(1)
اَلسّكينةُ التي أضاءَتْ يوْماً
عتمةَ الأعماقِ
طفقَتْ تتناثرُ كشظايا مزهريّةٍ
بلّورُها على عنادٍ كالمرآة انكسرَا،
أو طفقتْ تتبخّرُ كبَخورٍ
يذْوي في محرقَةِ قمامَةٍ،
تترمّدُ صولتُهُ تدْريجيّاً وتخْتَفي
كشمعةٍ في عُزلةٍ تشعلُها دموعُها وتنْطَفي.
من صادَرَ الطّريقَ تحتَ خُفّيْها الحريريينِ؟
قدْ يوقظُ المنبّهَ
ما تحجبُهُ السّنديانةُ إنْ قشّرَ الحظُّ ميعتَها
وحزَّ بجاذبيّةِ القلقِ العثراتِ،
لكنّنا نعُضّ على الغدِ
بالنواجذِ كيْ لا يضيعَ
في نزالِ عقربينْ، لأنّ ظلّ البصيرةِ
لا يقوى على افتراسِهِ رخُّ. /
(2)
أيٌّ منّا لم يعرفْ
كمْ قلْباً أجهدَ
لتدميرِ جبالٍ برعودٍ عاتية،
وكم غذَّ السّيرَ طوالَ عُمُرٍ
إلى تخومِ حتْفِهِ…
عموديّاً يحفُرُ في قمّةِ الجُلمودِ
ألْفَ قبرٍ لكلّ يومٍ شبَحٍ من الأيّام الآتية.
أما كان من السّهلِ جدّاً أنْ نُدرِكَ
أنّ العمرَ قصيرْ،
كي نحلّقَ أعلى،
وترتوي أعينُنا بالنّدى قريباً من صرخةِ البداياتِ
ضدّاً على صولةِ العمَشِ.
ونرى ريحانتينِ تتعانقانِ نكايةً بالهاجرة،
ونرى كم تغدو هشّةً
أمامَ لمحِ الرّؤيا بحارٌ وجبالٌ وأشياءْ،
ونسمعَ ضفدعةً
تفرحُ باحتفاءِ فجرٍ بحبْوِ نهرٍ في العقبة،
ثم نطلُّ من أرجوحةٍ على متنِ سحابة:
(3)
ثمةَ صغارٌ يهرولونْ
نحو الكُتّابِ ضاحكينْ،
بعضُهم يتواثبُ خلفَ كرةٍ حمراءَ
يحملقُ للأعلى
تحت رحمةِ المطرِ،
وبعضُهم يلعبُ الغمّيضةَ يكلّلُهُ قوسُ قزحْ،
أو يناوشُ حبلاً يقصفُ خيلَ الرّيحِ
تُلجِمُ طائراتِ الورَقِ،
(من كانتْ هجرتُهُ إلی طلَلٍ منسيٍّ
خلف واحةٍ تستغيثُ نُخَيْلاتُها درستْهُ السّنون،
ومن كانتْ هجرتُهُ إلى مجرّةٍ تضيقُ بالصّبواتِ
استراحتْ أطرافُهُ طويلاً من مساميرَ
يشهرُها النّاووسُ في وَجْهِ النّجومْ).
ثمةَ هُرَيْرةٌ تُشاكسُ سِدادَةً في الرّصيف،
بجانبِ بناتٍ تروّضْنَ الحبالَ
على مُلاطفةِ النّمْلِ والطّينِ والجُعَلِ،
مغنّياتٍ تشيّدْنَ جنّةً على المربّعاتِ.
(هناك دائماً فئرانٌ متنكّرةٌ
في متناولِ الهرَرِ الصّغيرةِ
تضلُّ الطريقَ إلى مغاور الأسطورة).
وثمةَ عجوزٌ تقطفُ الأقحوانَ لحفيدٍ
لم يولدْ بعدُ
يعلّمُ المشْيَ للحَصى والشّوكِ والحُفَرِ،
(كلّما امتدّتْ أناملُ الأرزةِ نحو الشّمْس
اشتَدّ عودُها
وتعافى الجذْعُ المقوَّسُ من وهْنِ العظام
صعوداً إلى قلعةٍ صامدة). /
(4)
لم تكدْ ترتدُّ إلينا الأبصارُ
حتّى قطعْنا الجسْرَ نحوَ الجزيرةِ
وأخمدْنا بعنّابِ القُربانِ حماقةَ الطّوفانْ.
في عزّ القيْظِ، لا تهمُّ المشّاءَ قشرةُ الجوزة
لكنْ من اللّازم أن يطمَعَ في ظل ّالشّجرَة
علَّهُ يخرجُ السّمتَ من القُمقُمِ،
يعيدُ رأْبَ ما تصدّعَ من بلّورِ المزهرية.
وليس من الصّعبِ
أن نلملمَ مِزَقَ الصّفَحاتِ الأربعينَ
تأسرُ بعضَها المتسربلَ غوايةُ الرّياح
وبعضُها العاري يسْبَحُ خفيةً في الجدولِ،
وليسَ من الصّعْبِ أن نخيطَ الحروفَ بالنّبضاتِ
نعيدَ تكوينَ ما تأرّبَ منْ طرسِ القصيدَة،
ثم نرجعَ مُسْرعينَ إلى رَبْعِنا
لحرْثِ مِساحةٍ من الفرَحِ الخالدِ
بحجمِ قبرٍ واحدٍ،
تَزْرعُ فيها تراتيلُ بسماتِنا
حنّاءً ترقّشُ أكفَّ المجهولِ،
حنطةً تتسامَقُ كالغزلانِ سنابلُها،
وأزهاراً ملوّنةً يكحِلُ أعينَها التّوتُ البريُّ
وهي تتشبّثُ بأذيالِ العلّيقِ، صفصافاً يداً في يدِ
يصِلُ اخْضِرارَ الأرضِ بزرقةِ السّماءِ يمدُّ بينَهما
سلالمَ نورٍ يتسلّقُها النّحْلُ والطّيرُ والنّخلُ
والأحلامُ الحانية. //
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.