مقعد مغربي دائم في مجلس الأمن..

مقعد مغربي دائم في مجلس الأمن..
الخميس 28 دجنبر 2023 - 08:36

تصريح مفاجئ أحدث رجة كبرى في مراكز القرار الإقليمية ومفاجأة قوية من العيار الثقيل كان لها وقعها في مختلف العواصم الدولية، هي الدعوة المغربية الصريحة للمجتمع الدولي بقبول المغرب في نادي الكبار بمقعد دائم وعضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي متكئا على حقائق تاريخية وجيوسياسية واقتصادية ومساهمات كبيرة في عمل منظومة الأمم المتحدة، وبشكل خاص الجهود الدولية للحفاظ على السلم والسلام الدوليين، الدعوة المغربية تأتي في وقت يعرف فيه العالم مخاضا جيوسياسيا متقلبا بفعل ثقل الصراعات التي تهدد الأمن العالمي، سواء في مسرح العمليات الأوروبي أو مسرح العمليات الشرق أوسطي أو مسرح بحر الصين الجنوبي أو مسرح العمليات الإفريقي بتعقيداته حيث تتصاعد المخاطر الدولية وتتنامى فرص انفجار الوضع العسكري والسياسي إلى مستويات غير مسبوقة.

كبير ديبلوماسي المغرب في الأمم المتحدة السيد عمر هلال عبر في تصريح صحفي على هامش النسخة 12 من فعاليات المؤتمر الدولي الحوارات الأطلسية، التي ينظمها أحد أرقى مراكز التفكير السياسي ومراصد التحليل الاستراتيجي في المغرب المركز الجديد لسياسات الجنوب بأن المملكة المغربية تمتلك كل المعايير والشروط التي يجب أن تتوفر عليها الدولة التي تطمح لانتخابها أو اختيارها كعضو دائم العضوية في مجلس الأمن كالاستقرار السياسي والتاريخ الإمبراطوري، الضاربة جذوره في عمق التاريخ الإنساني والنظام السياسي العريق الذي يمتلك مشروعية سياسية والقوة الاقتصادية الصاعدة والتفوق العسكري الإقليمي، إضافة إلى التوجه المغربي وفق استراتيجية واعدة ومسؤولة للتعاون في مجال التعاون جنوب – جنوب، وبشكل خاص الدول الإفريقية التي تندرج ضمن اطار رؤية ملكية استراتيجية وشاملة، تقوم على تعزيز القدرات في ميدان التنمية المستدامة وتعزيز السلام والأمن والاستقرار، ودعم التكامل الاقتصادي الجهوي والإقليمي، ضمن تعاون ثلاثي مع الشمال تجسيدا للرؤية الملكية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، التي عكسها في خطاباته الأخيرة ومن خلال زياراته المتعددة للقارة الإفريقية.

المطلب المغربي المشروع بمقعد دائم في مجلس الأمن الدولي يترجم رغبة مغربية قوية بالمساهمة الفاعلة في الحفاظ على الأمن والاستقرار العالمي والدفاع عن مصالح الشعوب الإفريقية وآمالها التي رغم تمثيلها النسبة الأكبر في الجمعية العامة للأمم المتحدة (28 في المئة)، تظل القارة الإفريقية التي تضم 54 دولة عاجزة عن المشاركة في أي إجراء أو إبداء رأي في القضايا التي تهمها في مجلس الأمن كونها ليست من الأعضاء دائمة العضوية، خاصة أن حوالي 70 في المئة من القرارات التي اتخذها مجلس الأمن في السنوات الأخيرة كانت متعلقة بإفريقيا. وهو ما عبر عنه عمر هلال قائلا بأن “عضويّة المغرب لن تكون من أجل بلدنا فقط، بل من أجل إفريقيا، ومن أجل العالم، من أجل السلام. تاريخ المغرب العريق، الذي يمتدّ لقرون ضاربة، هو شرعية أخرى تجعله البلد الذي يستحق أن يمثل القارة الإفريقية في هذا المجلس، بعد إصلاحه…”.

