليس في حاجة لذلك المفهوم باعتبار أن الحكومة حكومته وتنفذ توجيهاته، وبذلك يظل أمر إسناد “وزارات الحكومة” إلى الأحزاب السياسية مرتبطا بإرادة الملك واختياره.


مصطفى بوعزيز / مؤرخ وأستاذ باحث


السلطة تأخذ شرعيتها خارج المجتمع والحقل السياسي


يرى المؤرخ مصطفى بوعزيز، أن السلطة في المجتمعات ما قبل الحداثية تأخذ شرعيتها من خارج المجتمع ومن خارج الحقل السياسي.


كما يقر أن مفهوم “وزارات السيادة” يظهر في لحظات صراع نفوذ بين فاعلين سياسيين أمامهم نزاع حول الشرعية، وبالتالي فهو أداة لتقليص مجال نفوذ فاعل وتوسيع مجال فاعل آخر.


كما يؤكد أن الوزارات في تاريخ المغرب دخلت بشكل تدريجي في تراتبية، ليوجد بعضها في أعلى الهرم وبعضها الآخر أدناه، وذلك منذ حضور قناعة اعتماد نظام حكامة جديد قاعدته تراكب بين نظام الشرعية التاريخية الدينية والشرعية الشعبية.


– ظل مفهوم السيادة قائما بالمغرب فمتى كان بروزه وهل أملته ظروف سياسية؟


+ المشكل في المغرب مرتبط بمفهوم السيادة، قبل وزارات السيادة، وإذا راجعت الدستور المغربي ستجد فيه أن السيادة للأمة، بينما في المجتمعات الحداثية السيادة للشعب، ومن هنا يجيء النقاش حول مصدر السلط، ففي المجتمعات الحداثية الشعب هو مصدر السلط، أما في المجتمعات ما قبل الحداثية، السلطة تأخذ شرعيتها من خارج المجتمع ومن خارج الحقل السياسي.


هذا التعارض الأول في مفهوم السيادة هو الذي، يطرح على المستوى العملي، غموضا يلحق بالسيادة كالحكومات إلخ.. وهذا جانب أول.


أما بالنسبة لوزارات السيادة، بطبيعة الحال، فإن هذا المفهوم هو مفهوم ظرفي يظهر في بعض الظروف السياسية ويغيب في ظروف سياسية أخرى، وبدقة أكثر يمكن القول إنه في لحظات صراع نفوذ بين فاعلين سياسيين، أمامهم نزاع حول الشرعية، يظهر هذا المفهوم، لأنه يرتبط بصراع حول مناطق النفوذ في السلطة القائمة، ويمكن الاختصار بشكل مجرد والقول إن فترات غياب النزاع حول الشرعية واستقرار النظام السياسي بطريقة من الطرق، إما بالقبول العام للشعب والأمة وإما بالتعسف؛ وبالتحكم في هذه اللحظات يغيب مفهوم وزارات السيادة، بينما في لحظات نوع من التباري بين مختلف الفاعلين يظهر هذا المفهوم، لأنه هو الأداة التي تؤدي إلى تقليص مجال نفوذ فاعل وإلى توسيع مجال الفاعل الآخر.


– في تاريخ المغرب السياسي، هل يمكن القول إنه تم اعتماد تراتبية بخصوص الوزارات في تعامل القصر مع الحكومة؟


+ خصوصا في المغرب المستقل، (أي من الاستقلال إلى الآن)، فمنذ أن دخل المغرب في بناء الدولة الوطنية، من 1956 إلى 1960، برز مفهوم وزارات السيادة، لأن الفاعلين السياسيين آنذاك، بين الحركة الوطنية (حزب الاستقلال وأحزاب أخرى) والقصر (المؤسسة الملكية) كان نوع من التوازن في ميزان القوى، وكان الصراع حول كيف سنبني الدولة الوطنية؟ وعلى أية سلط ستتأسس؟ وبما أن الدستور كان ورشا من الأوراش المفتوحة والتي كانت لازالت في بدايتها، والحكومة كانت الميدان الأول الذي سيتم فيه الصراع بين هؤلاء الفرقاء، لذلك برز مفهوم وزارات السيادة، وتجسد بالأساس في وزارة الداخلية ووزارة الدفاع بالأساس، وأخذت هاتين الوزارتين صفة وزارات السيادة، لأن الداخلية تعنى بالإدارة الترابية وبالنسبة للدفاع هناك الجيش، خصوصا وأن الصراع كان مع جيش آخر، وهو جيش التحرير الذي ظل موجودا إلى حدود زلزال أكادير، أي إلى حدود سنة 1960، وكانت مناسبة لتصفية نهائية لجيش التحرير، آنذاك كان الصراع حول هاتين الوزارتين، وكذا كانت البداية في هذا الإطار.


