من "البريكولاج" إلى المعلّم ..!

من "البريكولاج" إلى المعلّم ..!
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 14:14

الضغط على الحرف الطارئة “Bricollage”

باتت المهن والحرف اليدوية في المغرب تُشكل شرياناً أساسياً في الحياة اليومية للمواطنين؛ فلا يوجد بيتٌ يستغني عن خدمات السباك (البلومبيي)، أو الكهربائي (التريسيان)، أو الصباغ، أو البنّاء. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تفاقماً لظاهرة مثيرة للقلق، تتلخص في التسلل التدريجي لأفراد لا يملكون أدنى مؤهل أكاديمي أو تدريب حرفي مؤطر إلى هذه القطاعات، ليتحولوا بين عشية وضحاها من ممارسين لـ “البريكولاج” إلى صفة “المعلِّم”.

قصة الاحتيال المرصود

تبدأ القصة غالباً بأسلوب بسيط ومكشوف؛ يكتفي “البريكولور” بطلاء رقم هاتفه على جدران الأزقة والأحياء، مرفقاً بقائمة عشوائية تُظهره كخبير متعدد التخصصات (صباغ، بلومبيي، تريسيان…) فكأنما حاز كل الحرف في آن واحد! وهو في الواقع لا يملك محلاً ولا عنواناً قاراً ينطلق منه، في سلوك يتوخى الضبابية خوفاً من أي ملاحقة قانونية أو مساءلة في حال حدوث خطأ أو إصلاح معيب. بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى فرض تكاليف إضافية غير مبررة؛ فبمجرد امتلاكه وسيلة نقل بسيطة، يضيف مصاريف البنزين والتنقل إلى فاتورة الشغل دون سابق إعلام للزبون.

جشع البريكولور وتماطله

ويتجلى جشع هؤلاء في المبالغة الشديدة في تقاضي الأجور دون مراعاة لحجم العمل المنفذ؛ فإذا طُلب من أحدهم، على سبيل المثال، مجرد تركيب صنبور ماء بسيط، تجده يطالب بدفع مبلغ قد يتجاوز 200 درهم، لقاء عمل لم يستنفد منه أكثر من 40 دقيقة! هذا الغلاء الفاحش والمزاجي يحدث في غياب تام لأي لائحة أسعار مرجعية أو رقابة تحمي المواطن من الابتزاز.

وتزداد الصورة قتامة بالنظر إلى سلوك هؤلاء عقب تسلم المستحقات؛ فبمجرد استيفاء “مصروف الشغل” ينزوي هذا “المعلِّم” عن الأنظار ويختفي فوراً. وإذا ما ظهر عيب خفي أو خلل طارئ في “خدمته” وحاول صاحب المحل الاتصال به بقصد الترميم والإصلاح، يمارس أسلوب التملص والهروب عبر اختلاق أعذار واهية كادعاء المرض أو السفر المفاجئ، تاركاً الزبون يواجه تبعات الأشغال المغشوشة بمفرده.

ومع غياب معايير الضبط، يكتسب هذا “البريكولور” جرأة أكبر ليأخذ على عاتقه مشاريع وازنة وروافع أعمال معقدة. والمفارقة هنا تكمن في السرعة التي ينتقل بها من العمل الفردي غير المنظم إلى تسيير ورشة كاملة تحتضن ثلاثة أو أربعة عمال آخرين، يُعيدون بدورهم إنتاج ذات النهج العشوائي دون تكوين، محققين أرباحاً طائلة بعيداً عن الرقابة الضريبية والقانونية.

فجوة في القانون

أمام هذا الواقع، تسائل الظاهرةُ الترسانةَ القانونية والرقابية؛ ورغم أن المشرع المغربي يؤطر المسؤولية المدنية والتقصيرية في قانون الالتزامات والعقود، وينص التشريع الجنائي على زجر الاحتيال وادعاء الصفات، إلا أن نجاعة هذه النصوص تتهاوى أمام واقع “التخفي” وهروب هؤلاء الممارسين من أية إثباتات أو عقود كتابية.

إن معالجة هذا الخلل التنظيمي تستدعي وضع شروط صارمة لممارسة المهن الحرة؛ وعلى رأسها تفعيل المقتضيات الزجرية وتسريع تنزيل “بطاقة الحرفي” وترهين ممارسة الحرفة بوجود دبلوم أو شهادة كفاءة مهنية مُعترف بها. كما أضحت هيكلة القطاع غير المنظم عبر آليات مشجعة، مثل نظام المقاول الذاتي، ضرورة ملحّة لدمج هؤلاء الفاعلين وتأطيرهم، للحفاظ على أرواح المواطنين وصون قيمة الحرفة المغربية أصالتها وجودتها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30 2

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25 3

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري

صوت وصورة
مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:00 14

مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى مقر ''البام''
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 17:30 2

المنصوري تصل إلى مقر ''البام''

صوت وصورة
الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 16:55 10

الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة

صوت وصورة
محطة عشوائية في حديقة بسلا
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 11:28 11

محطة عشوائية في حديقة بسلا