المطلب المغربي الواقعي يمكن تفهمه بعيدا عن العنتريات السياسية والتصريحات الاستفزازية التي ترنو لتضليل الحقائق وغض الطرف عن هزائم ديبلوماسية وسياسية، كما دأبت عليه بعض الأنظمة الشمولية بفكرها البائد بل هو تجسيد قوي لانخراط المملكة المغربية الجاد والمسؤول في الجهود الأممية لإصلاح الأمم المتحدة وبشكل خاص مجلس الأمن، إذ أن مطالب الإصلاح انطلقت منذ ستينيات القرن الماضي مع تغير المعطيات الجيوسياسية التي على أساسها تمت الدعوة لتأسيس منظمة الأمم المتحدة كضابط للسلام والتعايش العالمي، في مؤتمر سان فرانسيسكو من طرف الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية بحضور 51 دولة من بينها أربع دول إفريقية هي مصر وليبيريا وإثيوبيا وجنوب إفريقيا، في غياب مئات الدول التي كانت مستعمرة من طرف الإمبرياليات الاستعمارية الكبرى حين طالبت وقتها حركة عدم الانحياز بإصلاح الأمم المتحدة، حيث تم في عام 1965 زيادة عدد الأعضاء غير الدائمين من ستة إلى عشرة أعضاء ليبلغ إجمالي أعضاء مجلس الأمن خمسة عشر عضوا بما فيها الأعضاء الخمسة دائمو العضوية، وفي السبعينيات أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا بإعادة النظر في ميثاق الأمم المتحدة بحثا عن السبل الكفيلة بتعزيز دور المنظمة ومنحها مزيدا من الفعالية.

فكرة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي هي تطبيق لمقترحات الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورؤيته لطبيعة النظام العالمي الجديد ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تم تنصيب الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي -وهم الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (روسيا) والصين وفرنسا والمملكة المتحدة- منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 حيث تم تعيين هؤلاء الأعضاء الدائمين بناءً على سيطرة القوى الكبرى على القرار العالمي والتي لعبت دورًا حاسمًا في إنهاء المآسي الإنسانية التي عرفتها الحرب العالمية الثانية وتمثيلهم لمصالح العالم الكبيرة.

تهدف فكرة الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن إلى ضمان التوازن والاستقرار والحفاظ على السلم والأمن الدوليين. حيث يمنح الأعضاء الدائمون صلاحية النقض (الفيتو)، مما يعني أن أي قرار يتم التصويت عليه في المجلس يجب أن يحظى بتأييد جميع الأعضاء الدائمين ليتم قبوله. وهذا يعطي الأعضاء الدائمين قدرًا كبيرًا من النفوذ والقوة في صنع القرارات الدولية، يتم تناول الفكرة بشكل مختلف من قبل الدول والمجتمع الدولي. هناك من يرى أن هذا النظام يعكس توازن القوى ويحمي مصالح الدول الكبرى، بينما يرى آخرون أنه قد يؤدي إلى تعطيل المجلس وعرقلة اتخاذ القرارات الضرورية.

نتيجة لهذه التحفظات والانتقادات، قدمت بعض الدول مقترحات لإصلاح هيكل المجلس بهدف زيادة التمثيلية والشفافية في صنع القرارات. تتضمن هذه المقترحات زيادة عدد الأعضاء الدائمين وتوزيعهم بشكل أكثر تمثيلية جغرافية، وتعزيز صلاحيات الأعضاء غير الدائمين، وتحسين آليات اتخاذ القرار في المجلس. تستمر هذه المسألة في النقاش والتفاوض في المجتمع الدولي، ولم يصل حتى الآن إلى توافق شامل بشأن إصلاح هيكل المجلس.

إجرائيا يتطلب إصلاح مجلس الأمن تعديلا على ميثاق الأمم المتحدة، الأمر الذي يتطلب بدوره تصويت ثلثي أعضاء الجمعية العامة الـ193، بالإضافة إلى موافقة جميع الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن وهو أمر غير مستحيل نظريا، في ظل رغبة كل الأطراف الدولية القيام بإصلاحات تتناسب وتصورها للسلام العالمي ودور الأمم المتحدة في المساعدة على تحقيق التنمية المستدامة ومواجهة كل المخاطر الكبرى التي تواجه الإنسانية سواء منها الطبيعية أو البشرية، والمغرب بفضل الرؤية الملكية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس فإن الديبلوماسية المغربية لديها قواعد صارمة مؤسسة لها ولا يمكن بأي حال من الأحوال التغاضي عنها؛ هي قواعد تتمثل في حماية المصالح العليا للمغرب أولا والتزامها بالقانون الدولي والشرعية الدولية واحترام الوحدة الترابية للدول ودعم جهود السلام العالمية والإقليمية والانخراط الجدي والمشاركة الفعالة في كل الاتفاقيات الإطارية المتعددة الأطراف للأمم المتحدة كقضايا التنمية المستدامة ومكافحة الإرهاب الدولي والجريمة العابرة للقارات والسلم العالمي.

بالإضافة إلى أن الهندسة المؤسساتية للتعاون الدولي والوضع العالمي بعد جائحة كورونا، أصبح يفرض على كل دول العالم الالتزام بقواعد أكثر واقعية تفرض تغليب منطق ديبلوماسية المصالح على ديبلوماسية المواقف التي أصبحت نهجا متقادما مع سقوط جدار برلين ونهاية القطبية الثنائية وبروز عالم جدي متعدد الأقطاب.