– في تاريخ المغرب السياسي، هل يمكن القول إنه تم اعتماد تراتبية بخصوص الوزارات في تعامل القصر مع الحكومة؟


+ بطبيعة الحال، لأن الحكومة هي أداة من أدوات السلطة القائمة، وبما أن الصراع الفعلي الذي كان حاصلا في بناء الدولة الوطنية، كما قلت، هو مرتبط بطبيعة الدولة، وإذا كانت دولة الحق والقانون مؤسسة على مبدأ جوهري، وهو أن الشعب مصدر السلط، فإن الدولة المغربية مبنية على أساس أن الأمة هي مصدر السلط وبأن الملك يمثل الأمة.


وهذا الصراع لا زال موجودا، وهو المتمحور حاليا حول، هل يصلح الدستور أو لا يصلح، وكان الجواب عليه، ولو بشكل خفيف، بما يقال : الانتقال، أي لننتقل، بمعنى أن هناك مرحلة انتقال من وضع إلى وضع آخر، لا زال لم يتجسد بعد، والصراع حول مصدر السلطة لازال قائما، وهو الذي يعبر عنه في الأدبيات الحقوقية بالشرعية، تنازع شريعتين، شرعية شعبية يقودها الانتخاب وصناديق الاقتراع، والشعب المصوت والمواطن المشارك في الانتخابات والشرعية الدينية التاريخية التي تطرح للمحاسبة، وهي الموجودة وتجسد المؤسسة الملكية، إذن هذا النزاع الحاصل بين الشرعيتين هو الذي تحرك خلفيته عمليا ما يظهر في جانب من جوانب الحياة السياسية في تشكيل الحكومة وفي تحديد الوزارات، وفي هذا الإطار، بطبيعة الحال إن مجموعة من الوزارات، في تاريخ المغرب، بشكل تدريجي ستدخل في تراتبية، وستوجد بعضها عمليا، في أعلى السلم وبعضها الآخر في أدناه، بعبارة أخرى سيسمح للشرعية “الشعبية” (أسطر على الشعبية بين مزدوجتين) بأن تتصرف في بعض الوزارات المتواجدة في أدنى السلم، وأن لا تتصرف نهائيا في الوزارات المتواجدة في أعلى السلم، لأنها تشكل الأدوات التي عبرها يتجسد النظام وخصوصا السلطة التي تمثل المؤسسة الملكية.


وكما قلت سابقا، هذا التجسيد لم يظهر بقوة إلا في الفترات التي يكون فيها تنازع بين الشرعيتين، وهذا ما برز في لحظات معينة، مثلا فيما بين 1960 إلى 1975 لم يكن موجودا، لأن مسألة السلطة محسومة والفاعلون الذين كانوا يحملون تصورا آخر للمجتمع ولمصدر السلطة كانوا في الهامش، وكانت هناك هيمنة مطلقة للمؤسسة الملكية، فلذلك لم يسجل قط في التاريخ أن كان صراعا حول الوزارات أو حول الترابية بينها، كانت آنذاك كل الوزارات متساوية و مسألة التراتبية تدخل في العمل.


لكن ابتداءا من 1975، بدأ هذا النقاش يطفو على السطح، خصوصا بعد أن أصبحت المؤسسة الملكية مقتنعة بأن نمط الحكامة السابق غير ممكن في إطار التحولات العالمية والجهوية، لاسيما مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات، وللتذكير، في الفترة التاريخية التي قال فيها الملك الراحل الحسن الثاني ” بأنني ضمن النظام المطروح عليه أن يتطور، وبأنني أطلب تجميد البرلمان لمدة سنتين أو تمديده لمدة سنتين، وستكون هذه الفترة بمثابة مرحلة تفكير، وبعدها سنفتح على الجميع“، إذن منذ 1989 إلى الآن، أصبح هذا النقاش ممكنا.


– لماذا؟


+ لأنه أصبحت هناك قناعة، بحيث يجب التخلي عن نظام الحكامة القديم والدخول في نظام حكامة جديد، قاعدته تراكب بين الشرعية التاريخية الدينية والشرعية الشعبية.


طبعا هذا التراكب في أي إطار سيتم؟ بالنسبة للملكية المغربية لا يمكنه أن يتم إلا في إطار تراتبية، وهذه التراتبية هي سمو الشرعية التاريخية الدينية على الشرعية الشعبية.


هذا هو الشرح النظري والتاريخي لهذا التطور.


– هل الخروج عن قاعدة تكريس مفهوم وزارة السيادة (مثل حالة وزارة العدل مع حكومة اليوسفي ثم حكومة جطو) هو مجرد استثناء، أم خيار حاصل في إطار صيرورة التغيير والانتقال الديمقراطي؟


+ هذا لن يغير شيئا فيما قلته، فقط هناك فرق درجي، (وأسطر كثيرا على عبارة “درجي”)، بعبارة أخرى فما هو الثابت عندما أقول فرق درجي؟ الثابت هو تراكب الشرعية الديمقراطية مع الشرعية التاريخية الدينية في إطار سمو هذه الأخيرة، وترجمته هي اكتساب مناطق نفوذ، بعابرة أخرى، أن تتسع مناطق نفوذ الشرعية التاريخية والدينية، بمعنى الوزراء الذين يأخذون شرعيتهم مباشرة من الملك وليس من صناديق الاقتراع، ومناطق نفوذ الشرعية الديمقراطية التي تأخذ شرعيتها من البرلمان ومن نتائج صناديق الاقتراع، كيفما كانت هذه النتائج، باعتبار أننا نتكلم في إطار منطق شكلي، ومع ذلك في إطار هذا المنطق الشكلي، هناك نوع من الصراع بخصوص توسيع أو تقليص النفوذ، وهذا ما أسميه بـ “الهندسة المتحركة”، بمعنى ليس هناك رسم لحدود نهائية، بل هناك هندسة متحركة، وهي التي تعطي للقوة وللفاعل المهيمن إمكانية رسمها كما يشاء، فقد يوسع مجال وزارات السيادة لكي يشمل حتى عشرة وزارات، وقد يقلصها في أربعة، كما جاء في خطاب مشهور للملك الراحل الحسن الثاني، الذي يقول الداخلية والوزارة الأولى والعدل والأوقاف، هذا عندما كان يتحدث عن التناوب الأول، أي العرض الأولي للتناوب في 1989 والذي لم يعط شيئا، وفي مقترحه الثاني، في التناوب المطروح بعد انتخاب 1993، عمليا، نظرا لأن الكتلة الديمقراطية كانت فاعلا صاعدا له برنامج يتجاوب معه عدد من المواطنين بشكل كبير، خصوصا أن البرنامج المجسد في ميثاق الكتلة كان يعبر بوضوح عن أن الشرعية الشعبية يجب على الأقل أن تساوي الشرعية التاريخية الدينية، لذلك كان الحديث عن مجلس الوزراء، ومن ضمن مقترحات ميثاق الكتلة الأول أن يفوض الملك للوزير شرعية توازي شرعية الملك، هذا ما عبر عنه آنذاك مستشار الملك رضا كديرة بأنه انقلاب على جلالة الملك، وبعد فشل العرض الأول للتناوب، كان جواب الملك هو عدم التنازل عن أسبقية الشرعية التاريخية الدينية ولكن تنازل في الفضاء، ولذلك قلص الفضاء إلى حدود وزارة الداخلية، ترك الوزارة الأولى ووزارة العدل ووزارة الخارجية، فكان هناك تراجع عند التطبيق ولكن ليس في المبدأ الذي هو سمو السيادة التاريخية والدينية، وهذا هو الصراع الذي سيحسمه دستور 1996، وثلاثة أحزاب الكتلة من أصل أربعة صوتت على الدستور بقبول الشرعية الشعبية الآتية بالديمقراطية عن طريق صناديق الاقتراع، وبذلك فهي نوع من الاعتراف بالضعف، والنتيجة كانت مباشرة لأن هناك اعترافا بالضعف، أصبحت وزارات السيادة سبعة في حكومة اليوسفي.


– في نظركم هل مازالت هناك دواعي لاعتماد مفهوم السيادة في وقت ينادي فيه الجميع بضرورة ترسيخ مفهوم المواطن والمواطنة عوض مفهوم الرعية؟


+ الإشكال في سؤالكم، هو عبارة “ينادي به الجميع“، فمن هذا “الجميع”؟ هذا غير صحيح، الجميع يستعمل خطابا لا توحده إلا الكلمات، بمعنى أن الجميع يتحدث عن مواطنة، يتحدث عن الحداثة، يتحدث عن الديمقراطية، بل يتحدث حتى على الشفافية ودولة الحق والقانون، إلا أن اتفاق هذا “الجميع” ينتهي عند الكلمات.


عندما ننتقل إلى مدلول الكلمات، أي ماذا نضع في قلب كل كلمة؟ وما هي دلالتها؟ هنا يحدث الخلاف الكبير، وما يعطيك الوضوح في هذا الإطار هي المواقف السياسية، وأعني بالخصوص المواقف السياسية حول الإصلاح الدستوري، فقضية الإصلاح الدستوري تضرب وتقولون أنتم بـ “الجميع” لأن هناك أولا من يقول بالإصلاح الدستوري الآن، وهناك من يقول بالإصلاح الدستوري مستقبلا عندما يرضى الملك ويريد، إذن هناك خلاف أولي حول الوقت والزمن، مادام هذا الخلاف موجودا سيستمر النقاش حول وزارات السيادة لأن نفس البناء الذي هو تراكب ضعيف بين الشرعية الديمقراطية والشرعية التاريخية الدينية مع سمو كبير لهذه الأخيرة، سيؤدي إلى استمرار الجدال حول وزارات السيادة.


وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى أن المشكل لا يتعلق بوزارات السيادة فقط، فأنتم الصحفيون غالبا ما تقاربون الأمور بشكل جزئي، فنفس الإشكال مطروح بالنسبة للدولة على الصعيد المحلي بتمثيلية الوالي أو العامل، والذي له صلاحيات كبيرة جدا، في الدستور، هو أيضا ممثل للسيادة وله سمو على ممثلي الوزارات، فمثلا سابقا في لحظات ميزان القوى كان مندوب وزارة لا يخضع للوالي أو العامل، بل يخضع لوزيره، والآن وبحكم بعض مقتضيات الدستور أصبح الوالي أو العامل ممثلا للدولة ومندوب أي وزارة يخضع له أكثر مما يخض لوزيره.


بل أكثر من هذا، ألا تلاحظ بأن جميع المدن الكبرى تقريبا من يوضع كعمدة على رأسها، غالبا ما يكون من حزب ضعيف لماذا؟لأن في البناء الذي نحن فيه لا يجب أن تظهر سلطة لها شرعية شعبية تدخل في نزاع مع من يمثل الشرعية التاريخية الدينية، فإذا كان هناك نزاع مثلا عمدة مدينة الدار البيضاء او مدينة مراكش يمثل التكتل الأقوى الموجود فسينازع ممثل الشرعية الأخرى، بذلك عندما يوضع على رأس مدينة، هناك تدخلات مختلفة، (فهناك اختلال يعطينا الأوضاع الكاريكاتورية التي تعرفون)، ففي الدار البيضاء أغلبية وفي الحكومة أغلبية أخرى، وليس هناك تطابق، بعبارة أخرى إن الأغلبية الحكومية المتضامنة حول الوزير الأول مفروض أن تنعكس محليا، لكنها هي متصارعة، وهذا يبين أن السامي هي الشرعية الأخرى ورموزها.


إذن الجميع غير متفق على الإصلاح الدستوري زمانا ( في توقيته) وفي هذا دلالة.


ومن يؤسس؟ هل الشعب الذي يؤسس وبحركات اجتماعية تطالب بتغيير وبانتقال أو بإدارة ملكية عندما يريد الملك؟ بمعنى آخر إن هذا التأجيل نفسه يكسر الصراع بين الشرعيتين، وهذا هو المستوى الأول في الخلاف.


أما المستوى الثاني فهو في المضمون، فحتى عندما يتفق هذا “الجميع” (الذي جاء في سؤالكم)

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
جلسة عمل | جمال العسري
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:45

جلسة عمل | جمال العسري

صوت وصورة
خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:36

خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل

صوت وصورة
أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 22:00 1

أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة

صوت وصورة
تعقيبات على البرنامج الحكومي
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 21:30 1

تعقيبات على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 19:09 8

المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة

صوت وصورة
تحيين الرسوم العقارية لحماية الملكية
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 18:00 1

تحيين الرسوم العقارية لحماية الملكية