الديبلوماسية المغربية اليوم تعتمد على “استراتيجية الفعل” ولا تبني مواقفها على “ردود الأفعال”، وهو ما عودتنا عليه في قضايا مصيرية اتخذت فيها مواقف صارمة بقراءة استراتيجية ورؤية مستقبلية جد متقدمة..

لا يمكن فصل الدعوة المغربية الصريحة للمجتمع الدولي بمقعد دائم في مجلس الأمن عن العديد من المكتسبات والانتصارات التي حققتها الديبلوماسية المغربية في العديد من الميادين، سواء في دفاعها المستميت إلى جانب المؤسسات الاستراتيجية للدولة المغربية عن الوحدة الترابية أو نجاح نهج القنصليات في الصحراء المغربية كدليل على إجماع دولي وقاري على الحقوق المغربية غير القابلة للتصرف، وبفضله تحولت الصحراء المغربية إلى منتدى سياسي وديبلوماسي دولي وجسر لوجستيكي عملاق للتعاون الاقتصادي بين دول الجنوب وممر حضاري استراتيجي بين دول الشمال والجنوب، أو من خلال مشاركة المغرب الفاعلة في المحطات الكبرى للديبلوماسية الأممية المتعددة الأطراف كاستقبال مؤتمرات دولية في مجال مكافحة الإرهاب أو العمل المناخي أو السياسات النقدية والمالية والتنمية الاقتصادية أو المشاركة الفاعلة في صياغة سياسات أممية قوية في العديد من المجالات التي تهم الاستقرار العالمي أو الأمن الدولي.

المملكة المغربية تعتبر المقاربة المتعددة الأطراف أحد أهم الاستراتيجيات الدبلوماسية التي تهدف من خلالها إلى بناء تحالفات وعلاقات مع الجهات الفاعلة دوليا، لتعزيز المصالح الاستراتيجية للمملكة والدفاع عن أمنها القومي، في هذا السياق فقد تبنى المغرب دبلوماسية متعددة الأطراف ملتزمة ومسؤولة واستباقية بهدف إبراز صورته على المستوى الدولي وتعزيز تأثيره في المحافل الدولية، باعتباره دولة ذات مكانة إقليمية ودولية هامة، حيث يسعى المغرب إلى تعزيز تمثيله في هيئات صنع القرار في المنظمات الإقليمية والدولية. ويتم ذلك من خلال دعم ترشيحات المغرب لشغل مناصب مختلفة في هذه المنظمات. يهدف ذلك إلى تحقيق أعلى مستوى تمثيلي ممكن يتناسب مع الدور الذي يلعبه المغرب ومكانته في الساحتين الإقليمية والدولية لتعكس هذه الجهود التزام المغرب بالمشاركة الفعالة في المجتمع الدولي والعمل على تعزيز السلام والاستقرار العالميين، وتعزز صورة المملكة كدولة مسؤولة وملتزمة بالقضايا الدولية المشتركة.

في ظل المتغيرات الجيوسياسية الحالية فإن مطلب إصلاح مجلس الأمن يظل أحد أهم المداخل الفاعلة في لإقرار سلام حقيقي ومستدام، في عالم يعج بالصراعات والحروب والتهديدات والمخاطر العسكرية والمناخية والاقتصادية، وتمكين مجلس الأمن ومن خلاله الأمم المتحدة من آليات فعالة للتدخل في الوقت المناسب بطريقة ناجعة يجعل من الواجب على كل دول العالم الانخراط بشكل جدي في سلسلة من المناقشات البناءة في هذا الموضوع، تصل إلى صياغة تفاهم مشترك يوفر الأرضية اللازمة للتوصل إلى حل توافقي يؤدي إلى إصلاح حقيقي وشامل لمجلس الأمن وينتقل بالأمم المتحدة من عملها الحالي “كشرطي يقدم تقاريره الخاصة بعد انتهاء الجريمة إلى إطفائي قادر على إخماد النار”، كما قال أحد الخبراء في أحد البرامج التلفزيونية التي تناولت الموضوع.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • الخزينة الجزاءرية لن تتحمل
    الخميس 28 دجنبر 2023 - 17:17

    لا لا ،أيها المغرب،لا تقدم على هدا العمل،الخزينة الجزاءرية غير قادرة على محاربة هدا العمل العظيم الدي تنوي القيام به.إنه الإنتحار بعينيه بالنسبة لنا نحن الجزائريين.تكفينا هده العقدة ،عقدة الصحراء،لمادا تريدوننا أن نتعقد إلى يوم القيامة.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان